لماذا يشدد على الحركيين والحزبيين السعوديين وغيرهم، ولا يُشدد على شُرَّاح الأحاديث الذين وقعوا في تأويلات وأخطاء عقدية؟ هذا الكلام يُردده الحزبيون كثيرًا، وسمعت مِن بعض السلفيين الذين أصابتهم ردَّة فعلٍ مِن سلفيين آخرين شدَّدوا عليهم.


يقول السائل: لماذا يُشدَّد على الحركيين والحزبيين السعوديين وغيرهم، ولا يُشدد على شُرَّاح الأحاديث الذين وقعوا في تأويلات وأخطاء عقدية؟ هذا الكلام يُردده الحزبيون كثيرًا، وسمعت مِن بعض السلفيين الذين أصابتهم ردَّة فعلٍ مِن سلفيين آخرين شدَّدوا عليهم.

الجواب:

ينبغي أن يُعلَم أنَّ دين الله وسطٌ بين الغالي والجافي، وأنَّ مَن زاغ إما بغلوٍّ أو جفاءٍ فإنه لم يضر إلا نفسه، ودين الله باقٍ والله حافظٌ دينه، وتكفَّل سبحانه بأن يجعل أقوامًا أنصارًا لدينه، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا على الصراط المستقيم أنصارًا لدينه بلا غلوٍّ ولا جفاءٍ.

روى العسكري عن الأوزاعي أنه قال: ما مِن أمرٍ أمرَ الله به إلا وكان للشيطان فيه نزغتان، إما إلى غلوٍّ أو إلى جفاءٍ، ولم يُبال بأيهما ظفَر.

فإنَّ مِما يُشتكَى له أنَّ هناك أقوامًا شدَّدوا على إخوانهم مِن أهل السنة، فصاروا فتنةً لهم بأن ضعُف أولئك وأصابهم ردة فعل أو خرجوا عن السنة، والله سبحانه يقول: ﴿رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الممتحنة: 5] فللذين آمنوا مِن باب أولى.

وفي المقابل يُشتكى مِن أقوامٍ آخرين لما شدَّد عليهم آخرون وبغوا في حقهم زاغوا عن الصراط المستقيم، إما تركوا السنة كليًّا وأصبحوا أهل بدعةٍ، أو أنهم ضعُفوا في القيام بالسنة، وهذا مِن الخطأ، فإنه إذا شدَّد عليهم أقوامٌ ببغيٍ فيجب أن يصبروا، فإنَّ هذا مِن البلاء الذي يجب أن يُقابَل بالصبر، فإنَّ المصائب والعقوبات تُقابَل بالصبر، وما أعظم أجر الصبر، وقد قال الله فيه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

ولا يجوز أن يُقابَل مثل هذا بجفاءٍ أو بُعدٍ عن السنة، بل يجب الثبات والاستمرار ودعاء الله عز وجل، ومصاحبة أهل الخير الذين يُعينون على الثبات على السنة، وألا تكون حظوظ الأنفس مُقدمة على دين الله، بل يجب أن تكون الأنفس تابعةً لدين الله.

أما ما ذكر السائل مِن أنه يسأل: لم يُشدَّد على بعض الحركيين أكثر مما يُشدَّد على بعض الذين أخطأوا في شروح بعض الأحاديث وغير ذلك، فيقال: إنَّ الأصل أن يُشدَّد على الجميع، فإنَّ دين الله واحد، وأن يُتَّخذ موقفٌ سلبيٌّ مِن الجميع.

إلا أنَّ دين الله قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، كما ألَّف العز بن عبد السلام رسالةً في ذلك في قواعد الأحكام وأرجع الدِّين كلَّه إلى هذه القاعدة، وقد ذكر هذا كثيرًا شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، فالأصل أن يُهجَر الجميع، كل مَن وقع فيما يستوجب الهجر فإنَّ الأصل أن يُهجَر هو وكتبه ومؤلفاته وعلمه …إلى غير ذلك، هذا الأصل.

لكن الهجر عبادة مِن جملة العبادات، ودينٌ مِن جملة الدِّين، وهو راجعٌ لتلك القاعدة التي سبق ذكرها، وهو أنَّ الدِّين قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وقد بيَّن هذا ابن تيمية في الهجر نفسه كما في (مجموع الفتاوى) والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن كما في (الدرر السنية).

فإذا تبيَّن هذا، فإنَّ الضرر بالحركيين أكثر بكثير مِن الضرر مِن الذين أخطأوا أخطاءً عقدية في شرح الأحاديث أو تفسير القرآن؛ وذلك أنه لا يكاد يُعرَف رجلٌ خرجَ مِن السنة لأنه وقف على عالمٍ مِن العلماء أخطأ أخطاءً عقدية في شرح الأحاديث أو تفسير القرآن، لكن يُعرَف أعدادٌ كبيرة وكثيرة ضلوا عن السنة بسبب أولئك الحركيين، وذلك أنَّ الفتنة بالأحياء أكثر مِن الفتنة بالأموات، فلذا يُشدَّد في الحركيين أكثر مما يُشدد فيمَن أخطأ أخطاءً عقدية مِن شراح الأحاديث ومفسري القرآن.

ويزيد ذلك أنَّ الحاجة إلى أولئك الشراح ماسَّة، فإنه لا بديل لهم، بخلاف الحاجة إلى الحركيين، فإنه لا حاجة مِنهم، بل السلامة والغنيمة في تركهم، ففرقٌ بين الأمرين مِن جهتين:

الجهة الأولى: أنَّ الضرر بالحركيين أكثر مِن الضرر بمن أخطأوا أخطاءً عقدية، بل لا يُعرَف مَن زاغ عن معتقد أهل السنة لأجل تأويلات فلان أو فلان في شرح الأحاديث.

الجهة الثانية: أنَّ الحاجة ماسَّة إلى علم أولئك الشراح، فإنه لا بديل لهم.

فإذن اختلَف الأمر مِن هذين الجهتين، فأسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

473_1


شارك المحتوى:
0