كشف شبهة أن الصحابة تقاتلوا في السلطة


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين

اما بعد: فإن الصحابة رضي الله عنهم أفضل هذه الأمة فردًا وجنسًا بالإجماع، وقد نقل الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى، وأما ما حصل بين بعض الصحابة رضي الله عنهم من الاختلاف والاقتتال -وهم عدد قليل لا يتجاوز الثلاثين- فيجب علينا الكف عنه مع اعتقاد انهم أفضل الامة، ومحبتهم والترضي عليهم، وعلى هذا تتابعت كلمة أهل السنة والجماعة.

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (3/ 406): [وكذلك نؤمن بالإمساك عما شجر بينهم، ونعلم أن بعض المنقول في ذلك كذب، وهم كانوا مجتهدين، إما مصيبين لهم أجران، أو مثابين على عملهم الصالح مغفور لهم خطؤهم، وما كان لهم من السيئات، وقد سبق لهم من الله الحسنى، فإن الله يغفر لهم إما بتوبة، أو بحسنات ماحية، أو مصائب مكفرة]

ولولا أن رجلا مخذولا عندنا في السودان اعتدى على خيار أولياء الله وسادات أهل الأرض وخير خلق الله بعد النبيين ووصفهم بأنهم: [تقاتلوا في السلطة وإن عندهم حظ من الدنيا] وهذا اعتداء يقدح في الدين ويسلط الكفار والمنافقين ويورث الشبه، ولم يكن بنا حاجة في البحث وتناول هذا الامر الخطير ولكن اكتفي بنقل كلام اهل العلم ففيه غنية:

1-قال ابن حجر الهيتمي:

ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة أن ما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما من الحروب فلم يكن لمنازعة معاوية لعلي في الخلافة، للإجماع على أحقيتها لعليّ كما مر فلم تهج الفتنة بسببها وإنما هاجت بسبب أن معاوية ومن معه طلبوا من علي تسليم قتلة عثمان إليهم لكون معاوية ابن عمه فامتنع علي ظنا منه أن تسليمهم إليهم على الفور مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بعسكر علي يؤدي إلى اضطراب وتزلزل في أمر الخلافة التي بها انتظام كلمة أهل الإسلام سيما وهي في ابتدائها لم يستحكم الأمر فيها فرأى علي رضي الله عنه أن تأخير تسليمهم أصوب إلى أن يرسخ قدمه في الخلافة ويتحقق التمكن من الأمور فيها على وجهها ويتم له انتظام شملها واتفاق كلمة المسلمين ثم بعد ذلك يلتقطهم واحدا فواحدا ويسلمهم إليهم ”

[الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، ٦٢٢/٢]

 

2- قال الجويني رحمه الله تعالى:

” ومعاوية وإن قاتل عليا فإنه كان لا ينكر إمامته ولا يدعيها لنفسه وإنما كان يطلب قتلة عثمان رضي الله عنه ظانا أنه مصيب وكان مخطئا “.

[لمع الأدلة في قواعد عقائد أهل السنة والجماعة، صفحة ١٢٩]

 

3- قال ابن كثير رحمه الله:

“… وخرج ابو الدرداء وأبو أمامة، فدخلا على معاوية، فقالا له: يا معاوية، علام تقاتل هذا الرجل؟ فوالله إنه لأقدم منك ومن أبيك إسلاما، وأقرب منك إلى رسول الله ﷺ، وأحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان، وأنه أوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان، ثم أنا أول من يبايعه من أهل الشام.”

[البداية والنهاية ط هجر، ٥٠٨/١٠]

 

4- قال أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى:

” وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن معهم فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا حددوا بيعة لغيره هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن فإذ لاشك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافًا عليه ولا نقصًا لبيعته ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا مما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلمًا، وبرهان ذلك أنهم اجتمعوا ولم يقتتلوا ولا تحاربوا فلما كان الليل عرف قتلة عثمان أن الإراغة والتدبير عليهم فبيتوا عسكر طلحة والزبير وبذلوا السيف فيهم فدفع القوم عن أنفسهم حتى خالطوا عسكر علي فدفع أهله عن أنفسهم وكل طائفة تظن ولا شك أن الأخرى بدئ بها بالقتال واختلط الأمر اختلاطًا لم يقدر أحد على أكثر من الدفاع عن نفسه والفسقة من قتلة عثمان لا يفترون من شن الحرب وإضرامها فكلتا الطائفتين مصيبة في غرضها ومقصدها مدافعة عن نفسها “.

 

5- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

“و ” معاوية ” لم يدع الخلافة؛ ولم يبايع له بها حين قاتل عليا، ولم يقاتل على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة، ويقرون له بذلك، وقد كان معاوية يقر بذلك لمن سأله عنه، ولا كان معاوية وأصحابه يرون أن يبتدوا عليا وأصحابه بالقتال، ولا يعلوا. بل لما رأى علي رضي الله عنه وأصحابه أنه يجب عليهم طاعته ومبايعته، إذ لا يكون للمسلمين إلا خليفة واحد، وأنهم خارجون عن طاعته يمتنعون عن هذا الواجب، وهم أهل شوكة رأى أن يقاتلهم حتى يؤدوا هذا الواجب، فتحصل الطاعة والجماعة. وهم قالوا: إن ذلك لا يجب عليهم، وإنهم إذا قوتلوا على ذلك كانوا مظلومين قالوا: لأن عثمان قتل مظلوما باتفاق المسلمين، وقتلته في عسكر علي، وهم غالبون لهم شوكة، فإذا امتنعنا ظلمونا واعتدوا علينا. وعلي لا يمكنه دفعهم، كما لم يمكنه الدفع عن عثمان؛ وإنما علينا أن نبايع خليفة يقدر على أن ينصفنا ويبذل لنا الإنصاف”.

[ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ٧٣/٣٥]

 

6-قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” وعليّ (رضي الله عنه)

لم يقاتل أحدًا على إمامة من قاتله، ولا قاتل أحدٌ على إمامته نفسه، ولا ادّعى أحد قطّ في زمن خلافته أنّه أحقّ بالإمامة منه، لا عائشة، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا معاوية وأصحابه، ولا الخوارج، بل كلّ الأُمّة كانوا معترفين بفضل عليّ وسابقته بعد قتل عثمان، وأنّه لم يبق في الصحابة من يماثله في زمن خلافته “.

(المنهاج 6/328).

 

7- قال شيخ الإسلام ابن تيمية:” وكذلك عليّ؛ لم يتخاصم طائفتان في أنّ غيره أحقّ بالإمامة منه. وإن كان بعض الناس كارهًا لولاية أحد من الأربعة، فهذا لا بدّ منه. فإنّ من الناس من كان كارهًا لنبوّة محمّد ﷺ، فكيف لا يكون فيهم من يكره إمامة بعض الخلفاء”.

(المنهاج 6/329).

 

8-قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وليس في الصحابة بعدهم – الخلفاء الثلاثة – من هو أفضل منه – عليّ – ولا تُنازع طائفة من المسلمين بعد خلافة عثمان في أنّه ليس في جيش عليّ أفضل منه. ولم تفضّل طائفة معروفة عليه طلحة والزبير، فضلًا أن يفضّل عليه معاوية. فإن قاتلوه مع ذلك لشبهة عرضت لهم، فلم يكن القتال له لا على أنّ غيره أفضل منه، ولا أنّه الإمام دونه، ولم يتسمّ قطّ طلحة والزبير باسم الإمارة، ولا بايعهما أحد على ذلك)).

(المنهاج 6/330).

 

9- قال ابن حزم في الفصل في الملل والأهواء والنحل:

” ولم ينكر معاوية قط فضل علي، واستحقاقه الخلافة، لكن اجتهاده أداه إلى أن رأى تقديم أخذ القود من قتلة عثمان -رضي الله عنه- على البيعة، ورأى نفسه أحق بطلب دم عثمان … وإنما أخطأ في تقديمه ذلك على البيعة فقط، فله أجر الاجتهاد في ذلك، ولا إثم عليه فيما حُرم من الإصابة كسائر المخطئين في اجتهادهم، الذين أخبر رسول الله ﷺ أن لهم أجرا واحدا، وللمصيب أجرين.” اهـ.

 

10- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «لما طلب عليّ من معاوية ورعيته أن يبايعوه امتنعوا عن بيعته، ولم يبايعوا معاوية، ولا قال أحد قط: إن معاوية مثل علي، أو إنه أحق من علي بالبيعة، بل الناس كانوا متفقين على أن عليا أفضل وأحق، ولكن طلبوا من علي أن يقيم الحد على قتلة عثمان، وكان علي غير متمكن من ذلك لتفرق الكلمة وانتشار الرعية وقوة المعركة لأولئك، فامتنع هؤلاء عن بيعته، إما لاعتقادهم أنه عاجز عن أخذ حقهم، وإما لتوهمهم محاباة أولئك، فقاتلهم علي لامتناعهم من بيعته، لا لأجل تأمير معاوية»

جامع المسائل لابن تيمية (6/ 263- 164).

 

والقول بأنَّ الصحابة قد اقتتلوا في السلطة هو قول الرافضة قبحهم الله،  قال ابن المطهر الرافضي: «وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة؛ إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سُلَّ على الإمامة في كل زمان»!

وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وكان مما قال:

: «هذا من أعظم الغلط، فإنه – ولله الحمد – لم يسلَّ سيف على خلافة أبي بكر ولا عمر ولا عثمان، ولا كان بين المسلمين في زمنهم نزاع في الإمامة، فضلًا عن السيف..

وأيضًا: فالقتال الذي كان في زمن عليّ لم يكن على الإمامة، فإنَّ أهل الجمل وصفين والنهروان، لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي، ولا كان معاوية يقول: أنا الإمام دون علي، ولا قال ذلك طلحة والزبير.

 

فلم يكن أحد مـمَّن قاتل عليًَّا قبل الحكمين نصب إمامًا يقاتل على طاعته، فلم يكن شيء من هذا القتال على قاعدة من قواعد الإمامة المنازع فيها، لم يكن أحد من المقاتلين يقاتل طعنًا في خلافة الثلاثة، ولا ادِّعاءً للنص على غيرهم، ولا طعنًا في جواز خلافة عليّ..»

المجلد السادس ص ٣٢٤ الى ٣٢٧.

 

وقال أيضًا: “والمقصود أنَّ الصحابة – رضوان الله عليهم – لم يقتتلوا قط لاختلافهم في قاعدة من قواعد ا لإسلام أصلًا، ولم يختلفوا في شيء من قواعد الإسلام: لا في الصفات، ولا في القدر، ولا في مسائل الأسماء والأحكام، ولا في مسائل الإمامة، لم يختلفوا في ذلك بالاختصام بالأقوال، فضلًا عن الاقتتال بالسيوف …”.

 

قال أبو محمد بن حزم رحمه الله: “وأما أهل الجمل فما قصدوا قط قتال علي رضوان الله عليه، ولا قصد علي رضوان الله عليه قتالهم، وإنما اجتمعوا بالبصرة للنظر في قتلة عثمان رضوان الله عليه، وإقامة حق الله تعالى فيهم.

وتسرع الخائفون على أنفسهم أخذ حد الله تعالى منهم، وكانوا أعدادا عظيمة يقربون من الألوف، فأثاروا القتال خفية حتى اضطر كل واحد من الفريقين إلى الدفاع عن أنفسهم إذ رأوا السيف قد خالطهم”.

الإحكام في اصول الاحكام (82/2)

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “لم يكن يوم الجمل لهؤلاء (الصحابة) قصد في القتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان علي غير راض بقتل عثمان، ولا معين عليه كما كان يحلف، فيقول: «والله ما قتلت عثمان، ولا مالأت على قتله» وهو الصادق البار في يمينه، فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة، فحملوا دفعا عن أنفسهم فظن علي أنهم حملوا عليه، فحمل دفعا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم”.

منهاج السنة 185/2

 

فهل هناك أوضح من هذه النقول في الذب عن صحابة الرسول الذين مدحهم الله بترك الديار والمال هجرة لله عزوجل فلا تغرك النقول المبتورة والمحرفة التي تدنس عرض الصحابة رضي الله عنهم وتنتقص من قدرهم السامي فاعرف الحق تعرف أهله وليس بعد الحق الا الضلال

ولنا مع شبهات هذا المخذول وقفات بإذن الله تعالى

 

كتبه/ حامد شاويش

15 / 12 / 1442هـ

25 / 7 / 2021م


شارك المحتوى: