تفاوت المنازل في النوازل


تفاوت المنازل في النوازل

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… أما بعد

فإن المتأملين من المؤمنين أهل الحكمة العقلاء لحال أمتهم الإسلامية وما مرت به من أزمات على مر التاريخ وتمر به الآن من كيد أعدائها ليعلمون بأنه أمر غير مستغرب لما ذكره الله عز وجل في كتابه الكريم{{ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}}البقره120 ويعلمون بأن الكفر مله واحدة لمن أظهره أو نافق وأخفاه قال الله عز وجل{{والذين كفروا بعضهم اولياء بعض}}الانفال72 وقوله تعالى{{ المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف}} التوبه66

ويعلمون تفاوت عامة المسلمين في معرفة علماء الدين الربانيين الراسخين في العلم قال الله جل وعلا{{ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب}}الزمر9 يقول مالك ابن انس سمعت ربيعه ابن أبي عبد الرحمن يقول ( الناس في حجور علمائهم كالصبيان في حجور آبائهم)

وإن هؤلاء العلماء على صنفين:

الصنف الأول: في قلبه زيغ لم يراقب الله ولم يلزم السنة فلم يأخذ بالدليل ولم يحكم بشرع الله بل اتبع الهوى فابتدع بتتبع المتشابه ليلبس على المسلمين بسرد الأدلة على غير فهم السلف بل بفهمه وأمثال فهمه وان لم يسعفه دليل يتأوله لجأ إلى قواعد من عمل أهل البدع كالغاية تبرر الوسيلة ونجتمع فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعض فيما اختلفنا فيه وأمثالها كثير. جاء في حديث عائشة رضي الله عنها(أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {{هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات }} حتى بلغ{{ وما يذكر إلا أولو الألباب}}ال عمران7 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم(( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه أولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)) أخرجه البخاري ومسلم . ولم يعلم هذا المسكين الضال ما توعده الله به وأمثاله في كتابه الكريم بقوله تعالى {{ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}}النساء110 فعقوبته في الدنيا استمراره في ضلاله ليحصل على العقوبة في الآخرة نسأل الله العافية .

ومن أمثال ألاعيبهم و ما اشتهروا به يحدثون الناس بقال الله وقال رسوله بطريقة الحماسة في الإلقاء متصنعين الخشوع والبكاء إذا لزم الأمر ويمدحون علماء السنة، وذلك لاستجلاب عاطفة الناس ظاهرهم السنة وأفعالهم وأقوالهم مغايرة لها، وإن وافقوها فمصلحة حزبهم ومصلحتهم الشخصية راجحة يقول مفضل بن مهلهل (لو كان صاحب البدعة إذا جلست إليه يحدثك ببدعته حذرته وفررت منه ولكنه يحدثك بأحاديث السنة في بدو مجلسه ثم يدخل عليك بدعته فلعلها تلزم قلبك فمتى تخرج من قلبك) الإبانةويقول الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله(لأن أطلب الدنيا بالدف والمزمار أحب إلي من أن أطلبها بالدين) وقد حفظ لنا التاريخ بعض فتاواهم المخربة في ماضيهم قارنها بفتاواهم الحاضرة تجد التناقض ومن دون أن يمروا بأطوار التوبة التي أرادها الله لمن أفتى بخلاف الدين ليتبين تلونهم لأنهم يريدون أن يكسبوا الجميع قال الله تعالى{{ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم}} البقره160

فإن لم يمروا بهذه الأطوار من التوبة فالإصلاح والبيان. فاعلم أنهم مخادعون يمرون بما يسمى عندهم بسياسة المرحلة وهي نفس التقية التي عند الرافضة فارتقب الطوام المهلكة للمسلمين إن لم يحذر أهل السنة منهم بالتسمية والتشهير وليس هذا من الغيبة بل هو جهاد في سبيل الله .

وأما الصنف الآخر من العلماء: هم من راقب الله ولزم السنة ونصح للأمة عن علم راسخ لا تؤثر فيه العاطفة عن الأخذ بالدليل وتحكيم شرع الله فهم بحمد الله معروفين بالسلفيين لا يخرجون عن هذا مجاراة لهوى ولا خوفاً من أحد فهم يتبعون لا يبتدعون وهم المحتكمين إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بفهم السلف الصالح يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في علماء أهل السنة في كتابه الرد على الزنادقة والجهمية (الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم ضال تائه قد هدوه فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح اثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين ) ص8

قال الإمام مالك رحمه الله (لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها) وقال ابن بطة رحمه الله في السلف الصالح (فلله در أقوام دقت فطنهم وصفت أذهانهم وتعالت بهم الهمم في اتباع نبيهم وتناهت بهم المحبة حتى اتبعوه هذا الاتباع فبمثل هدي هؤلاء العقلاء إخواني فاهتدوا ولآثارهم فاقتدوا ترشدوا وتنصروا وتجبروا) الإبانة.

وسأذكر من كبار هؤلاء العلماء السلفيين الذين عاصرهم جيلنا لا على سبيل الحصر الشيخ ابن إبراهيم وابن باز وابن عثيمين والألباني وصالح الفوزان وابن غديان ومقبل الوادعي وعبد الرزاق عفيفي وصالح الأطرم وصالح السحيمي ومحمد الجامي وعبد المحسن العباد واحمد النجمي وعبدالله ابن حميد وحمود التويجري وربيع المدخلي وعبد الله العبيلان وعبيد الجابري وسعد الحصين ومحمد الشنقيطي ومحمد الفيفي غفر الله لميتهم وثبت حيهم من تأمل فتاواهم خاصة في النوازل التي يترتب عليها أمور عظام وجدتها موافقة للحق وبفضل الله حفظت دماء المسلمين ودينهم وأعراضهم وفتاواهم معروفة للباحثين ولذي كل لب وقد سطرها التاريخ وما آلت إليه من ثمرات واضحة جلية لأنهم تبعوا الدليل فتكلموا به فابصروا بنور الله وبصروا الناس فرفع الله قدرهم من أراد فليرجع إليها وليقارن بينها وبين فتاوى أهل البدع الذين ملؤوا الأرض بعددهم وعدتهم فهم الأكثرية ولا حول ولاقوة إلا بالله فهذه سنة الله فلا تغتروا بهم فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء)) فأهل السنة في غربة خاصة في هذه الأزمنة جعلني الله وإياكم منهم وأختم بقول الله عز وجل {{فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال}}الرعد17

أبو عبد الله الباهلي