الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَمَرَ بِالْعِفَّةِ، وَدَعَا إِلَى الطُّهْرِ، وَشَرَعَ الزَّوَاجَ سَكَنًا وَرَحْمَةً، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، جَعَلَ الْحَلَالَ حِصْنًا، وَالْحَرَامَ فِتْنَةً وَبَلاءً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].
أَمَّا بَعْدُ،
فَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ السَّلَامَةِ فِي زَمَنِ الْفِتَنِ: تَيْسِيرَ الْحَلَالِ، وَغَلْقَ أَبْوَابِ الْحَرَامِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،
إِنَّ الزَّوَاجَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ، وَعِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، بِهِ تُحْفَظُ الْأَعْرَاضُ، وَتُصَانُ الْقُلُوبُ، وَتَسْتَقِيمُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَفِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الْمُغْرِيَاتُ، وَسَهُلَتْ فِيهِ طُرُقُ الْفَسَادِ، أَصْبَحَ تَيْسِيرُ الزَّوَاجِ ضَرُورَةً شَرْعِيَّةً، لَا تَرَفًا اجْتِمَاعِيًّا، وَإِلَيْكُمْ قَوَاعِدَ جَامِعَةً فِي ذَلِكَ:
الْأُولَى: اسْتِحْضَارُ أَنَّ الزَّوَاجَ عِبَادَةٌ وَاسْتِعْفَافٌ،
فَالزَّوَاجُ لَيْسَ عَادَةً مَوْرُوثَةً، وَلَا مَظْهَرًا اجْتِمَاعِيًّا، بَلْ هُوَ طَاعَةٌ يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
«يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ» رواه البخاريُ ومسلمٌ.
فَمَنْ نَوَى بِزَوَاجِهِ الْعِفَّةَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ الْأَجْرَ، وَحَفِظَهُ مِنَ الْفِتَنِ.
الثَّانِيَةُ: الْيَقِينُ بِأَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللَّهِ، كَمْ مِنْ شَابٍ عَطَّلَ الزَّوَاجَ خَوْفَ الْفَقْرِ! وَرَبُّنَا يَقُولُ: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}.
وَوَعْدُ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّاكِحَ يُرِيدُ الْعَفَافَ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُ، فَثِقُوا بِوَعْدِ اللَّهِ، فَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ. بلْ جعلَ الصحابةُ كعمرَ بنِ الخطابِ وابنِ مسعودٍ -رضي الله عنهما- الزواجَ سببَ الغنى.
الثَّالِثَةُ: اعْتِمَادُ الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ فِي الْقَبُولِ، فَالْأَصْلُ فِي الْخَاطِبِ دِينُهُ وَخُلُقُهُ، لَا مَالُهُ وَلَا مَظْهَرُهُ، قَالَ ﷺ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةً فِي الْأَرْضِ وَفَسَادًا عَرِيضًا». رواه الترمذيُ، وحسنه العلامةُ الألبانيُ. فَتَعْقِيدُ الشُّرُوطِ بَابٌ لِلْفِتْنَةِ، وَتَيْسِيرُ الْحَلَالِ سَدٌّ لَهَا.
الرَّابِعَةُ: الْبَرَكَةُ فِي تَيْسِيرِ الْمَهُورِ، فَالْمُغَالَاةُ فِي الْمَهُورِ آفَةٌ أَرْهَقَتِ الشَّبَابَ روى الإمامُ أحمدُ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا» وحسنه العلامةُ الألبانيُ. وَمَا كَانَ لِلَّهِ كَانَ فِيهِ الْخَيْرُ وَالدَّوَامُ.
الْخَامِسَةُ: الْحَذَرُ مِنَ الْإِسْرَافِ فِي الْمَظَاهِرِ وَالْوَلَائِمِ، فَكَمْ مِنْ زَوَاجٍ بَدَأَ بِدُيُونٍ، وَانْتَهَى بِالْهُمُومِ! قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، فَالزَّوَاجُ سَكَنٌ، لَا اسْتِعْرَاضٌ، وَرَاحَةٌ، لَا مُنَافَسَةٌ.
السَّادِسَةُ: مَسْؤُولِيَّةُ الْأَوْلِيَاءِ فِي التَّيْسِيرِ، فَالْوَلِيُّ أَمِينٌ، لَا مُعَوِّقٌ، وَمِفْتَاحُ خَيْرٍ، لَا بَابُ عَنَتٍ، فَلْيَتَذَكَّرِ الْأَبُ أَنَّهُ كَانَ يَوْمًا شَابًّا، وَلْيَجْعَلْ مِنْ وِلَايَتِهِ رَحْمَةً، لَا مُشَقَّةً.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَيْسِيرَ الزَّوَاجِ عِلَاجٌ لِلْفِتَنِ، وَسَدٌّ لِأَبْوَابِ الشَّرِّ، ونماءٌ للمجتمعِ والدولِ.
السَّابِعَةُ: الْوَاقِعِيَّةُ فِي الحياةِ الزَّوْجِيَّةِ، فَلَيْسَ شَرْطًا أن تبدأَ الحياةُ الزوجيةُ بالقناعةِ التامةِ بلْ رويدًا رويدًا، وليسَ شرطًا أَنْ يَبْدَأَ الشَّابُّ بِقَصْرٍ مَشِيدٍ، بَلْ يَكْفِي بَيْتٌ يُحَقِّقُ السِّتْرَ وَالِاسْتِقْرَارَ،
فَالسَّعَادَةُ فِي الْمَوَدَّةِ وَالسَّكِينَةِ، لَا فِي زُخْرُفِ الْجُدُرَانِ.
الثَّامِنَةُ: عَدَمُ تَأْخِيرِ الزَّوَاجِ بِحُجَّةِ الدِّرَاسَةِ أَوْ بِنَاءِ النَّفْسِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الْقُدْرَةُ الْأَسَاسِيَّةُ، كَانَ الزَّوَاجُ عَوْنًا لَا عَائِقًا، وَالِاسْتِقْرَارُ النَّفْسِيُّ سَبَبٌ لِلنَّجَاحِ، لَا سَبَبًا لِلْفَشَلِ.
التَّاسِعَةُ: الْحَذَرُ مِنْ خِدَاعِ وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، فَمَا يُعْرَضُ فِيهَا غَالِبًا حَيَاةٌ مُصْطَنَعَةٌ، وَمُقَارَنَاتٌ مُهْلِكَةٌ، وَمَنْ قَاسَ حَيَاتَهُ بِالصُّوَرِ، عَاشَ نَاقِمًا وَلَوْ مَلَكَ الْكَثِيرَ.
الْعَاشِرَةُ: الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ بِطَلَبِ الْعِفَّةِ وَالزَّوْجِ الصَّالِحِ، فَالْقُلُوبُ بِيَدِ اللَّهِ، وَالرِّزْقُ بِيَدِهِ، وَالْهَدَايَةُ بِيَدِهِ، {رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}.
اللَّهُمَّ يَسِّرْ زَوَاجَ شَبَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْفَظْهُمْ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ اغْنِهِمْ بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَبِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي بُيُوتِ الْمُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْهَا قَائِمَةً عَلَى طَاعَتِكَ، عَامِرَةً بِذِكْرِكَ، مُتَّبِعَةً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ.
اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.