حرب الدول والشعوب والناس والأبناء والبنات بالمُخدِّرات
الخطبة الأولى: ــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ القاهرِ فوقَ عبادِه، آخذِ المُفسدينَ بشديدِ عقابِهِ، واللهُ عزيزٌ ذُو انتقامٍ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ الذي يَقبلُ التوبَةَ عن عِبادِهِ، ويَعفو عن السَّيِئَاتِ، ويَعلمُ ما يفعلونَ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ الذي جاءَ بشريعَةٍ تَحمِي الإنسانِيَّةِ، وتَحفظُ أمْنَ البَشَرِيَّةِ، فصلاةُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ بالليلِ والنَّهارِ، وعدَدَ الأيَّامِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأتباعِهِ على شريعَتِهِ القويمَةِ، ومِلَّتِهِ السَّويَّةِ، وعنَّا معَهُم يا رَحيمُ يا غَفَّارُ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللِه:
إنَّ لِلإجرامِ صورًا، ولِلإرهابِ أشكالًا، ولِلغزوِ طُرُقًا، ولِخيانَةِ الأُمَّةِ والأوطانِ والأهلِ ألوانًا، وإنَّ مِن أعظمِ ذلِكَ وأشدِّهِ وأغلظِهِ وأكبرِهِ مفاسدَ وأضرارًا:
إدخالَ المُخدِّراتِ إلى البلادِ، وترويجَهَا بينَ أهلِهَا، والتساهُلَ أو التغاضِي عن مُروِّجِيهَا، والسُّكوتَ أو التَّستُّرَ عن مُوزِّعِيهَا وبائِعِيهَا، والتغافُلَ عن مُخادِعِي النَّاسِ بها، ولو كانوا أقربَ قريبٍ أو أكثرَ النَّاسِ مالًا ورِجالًا ونُفوذًا ومَنصِبًا.
لأنَّ أهلَ هذهِ الأفعالِ والصِّفاتِ: مُفسِدونَ في الأرضِ، يُفسِدونَ الدِّينَ والنَّاسَ والأخلاقَ والأمْنَ والأموالَ والصِّحَةَ والأبدَانَ، ومُجرمونَ يتسبَّبونَ في أنْ يَقتلَ أو يَسرِقَ أو يَفجُرَ مَن يَتعاطَهَا، ومُدمِّرونَ لاقتصادِ الوطنِ بالإنفاقِ الكبيرِ في مُحارَبَتِها، وعِلاجِ أهلِهَا، وإصلاحِ أضرارِهَا، ومُلاحقَةِ جرائِمِ أهلِهَا، وخوَنَةٌ حيثُ يُعِينونَ الأعداءَ بِها على بُلدَانِهِم ومُجتمَعِهِم وأهلِيهِم، ويَتعاونونَ بها معَهُم، وبالمالِ تُشتَرَى ذِمَّةُ مُتعاطِيهَا ويُنتَهَكُ عِرْضُهُ لِضَعِفِهِ أمامَهَا، ومُمزِّقونَ لِلأُسَرِ بعُقوقِ واعتداءَاتِ وجرائِمِ مَن يَتعاطَها مِن زوجٍ أو أبٍ أو أخٍ أو ابنٍ أو بنتٍ.
ولهذا: وجَبَ أنْ نُكافِحَهُم جميعًا، وباستمرارٍ، ونَبذُلَ جُهدَنا في مُقاوَمَتِهِم، وكسْرِ تجارَتِهِم، فُهُم مُستحِقُّونَ لأشدِّ العقوباتِ في الدُّنيا والآخِرَةِ، حيثُ قالَ اللهُ ــ جلَّ وعزَّ ــ: { إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.
عِبادَ اللهِ:
إيَّاكُم والتساهُلَ في شأنِ المُخدِّراتِ أو معَ تُجارِّها أو مُروِّجِيهَا أو مُتعاطِيهَا ــ ولو قَرُبوا مِنكُم نسَبًا وصِهْرًا ونفْعًا ووظيفَةً وإحسانًا وعونًا ــ حتى لا تكونوا عَونًا لَهُم على تمزيقِ دِينِكُم، وتدميرِ بلادِكُم، وإضعافِ اقتصادِكُم، وتفكيكِ أُسَرِكُم، وتدميرِ أهليكُم، ومَن حولَكُم، فضَرَرُهُم على الجميعِ واقِعٌ، وليسَ عليهِم وحدَهُم، وجميعُنا في المُجتمَعِ على سَفينَةٍ واحدَةٍ، وكُلُّنَا على ثَغرٍ في الوطنِ، وقد صحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ مُوضِحًا لَنَا ومُرَهِّبًا: (( مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا )).
أيُّها المُتعاطِي لِلمُخدِّرات:
إنَّكَ اليومَ صغيرٌ أو شابٌّ، وغدًا قدْ تكونُ زوجًا وأبًا وجدًّا، ولَكَ أبناءٌ وبناتٌ وأحفادٌ وأسبَاطٌ، فلا تُورِّطْ نفسَكَ بالمُخدِّراتِ، ولا تُضعِفْ دِينَكَ وإيمَانَكَ بها، ولا تُفسِدْ حياتَكَ وعقلَكَ وصِحَّتَكَ ومالَكَ بها، ولا تُدمِّرْ وتُفكِّكْ وتُحْزِنْ وتُغِم أهلَكَ بسبَبِها، وأبعِدْ نفسَكَ شديدًا عمَّن يَتعاطَها مِن قريبٍ لَكَ أو صديقٍ أو جارٍ أو زَميلِ دراسَةٍ وعمَلٍ، فصُحْبَتُهُم ومُجالَسَتُهُم مُضِرَّةٌ ومُفسِدَةٌ وقتَّالَةٌ، ولَو بعدَ حِينٍ تَصْلَى بِنَارِهَا، وتذوقُ شرَّهَا.
وإنْ تورَّطتَ بها يومًا: فتُبْ إلى اللهِ توبَةً نصوحًا صادِقَةً مِنقلبٍ خاشِعٍ، وأكثِرِ الدُّعاءَ والاستغفارَ والذِّكرَ وتِلاوَةَ القرآنِ والصلاةَ والصيامَ والصالِحاتِ، وعجِّلْ في العلاجِ ولا تَخْجَلْ ولا تَخَفْ ولا تُسَوِّفْ، فضَررُ تأخيرِ العِلاجِ أشَدُّ وآلَمُ، وفضيحَتُهُ أكبَرُ، وأهلُكَ سيكونونَ ــ بإذنِ اللهِ ــ عَونًا لَكَ لا عليكَ، ويَدًا تُساعِدُكَ وتُعينُكَ، فَهُم رُحُمَاءُ بِكَ شديدًا، لأنّكَ بَضْعَةُ مِنهُم وقِطعَةٌ، وبادِرْ سريعًا إلى إخبارِ أجهزَةِ الأمْنِ بأهلِهَا ومُروِّجِهَا قبلَ أنْ تندمَ حين لا يَنفعُ النَّدمُ، قبلَ أنْ تَضُرَّ بدُنياكَ وأهلِكَ وبلَدِكَ وصِحَّتِكَ وعقلِكَ ودِينِكَ،وآخِرَتِكَ.
أمَا اتَّعظتَ: بمَنْ سَبقكَ في تعاطِي المُخدِّراتِ، وكيف أفسَدَتْ عقلَهُ، ودمَّرَتْ خلايا مُخِّهِ، فأصبَحَ شرًّا وضَررًا كبيرًا على أبيهِ وأُمِّهِ وزوجتِهِ وأبنائِهِ وبناتِهِ وإخوانِهِ وأخواتِهِ، حتى هجَرُوهُ ونَبذوهُ وأبغضُوهُ، لِكثرَةِ ما آذاهُم، وما سبَّبَهُ لَهُم مِن مَشاكِلَ، وبَينَ النَّاسِ قدْ فضَحَهُمَ وأصغرَهُمْ وأهانَهُمْ، بل إنِّ بعضَهُم وصلَ بسببِ إفسادِ المُخدِّراتِ لِعقلِهِ إلى قتلِ زوجتِهِ أو أبيهِ أو أمِّهِ أو أحَدٍ مِمَّن حولَهُ، ومَن يُحِبُّ.
وإيِّاكَ ثُمَّ إيَّاكَ: أنْ تكونَ مِمَّن لا يَتَّعِظُ ولا يعتَبِرُ ولا يَنتبِهُ ولا يَعقِلُ إلا إذا رَأى الشَّرَ والضَّرَرَ قد حَلَّ بنفسِهِ وصِحَّتِهِ ومالِهِ وأهلِهِ ووظيفتِهِ، وقد ثبتَ عن ابنِ مسعودٍ ــ رضِيَ اللهُ عنهُ ــ أنَّهُ قال واعِظًا ومُنبِّهًا: (( السَّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ )).
عِبادَ اللهِ:
لا تَضُرُّوا بناتَ غيرِكُم بما لا ترضونَهُ لِبناتِكُم، فبَعضُ النَّاسِ قدْ فسَدَ ولَدُهُ بالمُخدِّراتِ، فيُعالِجَ فسادَهُ بتزويجِهِ لا علاجِهِ، ثُمَّ هوَ لا يُبيِّنُ حالَ ولَدِهِ لِمَن خطبَ لهُ مِنهُم، فيُزوِّجونَهُ وهُم معَ ابنَتِهِم لا يَعرفونَ حالَهُ، فتَشقَى بِهِ ابنتُهُم، وتَتضرَّرُ كثيرًا، وتُسَامُ بالأذِيَّةِ لَيلًا ونهارًا، ويَنكَمِدُ قلبُهَا القَهْرِ والهَمِّ والغَمِّ والحُزنِ والضِّيقِ دَومًا، فكيفَ إذا كانتْ لا أهلَ لَهَا، أو كانتْ مِن بلادٍ أُخْرَى بعيدٌ أهلُهَا، فمأساتُهَا أكبَرُ، وضرَرُهَا أعظَمُ، وألَمُهَا أشَدُّ، وعندَ اللهِ يَلتَقِي الظالِمُ والمظلومُ، ويَحصلُ الحِسابُ والقِصاصُ مِن بعضٍ، وصحَّ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))، وصحَّ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم قالَ: (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ )).
اللهمَّ: اكفِنا شَرَّ الأشرارِ، ومَكرَ الفُجَّارِ، وكيدَ الأعداءٍ، وضَرَرَ الفاجِرِينَ، وإفسادَ المُفسِدِينَ، فلا حولَ ولا قُوَّةَ لَنَا إلا بِكَ.
الخطبة الثانية: ـــــــــــــــــــــ
الحمدُ للهِ المُستعانُ بِهِ على كُلِّ حالٍ، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ محمدٍ جليلِ الخِصالِ والفِعالِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ حِسانِ الأعمالِ والأقوالِ.
أمَّا بعدُ، فيَا عِبادَ اللهِ:
اتقوا اللهَ ــ جلَّ وعلا ــ حقَّ تقواه، وعظِّموهُ حقَّ تعظيمِه، وأجِلُّوهُ إجلالًا كبيرًا، فلا يَرى مَنكم إلا ما يُرضِيهِ، ولا يَراكم إلا حيثُ يُحِبُّ، وإيَّاكُم والتكاسلَ عنِ الطاعاتِ، والإصرارَ على الذُّنوبِ والآثامِ، والتسوِيفَ في التوبَةِ والإنابَةِ والاستقامَةِ على دِينِه، فإنَّكُم على وشَكَ النُقْلَةِ والارتِحالِ، ونفوسَكُم وآجالَكُم بيدِ اللهِ لا بأيدِيكُم، وإليهِ وحدَهُ لا إلى غيرِهِ، ألَسْنَا نَرَى الإنسانَ ينامُ في فراشِهِ مُطمئِنًّا هانِئًا يَنتظرَ غدَهُ ثمَّ لا يقومُ مِنهُ؟ ألَسْنَا نَرَى مَن وافَاهُ أجَلُهُ وهوَ في مركبَتِهِ يريدُ بيتَهُ وأهلَهُ؟ ألَسْنَا نَرَى مَن قُطِعَتْ حياتُهُ وهوَ يُؤمِّلُ أنْ يتزوجَ وأنْ يكونَ ذا مالٍ وأهلٍ وولَدٍ؟ ألَسْنَا نَرَى مَن جاءَتْهُ ساعَةُ موتِهِ وهوَ على معصيَةٍ ومُنكَرٍ وفاحِشَةٍ؟ ألَسْنَا نَرَى مَن قَضَى نَحْبَهُ وهوَ يقولُ لِنفسِهِ: غدًا أتوبُ، غدًا أرْجِعُ إلى ربِّي، غدًا ألزَمُ ما يُرضِيهِ، غدًا أكونُ مِن المُصلِّينَ والصَّائِمينَ والذَّاكِرِينَ اللهَ كثيرًا والمُستغفِرِينَ، وقدْ قالَ ربُّكُم ــ تبارَكَ وتقدَّسَ ــ مُذكِّرًا لَكُم وواعِظًا ومُنبِّهًا: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }، وثبتَ: (( أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عمرَ ــ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ــ كَانَ إِذَا قَرَأً هَذِهِ الْآيَةِ: { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ } بَكَى حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ البُكَاءُ، وَيَقُولُ: بَلَى يَا رَبِّ )).
جعلَنِي اللهُ وإيَّاكُم: مِمَّن لا تَبْطُرُهُ نِعمَةٌ، ولا تقْصُرُ بِهِ عن طاعَةٍ معصيَةٌ، ولا يَحِلُّ بِهِ بعدَ الموتِ حسْرَةٌ، اللهمَّ: أعِنِ الوُلَاةَ ونوَّابَهُم وجُندَهُم على كَبْحِ جِمَاحِ أهلِ الإفسادِ والإرهَابِ والمُخدِّراتِ والإجرامِ والفُجورِ والرَّذيلَةٍ، ووفِّقْهُم لِحفظِ الإسلامِ وبِلادِهِ، وكسْرِ الفسادِ وشبَكَاتِهِ، اللهمَّ: إنَّا نسألُكَ عِيشَةً هنيَّةً، ومِيتتَةً سَوِيَّةً، ومَرَدًّا غيرَ مُخْزٍ، إنَّكَ سميعُ الدُّعاءِ، واسِعُ الفضلِ والعطاءِ، وأقولُ هذا، وأستغفرُ اللهَ لِي ولَكُم.
