فضل العرب


فضل العرب

تتابع الأئمة على ذكر مسائل في مصنَّفاتهم في بيان عقيدة السلف الصالح، هي أقرب إلى أن تعدَّ من المسائل العملية التكليفيَّة من أن تُعدَّ من المسائل الإخباريَّة الاعتقادية، مثل: الموقف من الصحابة، ومن ولاة الأمر، ومن العلماء وأئمة الدين، ومن المبتدعة وفرقهم، إلى غير ذلك. وإنما حملهم على ذكرها: أن هذه الأمور علامات فارقة، ومعالم منهجية لأهل السنة والجماعة وقد عُلم ـ بالتتبع والاستقراء ـ أن من خالفهم فيها: خالفهم في غيرها مما تدخل في أصول الاعتقاد وثوابت المنهج.

ومن هذه المسائل المهمة: بيان فضل العرب، وأن جنسهم أفضل من سائر الأجناس.

وقد نصَّ عليها: أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرمانيُّ المتوفي سنة (280 هـ) رحمه الله في كتابه “السُّنة”.

والكرمانيُّ ـ هذا ـ من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وصفه الذهبي بالإمام العلامة الفقيه، رحل وطلب العلم. وقال: مسائل حربٍ ـ يعني عن الإمام أحمد ـ من أنفس كتب الحنابلة، وهو كبير في مجلدين. قال أبو بكر الخلال (311 هـ): كان رجلاً جليلاً، حَثَّني المرُّوديُّ على الخروج إليه [1].

أما كتابه “السنة” فلم أقف عليه، ويمكنني أن أزعم ـ في حدود علمي ـ أنه مما فقد من تراثنا العظيم، غير أن عزائنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد حفظ لنا من كلامه ما نحن بصدده، فنقل عنه في كتابه القيم: “اقتضاء الصراط المستقيم …” (ص: 148) عنه أنه قال في وصفه للسنة:

“هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنة المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق، والحجاز والشام وغيرهم، عليها، فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها – فهو مبتدع خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، و عبد الله بن الزبير الحميدي، و سعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم.

فكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية، …- وساق كلاماً طويلاً إلى أن قال: – ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “حب العرب إيمان، وبغضهم نفاق”. ولا نقول بقول الشعوبية وأرذل الموالي، الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون بفضلهم، فإن قولهم بدعة وخلاف.” انتهى.

وهذا الحديث الذي استشهد به الكرمانيُّ ضعيف[2]، بل إن كل الأحاديث الصريحة بذكر تفضيل العرب ضعيفة لا يصح منها شئ [3]، ويغني عنها أحاديث صحيحة في فضل قريش وبني هاشم، منها ما رواه مسلم في “صحيحه” (12/17) عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”.

ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن الذي عليه أهل السنة والجماعة: اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم وسريانيهم، روميهم وفرسيهم، وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم، فهو: أفضل الخلق نفساً، وأفضلهم نسباً.

وليس فضل العرب، ثم قريش، ثم بني هاشم: بمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم – وإن كان هذا من الفضل – بل هم في أنفسهم أفضل، وبذلك يثبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أفضلُ نفساً ونسباً، وإلا لزم الدور. [4]انتهى.

قلت: وهذا مما ينبغي التنبه إليه، أعني: كون العرب أفضل بأصل خلقتهم، وفي ذريتهم، وليس بشئ طارئٍ عليهم مثل: الإيمان والتقوى، “وإلا لزم الدور”، ولم يبق للتفضيل معنىً.

وأصل هذه المسألة مبني على تأويل قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68]، وقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 31 – 32]، وقوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]، وقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام: 53]. وقد فصَّل القول في بيان هذا وتقريره العلامة ابن القيم رحمه الله في صدر كتابه القيم “زاد المعاد”، فليرجع إليه.

فإذا تقرر هذا فلابد من الإشارة إلى أمور:

الأول: إن هذا الحكم متجه إلى جنس العرب ولا يستغرق جميع أفرادهم، “فإن فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فرب حبشيٍّ أفضل عند الله من جمهور قريش”[5].

الثاني: إن معرفة الإنسان العربي بهذا الاصطفاء والتكريم الإلهيِّ لجنسه يجب أن يحمله على استنفار مزايا الخيريّة في تكوينه القوميِّ، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: “إن الفضل: إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح، والعلم له مبدأ، وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ، وتمام، وهو: قوة المنطق، الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة …، وأما العمل: فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائر المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء، والحلم والشجاعة، والوفاء، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة، لكن كانوا قبل الإسلام طبيعة قابلة للخير، معطلة عن فعله …” [6].

الثالث: ومن هنا يُعلم بطلان ما ذكره العلامة المؤرخ ابن خلدون رحمه الله، في “مقدمته” من المطاعن في العرب، وقد رأيتُ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد حفظه الله، ذكر في بعض كتبه: أن كلام ابن خلدون إنما هو في الأعراب وليس في جنس العرب، وهذا ـ والله أعلم ـ بعيد، يأباه مجموع كلام ابن خلدون، ولعلنا نوفق لدراسة الخلفيات الفكرية لابن خلدون، والدوافع الحقيقية لكلامه[7].

الرابع: وليحذر المسلم من التفاخر بالأنساب والأحساب، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء: مؤمن تقي أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب” [8]. وقال صلى الله عليه وسلم ـ أيضاً -: “يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ألا لا فضل لأسود على أحمر إلا بالتقوى، ألا قد بلغت؟ قالوا: نعم قال: ليبلغ الشاهد الغائب” [9].

الخامس: وعلى المسلم غير العربي أن يدرك العلاقة الأصيلة بين العروبة والإسلام، ولا يَحملنَّه ما اقترفته الأنظمة القهرية المتسترة بالقومية العربية من ظلم وبغي وفساد على كراهية العرب، والطعن في جنسهم، فإن ذلك هو غاية أولئك الأدعياء. ولما ذكر شيخ الإسلام أن فرقة من الناس ذهبت إلى أن لا فضل لجنس العرب على جنس العجم ـ وهؤلاء يسمون الشعوبية ـ، ومن الناس من قد يفضِّلُ بعض أنواع العجم على العرب، علَّق على ذلك بقوله رحمه الله: “والغالب أن مثل هذا الكلام لا يصدر إلا عن نوع نفاق: إما في الإعتقاد، وإما في العمل المنبعث عن هوى النفس، مع شبهات اقتضت ذلك”[10]. نعوذ بالله ـ سبحانه ـ من الشبهات المضلَّةِ والشهوات المهلكة، إنه ولي التوفيق.

[1]الذهبي: سير أعلام النبلاء: 13/244، رقم 127.

[2]رواه الحاكم عن أنس، وضعفه الألباني (الضعيفة: 1190، وضعيف الجامع 2683).

[3]وقد خرج معظمها العلامة الألباني في “سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة” (160، 161 ، 163، 1190 – 1192).

[4]الاقتضاء: 148، ط: الفقي رحمه الله.

[5]الاقتضاء: 164 – 165.

[6]الاقتضاء: 160 – 161، باختصار.

[7]وإن مما يحسن التنبيه إليه: أن من غوغاء زماننا، من المتسترين بلباس السنة، والمتظاهرين بالاتباع وما أكثرهم من قد حفظ تلك الكلمات البشعة الثلاث التي صدرت من ابن خلدون رحمه الله، وصاروا يرددونها في مجالسهم وعند أمثالهم من العوام. وعلامة هؤلاء: مناصبة علماء الأمة العداء، والوقيعة في أهل الحديث والأثر، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، إن فكروا فلا يفكرون إلا بنحو تفكير الخوارج، وإن خطبوا لا يتكلمون إلا بجنس كلام الخوارج، وإن فعلوا فلن يفعلوا إلا فعل الخوارج.

[8]رواه أبو داود، وصححه ابن تيمية في الاقتضاء: 73 و 144.

[9]رواه أحمد (5/411)، بسندٍ صحيح كما قال ابن تيمية: 144.

[10]الاقتضاء: 149.