« الإِجَازَةُ رَبِيعُ الْأَبْنَاءِ، وَمَيْدَانُ التَّوْجِيِهِ وَالِارْتِقَاءِ »
مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُهَوِّس / إِمَامُ وَخَطِيبُ جَامِعِ الْحَمَّادِيِّ بِالدَّمَّامِ.
25/1/ 1448
الخُطْبَةُ الأُولَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾[آل عمران: 102].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ أَنْ جَعَلَ لَهُمْ أَوْقَاتًا يَتَجَدَّدُ فِيهَا النَّشَاطُ، وَتَسْتَرِيحُ فِيهَا النُّفُوسُ مِنْ عَنَاءِ الدِّرَاسَةِ وَالْعَمَلِ، وَمِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْإِجَازَاتُ الدِّرَاسِيَّةُ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا الْأَبْنَاءُ وَالْآبَاءُ، فَهِيَ نِعْمَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا مِنْ وَقْتِ الْإِنْسَانِ ، وَالْوَقْتُ رَأْسُ مَالِ الْإِنْسَانِ، فَإِذَا ذَهَبَ الْوَقْتُ ذَهَبَ جُزْءٌ مِنَ الْعُمُرِ لَا يَعُودُ أَبَدًا.
قَالَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» [ رواه البخاري ]
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ» [صححه الألباني في صحيح الجامع].
وَالْإِجَازَةُ هِيَ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِتَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ وَبِنَاءِ شَخْصِيَّاتِهِمْ، وَغَرْسِ الْقِيَمِ الْفَاضِلَةِ فِي نُفُوسِهِمْ، وَتَعْوِيدِهِمْ عَلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، مِنْ خِلَالِ:
أَوَّلًا: تَعْظِيمُ جَانِبِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَهُمَا سِرُّ الْحَيَاةِ الطَّيِّبَةِ، قَالَ تَعَالَى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[ النحل : 97 ]
ثَانِيًا: إِيجَادُ لِلْأَبْنَاءِ بِيئَاتٍ تَرْبَوِيَّةٍ نَافِعَةٍ، وَصُحْبَةٍ صَالِحَةٍ دَافِعَةٍ؛ كَحِلَقِ تَحْفِيظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَحُضُورِ الدَّوْرَاتِ الْعِلْمِيَّةِ الَّتِي تُشْرِفُ عَلَيْهَا وِزَارَةُ الشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – : « مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [ متفق عليه ]
ثَالِثًا: تَنْمِيَةُ مَهَارَاتِ الْأَبْنَاءِ؛ كَالتَّدْرِيبِ عَلَى الْحَاسِبِ، وَمَهَارَةِ الْقِرَاءَةِ وَاللُّغَاتِ، وَالْمَهَارَاتِ الْمِهْنِيَّةِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الْمَهَارَاتِ النَّافِعَةِ، مَعَ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُتَابَعَةِ ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – : « المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفِي كُلٍّ خَيْرٌ » [ رواه مسلم ]
رَابِعًا: اسْتِثْمَارُ الرِّحْلَاتِ وَالنُّزُهَاتِ، فَالرِّحْلَاتُ الْعَائِلِيَّةُ وَسِيلَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ نَافِعَةٌ إِذَا أُحْسِنَ اسْتِغْلَالُهَا كَالسَّفَرِ لِأَدَاءِ الْعُمْرَةِ ،أَوْ صِلَةُ الْأَرْحَامِ فَفِيهَا كَسْبُ الْأَجْرِ، وَغَرْسُ الْقِيَمِ، وَتَعْزِيزُ التَّرَابُطِ الْأُسَرِيِّ. ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ -: « العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا » [ متفق عليه ]
وَقَالَ أَيْضاً: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»
[ رواه ابن ماجة ، وصححه الألباني ]
خَامِسًا: إِشْرَاكُ الْأَبْنَاءِ فِي الْأَعْمَالِ الْأُسَرِيَّةِ؛ فَذَلِكَ يُعَلِّمُهُمْ تَحَمُّلَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالِاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ، وَخِدْمَةَ الْوَالِدَيْنِ، وَيُرَبِّيهِمْ عَلَى الْجِدِّ وَالتَّعَاوُنِ وَحُسْنِ الْمُشَارَكَةِ.
وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – فِي خِدْمَةِ أَهْلِهِ، كَمَا أَخْبَرَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالَتْ: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ» [ رواه البخاري ]
كَمَا أَنَّهَا مَيْدَانٌ وَاسِعٌ لِتَقْوِيَةِ صِلَةِ الْأَبْنَاءِ بِرَبِّهِمْ، وَتَعْلِيمِهِمْ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، وَالْعِلْمَ النَّافِعَ، وَتَدْرِيبِهِمْ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَسْؤُولِيَّةِ، وَاسْتِثْمَارِ أَوْقَاتِهِمْ فِيمَا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالْخَيْرِ وَالنَّفْعِ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَنَا وَبَنَاتِنَا ، اللَّهُمَّ عَمِّرْ قُلُوبَهُمْ بِمَحَبَّتِكَ، وَاجْعَلْ مُسْتَقْبَلَهُمْ خَيْرًا مِنْ مَاضِيهِمْ، وَزِدْهُمْ هُدًى وَتُقًى وَصَلَاحًا يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنْ ثِمَارِ اسْتِغْلَالِ الْإِجَازَةِ: الِاسْتِثْمَارَ النَّاجِحَ فِي اسْتِغْلَالِ أَوْقَاتِ الْأَبْنَاءِ فِي زِيَادَةِ إِيمَانِهِمْ، وَحِفْظِ أَوْقَاتِهِمْ، وَحِفْظِ تَوَجُّهَاتِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ، وَأَلَّا نَدَعَ لِأَصْحَابِ الِانْحِرَافَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ الْفُرْصَةَ فِي الْوُصُولِ إِلَى عُقُولِهِمْ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [ النساء : 11 ] فَاتَّقُوا اللَّهَ – عِبَادَ اللَّهِ – فَإِنَّ الْأَيَّامَ خَزَائِنُ الْأَعْمَالِ، وَإِنَّ الْإِجَازَاتِ جُزْءٌ مِنَ الْعُمُرِ، وَالْعَاقِلُ مَنْ اغْتَنَمَ أَوْقَاتَهُ وَأَوْقَاتَ مَنْ يَعُولُ فِيمَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ، وَيَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [ رواه مسلم ].
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا فِي أَوْقَاتِهِمْ، وَاجْعَلْ هَذِهِ الْإِجَازَةَ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِحِفْظِ أَوْقَاتِهِمْ، وَاغْتِنَامِ أَعْمَارِهِمْ، وَصَرِّفْ عَنْهُمْ سُوءَ الْفِكْرِ وَالْعَمَلِ، وَاحْفَظْهُمْ مِنْ رُفَقَاءِ السُّوءِ وَمِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَسَدِّدْهُمَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمَا لِمَا فِيهِ عِزُّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَصَلَاحُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، وَارْزُقْهُمَا الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ الَّتِي تَدُلُّهُمَا عَلَى الْخَيْرِ وَتُعِينُهُمَا عَلَيْهِ.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
