{مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الميسر حرام ومن الكبائر


{مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} الميسر حرام ومن الكبائر

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد:

فلقد كثر الميسر (القمار) وانتشر في هذه الأيام بصور جديدة وسموه بغير اسمه ترويجا وتحسيناً، فتارة باسم مسابقات وتارة باسم جرب حظك وتارة اربح مع فلان وتارة احصد جوائز وغير ذلك مما لا يشك عاقل أنه الميسر المحرم الذي يكون فيه احد الطرفين إما غانم أو غارم على سبيل المقامرة المحرمة بالكتاب والسنة والإجماع الأمر الذي دعاني إلى أن اذكر نفسي وإخواني المسلمين لنحذر من سخط رب العالمين قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)} [البقرة]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)} [المائدة].

وفي الحديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ وَالْغُبَيْرَاءِ وَقَالَ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. [رواه أبو داود في سننه 3685]، وقال الألباني صحيح في صحيح سنن أبي داود عن عبيد الله بن عمر: أنه سمع عمر بن عبيد الله يقول للقاسم بن محمد: النرد “ميسر”، أرأيت الشطرنج؟ ميسر هو؟ فقال القاسم: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر.

وهذا كلُّه مضادٌّ لِما خَلَق اللهُ العبادَ لأجله مِنْ تفريغِ قلوبهم لمعرفته ومحبَّته وخشيته وذكره ومناجاتِه ودعائِه والابتهال إليه فما حالَ بين بالعبد وبين ذلك ولم يكن بالعبد إليه ضرورةٌ بل كان ضرراً محضاً عليه كان محرماً، وقد رُوي عن عليٍّ أنّه قال لمن رآهم يلعبون بالشِّطرنج: ما لهذا خُلقتم، ومن هنا يعلم أنَّ الميسرَ محرَّمٌ، سواء كان بِعوَضٍ أو بغيرِ عوضٍ، وأنَّ الشطرنج كالنَّرد أو شرٌّ منه لأنَّها تشغلُ أصحابَها عن ذكر الله، وعن الصَّلاةِ أكثر مِنَ النَّرد. [جامع العلوم الحديث السادس والأربعين].

قال ابن تيمية رحمه الله: فَحُصُولُ الْغَرَضِ بِبَعْضِ الْأُمُورِ لَا يَسْتَلْزِمُ إبَاحَتَهُ وَإِنْ كَانَ الْغَرَضُ مُبَاحًا فَإِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ وَالشَّرِيعَةُ جَاءَتْ بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا وَإِلَّا فَجَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ مِنْ الشِّرْكِ وَالْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْفَوَاحِشِ وَالظُّلْمِ قَدْ يَحْصُلُ لِصَاحِبِهِ بِهِ مَنَافِعُ وَمَقَاصِدُ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مَفَاسِدُهَا رَاجِحَةً عَلَى مَصَالِحِهَا نَهَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ عَنْهَا كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأُمُورِ كَالْعِبَادَاتِ وَالْجِهَادِ وَإِنْفَاقِ الْأَمْوَالِ قَدْ تَكُونُ مُضِرَّةً لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ مَصْلَحَتُهُ رَاجِحَةً عَلَى مَفْسَدَتِهِ أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ. [مجموع الفتاوى 1/265] وقال في قوله تعالى: {إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ} فَبَيَّنَ فِيهِ الْعِلَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: حُصُولُ مَفْسَدَةِ الْعَدَاوَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَغْضَاءِ الْبَاطِنَةِ وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ رَأْسُ السَّعَادَةِ وَهِيَ ذِكْرُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ فَيَصُدُّ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ إيجَابًا أَوْ اسْتِحْبَابًا. وَبِهَذَا الْمَعْنَى عَلَّلُوا أَيْضًا كَرَاهَةَ أَنْوَاعِ الْمَيْسِرِ مِنْ الشِّطْرَنْجِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُورِثُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةَ وَيَصُدُّ عَنْ الْمَأْمُورِ بِهِ. [مجموع الفتاوى20/194]

عن قتادة قال كان الرجل في الجاهلية يقامِر على أهله وماله فيقعد حَرِيباً سليباً ينظر إلى ماله في يَدَي غيره، فكانت تُورِث بينهم عداوة وبغضاءَ فنهى الله عن ذلك وقدَّم فيه والله أعلم بالذي يصلح خلقه. [تفسيرالطبري10/573]. قال ابن رجب: فقوله صلى الله عليه وسلم (الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس) معناه: أنَّ الحلال المحض بَيِّنٌ لا اشتباه فيه، وكذلك الحرامُ المحضُ ولكن بين الأمرين أمورٌ تشتبه على كثيرٍ من الناس، هل هي من الحلال أم من الحرام؟ وأما الرَّاسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أيِّ القسمين هي فأما الحلالُ المحضُ: فمثل أكلِ الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام وشرب الأشربة الطيبة، ولباسِ ما يحتاج إليه من القطن والكتَّان، أو الصوف أو الشعر، وكالنكاح، والتسرِّي وغير ذلك إذا كان اكتسابُه بعقدٍ صحيح كالبيع، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة والحرام المحض: مثلُ أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الأكساب المحرَّمة كالرِّبا، والميسر، وثمن مالا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس أو نحو ذلك. [انتهى من كتاب جامع العلوم والحكم الحديث السادس].

واعلم اخي القارئ الكريم أن المتسابق الذي يتصل بالهاتف أو يرسل رسائل هو وغيره آلاف تجمع أموالهم ويوضع بها الجوائز من سيارات وغيرها أو جوائز نقدية فإن فاز بالجائزة أكل اموال المشاركين بالباطل وإن لم يفز بشيء ذهب ماله إلى غيره بغير حق والنصيب من قيمة الاتصالات والرسائل يذهب إلى راعي المسابقة وهذا حرام ولا اعتبار لرضا الطرفين اذا كان ذلك لا يرضي الله ورسوله، فمثل هؤلاء كمثل رجل وامرأة يمارسان الفاحشة برضاهما فلا يخرج رضاهما للفاحشة من كونها حراما أو كمثل من عقد الربا مع المرابي برضاهما فلن يكون حلالاً ولو تراضيا عليه.

قال السعدي: {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. ولما كان أكلها نوعين: نوعا بحق، ونوعا بباطل، وكان المحرم إنما هو أكلها بالباطل، قيده تعالى بذلك، ويدخل في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة والخيانة في وديعة أو عارية، أو نحو ذلك، ويدخل فيه أيضا، أخذها على وجه المعاوضة، بمعاوضة محرمة، كعقود الربا، والقمار كلها، فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة، ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة على العبادات والقربات التي لا تصح حتى يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات، والأوقاف، والوصايا، لمن ليس له حق منها، أو فوق حقه.فكل هذا ونحوه، من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو حصل فيه النزاع وحصل الارتفاع إلى حاكم الشرع، وأدلى من يريد أكلها بالباطل بحجة، غلبت حجة المحق، وحكم له الحاكم بذلك، فإن حكم الحاكم، لا يبيح محرما، ولا يحلل حراما، إنما يحكم على نحو مما يسمع، وإلا فحقائق الأمور باقية، فليس في حكم الحاكم للمبطل راحة، ولا شبهة، ولا استراحة.فمن أدلى إلى الحاكم بحجة باطلة، وحكم له بذلك، فإنه لا يحل له، ويكون آكلا لمال غيره، بالباطل والإثم، وهو عالم بذلك. فيكون أبلغ في عقوبته، وأشد في نكاله. وعلى هذا فالوكيل إذا علم أن موكله مبطل في دعواه، لم يحل له أن يخاصم عن الخائن كما قال تعالى: {وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}. [تفسير السعدي- ص 88]، قال ابن حجر: وَالْمَنْدُوبُ اِجْتِنَاب مُعَامَلَةِ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ حَرَامٌ [فتح الباري 4/371].

فإن قال قائل فماذا عسى ان يفعل هذا المقال أمام هذا الطوفان من المسابقات برعايتها الحياة عن طريق وسائل الإعلام والرسائل الهاتفية؟

فأقول (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) [الأعراف:164].

والله اسأل أن يوفقني وجميع المسلمين أن يجنبنا اسباب سخطه وعقوبته والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.

سالم بن سعد الطويل

www.saltaweel.com

تاريخ النشر 14/09/2009


شارك المحتوى: