خطبة: فضل العلم والعلماء


 

الخطبة الأولى

إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة وجاهد في الله حق جهاده وعبد الله مخلصًا حتى أتاه اليقين من ربه. صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد:

معاشر المؤمنين:

لقد امتنّ الله عز وجل على هذه الأمة ببعثة نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة، وهذه المنة التي امتن الله بها على عباده هي أكبر النعم بل أصلها، قال الله عز وجل: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}.

وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنّ العلماء هم ورثة الأنبياء وأنهم من يحمل العلم عنه، فهم العالمون بمصالح الأمة بعده، الذابون عن سنته، الحافظون لشريعته.

قال ابن تيمية رحمه الله: “ولا بقاء لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم فإذا درست آثار الرسل من الأرض وانمحت بالكلية ‌خرّب ‌الله العالم العلوي والسفلي وأقام القيامة”.

لذا فإنّ قلة العلم ورفعه من أشراط الساعة، فقد ثبت في الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ ‌يُرْفَعَ ‌العِلْمُ، وَيَكْثُرَ الجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، وَيَكْثُرَ شُرْبُ الخَمْرِ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ».

قال ابن حجر – رحمه الله -: ” وَكَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الْخَمْسَةَ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهَا مُشْعِرَةً بِاخْتِلَالِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْصُلُ بِحِفْظِهَا صَلَاحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَهِيَ الدِّينُ لِأَنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ يُخِلُّ بِهِ وَالْعَقْلُ لِأَنَّ شرب الْخمر يخل بِهِ وَالنّسب لِأَن الزِّنَى يُخِلُّ بِهِ وَالنَّفْسُ وَالْمَالُ لِأَنَّ كَثْرَةَ الْفِتَنِ تُخِلُّ بِهِمَا قَالَ الْكِرْمَانِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ اخْتِلَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ مُؤْذِنًا بِخَرَابِ الْعَالَمِ لِأَنَّ الْخَلْقَ لا يتركون هَمَلًا وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا صَلَوَاتُ اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فَيَتَعَيَّنُ ذَلِكَ”.

والمراد بقبض العلم ومحوه في هذا الحديث أن يموت حملته، كما ثبت في الصحيحين عن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ ‌بِقَبْضِ ‌الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا».

وهذا يدل على فضيلة العلم وأهله وأنّ ذهابهم نقصٌ في الدين، وعلامة لحلول البلاء المبين.

قال عطاء وجماعةٌ في قول الله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا) نقصانها موت العلماء وذهاب الفقهاء.

وروى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود رضي الله عنه «موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، ما اختلف الليل والنهار».

بارك الله لي ولكم.

 

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترةٍ من الرسل، بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه. أما بعد:

فإنّ مما يدل على فضل العلم وأهله أنّ الله عز وجل استشهد بأولي العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال سبحانه {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ ‌قَائِمًا ‌بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، ولَوْ كَانَ أَحَدٌ أَشْرَفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ لَقَرَنَهُمُ اللَّهُ بِاسْمِهِ وَاسْمِ مَلَائِكَتِهِ كَمَا قَرَنَ اسْمَ الْعُلَمَاءِ.

كما يدل علَى فَضْلِ الْعِلْمِ وَشَرَفِ الْعُلَمَاءِ وَفَضْلِهِم أيضًا قوله تعالى: َ{إِنَّمَا ‌يَخْشَى ‌اللَّهَ ‌مِنْ ‌عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}. قال السعدي رحمه الله: “هذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}”.

وقَالَ تعالى فِي شَرَفِ الْعِلْمِ لِنَبِيِّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: {وَقُلْ ‌رَبِّ ‌زِدْنِي ‌عِلْماً}، فلو كان شي أَشْرَفَ مِنَ الْعِلْمِ لَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَسْأَلَهُ الْمَزِيدَ مِنْهُ كَمَا أَمَرَ أَنْ يَسْتَزِيدَهُ مِنَ الْعِلْمِ.

وأخبر سبحانه عن رفعة درجات أهل العلم والإيمان خاصة، قال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ – رضي الله عنه -: “مَدَحَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ”، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَرْفَعُ اللَّهُ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُؤْتَوُا الْعِلْمَ.

ونفى تبارك وتعالى التسويةَ بين أهل العلم وغيرهم، فقال سبحانه: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} وهذا يدل على غاية فضلهم وشرفهم.

وبيّن – صلى الله عليه وسلم – أنّ الفقه في الدين من علامة إرادة اللهِ الخيرَ للعبد، ففي الصحيحين عن معاوية – رضي الله عنه – أنه قال وهو يخطب: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ)، وقد دلّ الحديث بمفهومه على أنّ من ‌لم ‌يفقهه الله في الدين لم يرد به خيرًا.

كما قد بينّ – صلى الله عليه وسلم – أنّ طلب العلم من أفضل الأعمال وأنه سبب موصل إلى الجنة، وأنه لا يبلغ أحد رتبة العلماء، وأن رتبتهم ثانية عن رتبة الأنبياء. قال – صلى الله عليه وسلم -: «‌منْ ‌سلك ‌طرِيقًا يبْتغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طرِيقًا إِلى الجنّةِ، وإِنّ الملائِكة تضعُ أجْنِحَتَهَا رِضًى لِطالِبِ العِلْمِ، وإِنّ العالِم ليسْتغْفِرُ لهُ منْ فِي السّمواتِ ومنْ فِي الأرْضِ حتّى الحِيتانُ فِي الماءِ، وفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كفضْلِ القمرِ على سائِرِ الكواكِبِ، وإِنّ العُلماء ورثةُ الأنْبِياءِ، وإِنّ الأنْبِياء لمْ يُورِّثُوا دِينارًا ولا دِرْهمًا إِنّما ورّثُوا العِلْم؛ فمنْ أخذ بِهِ أخذ بِحظٍّ وافِرٍ» رواه أبو داود وحسنه الألباني.

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا ورزقًا طيبًا وعملًا متقبلًا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم.

والحمد لله رب العالمين.

 

أعدها: بدر بن خضير الشمري، للملاحظات يرجى التواصل عبر الرقم:00966533646769

 

خطبة بعنوان فضل العلم والعلماء


شارك المحتوى: