عمر الفاروق رضي الله عنه
الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُه ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا، ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُه ورسولُه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)
أما بعد: فإنَّ خَيْرَ الحَديثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بدْعَةٍ ضَلَالَةٌ
يقول الله عز وجل (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم)
إن لهذه الأمة سلفًا، هم أبر الناس قلوبًا، وأحسنهم إيمانًا، وأقلّهم تكلفًا، سيرة كل عظيم منهم عظة وعبرة.
عباد الله: سبق أن تحدثنا عن الصدِّيق أبي بكر رضي الله عنه، وانطلاقًا من قوله ﷺ: “اقتدوا باللذيْن من بعدي: أبي بكر وعمر”، وقوله ﷺ “عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ”.
حديثنا عن ثاني الخلفاء الراشدين، أمير المؤمنين، أبي حفص، الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المجاهد، الذي لا يخاف في الله لومة لائم، الذي أظهر الإسلام وفرّق بين الحق والباطل، وبه سماه النبي ﷺ الفاروق. وقال ﷺ: ” أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر”.
قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (وَافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ؛ في مَقَامِ إبْرَاهِيمَ، وفي الحِجَابِ، وفي أُسَارَى بَدْرٍ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رحمه الله: (نَزَلَ الْقُرْآنُ فِي مُوَافَقَتِهِ؛ في أَسْرَى بَدْرٍ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، وَفِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ).
وَهُوَ مِنَ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، قَالَ ﷺ: (أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيْح.
وقال رسول الله ﷺ: ” بينا أنا نائم، رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟! قالوا: لعمر، فذكرت غيرتك، فوليت مدبرًا”. فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله”.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر “.
كان -رضي الله عنه- قد خرج قبل إسلامه إلى أخته ليؤدبها على تركها دين قومها، فيشاء الله -بعد أن يطلع على آيات من القران- أن يتوجه إلى محمد ﷺ وكان في دار الأرقم- ليعلن إسلامه، وكان ﷺ قد دعا: ” اللهم أعزَّ الإسلام بعمر بن الخطاب “، فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر، إن يرد الله به خيرًا يسلم، وإن يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينًا، وكان النبي ﷺ أثناء ذلك- في داخل البيت يوحى إليه، فخرج ﷺ حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: “ما أنت بمنتهٍ -يا عمر- حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة”، فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله. فما هو إلا أن أسلم، فظهر الإسلام بمكة، وفرح به المسلمون، ثم ذهب يعلن ذلك ويخبر أبا جهل ليصيبه بالنكد والغيظ.
وكذلك لما هاجر كان له شأن؛ فعن علي رضي الله عنه قال: ما علمت أحدًا هاجر إلا مختفيًا، إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما همَّ بالهجرة تقلَّد سيفه وأتى الكعبة -وأشراف قريش شهود- فطاف وصلى، ثم أتى حلقهم واحدة واحدة، فقال: شاهت الوجوه -أي قبحت-، من أراد أن تثكله أمه -أي تفقده- وييتم ولده، وترمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي. فما تبعه منهم أحد.
بويع بالخلافة فكان سيفًا على أهل الباطل، شديدًا عليهم، وسندًا لأهل الحقّ ليِّنا معهم، قام على الأرامل والأيتام.
لما رجع من الشام إلى المدينة انفرد عن الناس ليتفقّد أحوالَ الرعية، فمرّ بعجوزٍ في خِباء لها فقصدها، فقالت:
يا هذا، ما فعل عمر؟ قال: قد أقبل من الشام سالمًا، فقالت: لا جزاه الله خيرا، قال: ولم؟ قالت: لأنّه -والله- ما نالني من عَطائه منذ تولّى أمرَ المسلمين دينارٌ ولا درهم، قال: وما يدرِي عمر بحالِك وأنت في هذا الموضع؟! فقالت: سبحان الله! والله ما ظننت أن أحدًا يلي على النّاس ولا يدري ما بين مشرِقها ومغرِبها، فبكى عمر، وقال: واعمراه، كلّ أحدٍ أفقه منك يا عمر، حتى العجائز، ثم قال لها: يا أمةَ الله، بكم تبيعيني ظلامَتك من عمَر، فإني أرحمه مِنَ النّار، فقالت: لا تستهزئ بنا يرحمك الله، فقال: لست بهزّاء، فلم يزل بها حتى اشتَرَى ظلامتَها بخمسةٍ وعشرين دينارا.
فبينما هو كذلك إذ أقبل عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما، فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فوضعَت العجوز يدَها على رأسها، وقالت: واسوأتاه! شتمتُ أميرَ المؤمنين في وجهِه، فقال لها عمر: ما عليك يرحمك الله، ثم طلب رقعةً من جِلد يكتب عليها فلم يجد، فقطع قطعة من مرقعته وكتب فيها: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى به عمر من فلانة ظلامتها منذ ولي إلى يوم كذا وكذا بخمسة وعشرين دينارا، فما تدّعي عند وقوفه في الحشر بين يدَي الله -تعالى- فعمر منه بريء، شهد على ذلك علي وابن مسعود، ثم دفع الكتاب إلى أحدهما، وقال: “إذا أنا متّ فاجعله في كفني ألقى به ربي”
وَلَقَدْ تَوَلَّى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ِالْخِلَافَةَ بَعْدَ الْصِدِّيق؛ حيث أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بَعْدِهِ بِالْخِلَافَةِ لِعُمَرَ، وَكَانَ نِعْمَ الِاخْتِيَارُ.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: (إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا وما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتل قريشاً حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه) صحيح السيرة النبوية للألباني
قال ﷺ: (إيه يا بن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكًا فجًّا إلا سلك فجًّا غير فجِّك)
وقال له أيضا: ( إن الشيطان ليَفرَق منك يا عُمرُ )
قال عنه أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (ما على ظهر الأرض رجل أحب إليَّ من عمر).
وقال علي رضي الله عنه: (إذا ذُكر الصالحون فحي هلا بعمر، ما كنا نُبْعِدْ أن السكينة تنطق على لسان عمر).
وعن سعيد بن المسيب رحمه الله قال: (كان عمر بن الخطاب يحب الصلاة في كبد الليل) أي وسطه
وعن عبد الله بن عيسى رحمه الله قال: (كان في وجه عمر خطَّان أسودان من البكاء).
اللهم انا نشهدك على محبة أصحاب نبيك محمد ﷺ فجمعنا بهم في جنات النعيم
أقول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم
الخطبة الثانية :
الْحَمْدُ لِلَّهِ والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد:
قال ابنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: قبل وفاة عمر رضي الله عنه
( وُضِعَ عُمَرُ علَى سَرِيرِهِ فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ، يَدْعُونَ ويُصَلُّونَ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ وأَنَا فيهم، فَلَمْ يَرُعْنِي إلَّا رَجُلٌ آخِذٌ مَنْكِبِي، فَإِذَا عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ فَتَرَحَّمَ علَى عُمَرَ، وقَالَ: ما خَلَّفْتَ أحَدًا أحَبَّ إلَيَّ أنْ ألْقَى اللَّهَ بمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وايْمُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مع صَاحِبَيْكَ، وحَسِبْتُ إنِّي كُنْتُ كَثِيرًا أسْمَعُ النبيَّ ﷺ يقولُ: ذَهَبْتُ أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، ودَخَلْتُ أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وخَرَجْتُ أنَا وأَبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِيْ صَحِيْحِهِ وفَضَائِلَهُ
وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه:” أنا آخركم عهدا بعمَر، دخلتُ عليه ورأسُه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع خدي على الأرض، فقال عبد الله: فهل فخذي والأرض إلا سواء؟! فقال عمر: ضع خدّي بالأرض لا أمّ لك، وسمعتُه يقول: ويلي وويلَ أمّي إن لم تغفِر لي، حتى فاضَت نفسه “.
ما بلغ عمر وأصحابُه ما بلغوا إلاّ بهذا الدين الذي أعزّهم الله به، ومن أراد أن يدرك الركبَ فليأخذ بما أخذوا، وليلتَزم ما التزموا، ومن يفعَل ذلك فقد هدِي إلى صراط مستقيم.
عباد الله:
فتشبّهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إنّ التشبّهَ بالكرام فلاح
ختاما: إن حفظ مقام أصحاب النبي ﷺ حق واجب مؤكد على كل مسلم ومسلمة فمحبتهم دين وإيمان وبغضهم كفر ونفاق، فمن سبهم أو طعن فيهم أو قدح في إيمانهم أو عدالتهم فهو خبيث العقيدة قبيح السريرة عدو لله ولرسوله وللإسلام واهله ولا سيما الطعن في الشيخين أبي بكر وعمر وابنتيهما زوجتي النبي ﷺ في الدنيا والأخرة.
فاحذروا ممن يطعن فيهم أشد الحذر فما كانوا ليبغضوهم ويحبونكم وما كانوا ليعادوهم ويوالونكم ما دمتم تتولون أصحاب محمد ﷺ.
والزموا يا أهل السنة محبة أصحاب نبيكم ﷺ وعلى الأخص الخلفاء الراشدون وانشروا سيرهم وأخبارهم وربوا أولادكم على محبتهم وتوقيرهم فإن المرء مع من أحب يوم القيامة وإن لم يعمل بمثل عمله.
هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة محمد بن عبد الله فقد امركم بذلك ربكم فقال { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد ﷺا
اللهم وارض عن الخلفاء الراشدين، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارض عنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين،
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين ودمر أعداء الدين اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً وسائر بلاد المسلمين
# اللهم اعز اهل السنة في كل مكان اللهم ولي عليهم خيارهم واكفهم شرارهم يا رب العالمين # اللهم انصر اخواننا في اليمن وألف بين قلوبهم واجمع كلمتهم ووحد صفوفهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين # اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى وألّف بين قلوبهم ووحد صفوفهم وارزقهم العمل بكتابك وسنة نبيك محمد ﷺ.
# اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا وايماننا واستقرارنا وقادتنا وجماعتنا.
# وفق ولاتنا لكل خير وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة يا رب العالمين.
# اللهم وفق إمامنا الملك سلمان وولي عهده محمد بن سلمان لما فيه الخير والصلاح للبلاد والعباد # اللهم وفقهم وسددهم واحفظهم وكن عونا لهم يا رب العالمين.
# اللهم احفظ جنودنا المرابطين وسدد رميهم واشف مريضهم وارحم شهيدهم وقوي عزيمتهم يا ارحم الراحمين
عباد الله.. إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون؛ فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون
