الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً به وتوحيداً ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً مزيداً
أما بعد فإن محبة النبي صلى الله عليه وسلم دليل على صحة الإسلام وصدق الإيمان ، فهي من الأمور الواجبة المتعينة على كل مسلم ومسلمة، وقد جاء في الحديث الصحيح (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ) ، وهذه المحبة الواجبة دليلها وبرهانها: طاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيما أمر وتصديقه في ما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع ، قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال سبحانه: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر).
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: (هذه الآية الكريمة أصل في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله).
ومن القواعد المهمة في الإسلام ان العبادات توقيفية لا مجال للعقل فيها، وهي مبنية على الاتباع لا الابتداع، وان الأصل فيها الحظر والمنع حتى يرد الدليل على مشروعيتها، ودليل هذه القاعدة حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» رواه مسلم.
إلاّ ان بعض المسلمين هداهم الله ابتدعوا في دين الله بدعا ما أنزل الله بها من سلطان، ومن ذلك ما يقع من بعضهم في شهر ربيع الأول من احتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فظنوا ان هذا الاحتفال قربة وطاعة وما علموا انه بدعة وضلالة، فالاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أمر لا يجوز شرعاً وهو مردود لعدة أوجه:
الوجه الأول : عدم وجود الدليل على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي لا من الكتاب و لا من السنة وقد قال الله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) وفي الحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».
ولهذا يقال إن كل عبادة لم يفعلها النبي-صلى الله عليه وسلم مع وجود المقتضي وانتفاء المانع، فإن فعلها من البدع المذمومة ، وأن الأصل في العبادات المنع والتوقيف حتى يرد الدليل على مشروعيتها.
الوجه الثاني: أن الشريعة الإسلامية شريعة كاملة ليس فيها نقص ولا تقبل الزيادة ، قال الله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
قال الإمام مالك رحمه الله: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم ان محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً).
الوجه الثالث: أن الصحابة رضي الله عنهم هم اتقى الناس لله تعالى وأشدهم حرصاً على الخير، وأعظم محبة للنبي صلى الله عليه وسلم ممن جاء بعدهم، ومع ذلك لم يحتفلوا بمولده صلى الله عليه وسلم ، ولو كان خيرا لسبقونا إليه.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
“أَهْلُ السُّنَّةِ و الْجَمَاعَةِ يَقُولُونَ فِي كُلِّ فِعْلٍ وَقَوْلٍ لَمْ يَثْبُتْ عَنِ الصَّحَابَةِ: هُوَ بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ خَيْرًا لسبقونا إليه، لأنهم لَمْ يَتْرُكُوا خَصْلَةً مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ إِلَّا وَقَدْ بَادَرُوا إِلَيْهَا” أ. هـ
ومما ينبغي ذكره هاهنا
أن هذا الاحتفال البدعي لم يكن في عهد الصحابة الأخيار
ولا مَن جاء بَعدَهم مِن العُلماءِ والأئمَّةِ الأخيار، كأبي حَنيفةَ ومالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ، ولا مِن المُحدِّثين كالبُخاريِّ ومُسلِمٍ وغيرِهما، وإنَّما أُحدِثَ هذا الاحتِفالُ البِدعيُّ في أواخِر القرنِ الرابعِ الهِجريِّ، وأوَّلُ مَن أحْدَثه وابتدَعه هم الرافضةُ العُبَيديُّون (الذين يُسمَّوْن زُورًا وتَلبيسًا بالفاطميِّين).
قال الفاكهاني رحمه الله :”لا أعلم لهذا المولد أصلا في كتاب ولا سنة، ولا ينقل عمله عن أحد من علماء الأمة، الذين هم القدوة في الدين، المتمسكون بآثار المتقدمين؛ بل هو بدعة أحدثها البطالون، وشهوة نفس اغتنى بها الأكالون”
الوجه الرابع : أن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه، وقد قال الله تعالى: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبى صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» ، ومن صور الغلو في بدعة الاحتفال بالمولد النبوي أن بعض المحتفلين بمولده صلى الله عليه وسلم صاروا يرددون قصيدة البردة للبوصيري وهي قصيدة شركية تتضمن مخالفات شرعية ومن ذلك قوله:
يا أكرم الخلق من لي من ألوذ به
سواك عند حدوث الحادث العمم
فإن من جودك الدنيا وضرتها
ومن علومك علم اللوح والقلم.
الوجه الخامس :
أن الاحتفال بالمولد النبوي يصاحبه في الغالب أمور منكرة ومن ذلك اعتقاد المحتفلين بمولده أنه صلى الله عليه وسلم يحضر مجالسهم ولهذا يقومون له محيين ومرحبين وهو ما يسمونه ب ( الحضرة) ، وهذا من أعظم الباطل وأقبح الجهل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس ولا يحضر اجتماعهم بل هو ميت في قبره صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة قال الله تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) ، وأما روحه ففي أعلى عليين عند ربه في دار كرامته.
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للفتوى: “النبي صلى الله عليه وسلم لا يحضر بعد وفاته مجالس المولد ولا غيرها، بل هو مقيم في قبره إلى يوم البعث، واعتقاد حضوره مجالس المولد أو غيرها اعتقاد باطل”.انتهى كلامهم.
وأيضا مما يدل على بطلان هذا الاعتقاد أنه لو كان الحضور ممكناً أو مشروعاً، لكان الصحابة وهم أشد الأمة حباً له أولى بحضوره في أزمانهم، ولم يحدث أن ادعى أحدٌ منهم رؤيته في اليقظة أو حضوره مجالسهم بعد وفاته سواء بجسده أو بروحه.
الوجه السادس: أن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم فيه تشبه بالنصارى الذي يحتفلون بميلاد المسيح عليه السلام وقد جاء في صحيح البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبدالله».
الوجه السابع: يعتذر بعض المحتفلين بمولد النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم نحن نحب النبي صلى الله عليه وسلم ونريد الخير والثواب في ذلك ، فالجواب بأن يقال: “إن حسن القصد أو إرادة الخير ليس مبرراً كافياً لصحة العمل ” ، ولهذا قرر العلماء قاعدة جليلة وهي ان العبادة لا تقبل إلا بشرطين اثنين عظيمين: الاخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم ، والدليل قوله تعالى: (هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)، قال الفضيل بن عياض رحمه الله : (أحسنه أخلصه وأصوبه أي خالصاً لله صواباً على سنة رسوله صلى الله عليه وسلم).
الوجه الثامن:
يزعم المحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أن الاحتفال بمولده بدعة حسنة والصوابُ أن يقال : لا يُوجَدُ في الإسلامِ بِدعةٌ حَسَنةٌ، بلْ كلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ، كما هو صريحُ الحديثِ الصَّحيحِ عن رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال الإمامُ أبو عُبَيدٍ القاسمُ بنُ سلَّام رحمه الله : (البِدعُ والأهواءُ كلُّها نوعٌ واحدٌ في الضلال).
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله: “فقوله صلى الله عليه وسلم: (كل بدعة ضلالة) من جوامع الكلم لا يخرج عنه شيء، وهو أصل عظيم من أصول الدين”
وقال الشاطبي رحمه الله : (إنَّ قولَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: (كلُّ بِدعةٍ ضلالةٌ) مَحمولٌ عند العُلماءِ على عُمومِه، لا يُستثنَى منه شيءٌ البتَّةَ، وليس فيها ما هو حَسَنٌ أصلًا).
الوجه التاسع:
أن الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم أمر تعبدي وليس من قبيل العادات ، ولهذا يقال للمحتفِل بمولدِه صلَّى الله عليه وسلَّم: لماذا تَحتفِلُ بمولده ؟ فسيقولُ: لأنِّي أُحبُّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأرجو الثواب والأجر من الله..
فيقال له إذن أنت تعتقد أنه طاعة ؟ فسوف يقول نعم الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم طاعة ، وقطعًا لن يقولَ: هو معصيةٌ؛ إذْ كيف يَحتفِلُ بمعصيةٍ؟! فيُقال له بعد ذلك: هل عَلِم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الطاعةَ أم جَهِلها؟
فقطعًا لن يقولَ: جَهِلها؛
فإنْ قال: عَلِمَها،
سألْناه: هل بلَّغَها لأُمَّتِه أو كتَمَها؟ وهنا لا يُمكِن أن يقول: كَتَمها، فإنْ قال: بلَّغَها. قُلنا له: هاتِ الحديثَ الذي حثَّنا فيه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على الاحتِفالِ بمولدِه..
قال الله تعالى : (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).
والنتيجة : لا برهان ولا دليل على هذا الاحتفال البدعي.
الوجه العاشر :
أن الحقيقةُ التاريخيَّة التي لا تَقبَلُ الشكَّ : هو أنه لم يَثبُتْ أنَّ الثاني عَشرَ من ربيعٍ الأوَّل هو يومُ وِلادةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّمَ، بل الأرجحُ والأصحُّ: أنَّه يومُ وفاتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ…
قال الحافظ ابن حجر-رحمه الله-:”وكانت وفاته يوم الاثنين بلا خلاف من ربيع الأول… وعند الجمهور: أنه في الثاني عشر منه”
ا.هـ
نسأل الله تعالى أن يجعلنا هداة مهتدين وللسنة متبعين وصلى الله وسلم على نبينا محمد
وكتبه/ عمر بن عبدالرحمن العمر
عضو هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء
