أرجو التفصيل في دخول الشهر، هل بلاد المسلمين واحدة؟


يقول السائل: أرجو أن تُفصِّل لنا في دخول الشهر، هل بلاد المسلمين واحدة؟

الجواب:

إنَّه قد حصل بين أهل العلم خلافٌ طويلٌ في هذه المسألة، وأشهر الأقوال في هذه المسألة أقوالٌ ثلاثة:

القول الأول: أنَّ بلاد المسلمين واحدة، وهذا هو القول المشهور عند المذاهب الأربعة، كما عزاه إليهم ابن مفلح في كتابه (الفروع).

القول الثاني: أنَّ لكل بلدٍ حكمه، والمراد بالبلد ليس الدولة وإنما المدينة -ففيما يتعلق بالسعودية- تكون لجدة رؤيتها وللرياض رؤيتها، وهكذا، فالمراد المدن لا الدول، حتى ولو كان حاكمها واحدًا، وهذا قول جماعة مِن أهل العلم، وهذا القول نُسِبَ إلى كُريب وإسحاق بن راهويه، والإمام مالك في قولٍ له، وغيرهم من أهل العلم.

القول الثالث: أنَّ العبرة بالمطالع، فمَا اتَّفق مطلقه فرؤيته واحدة، وهذا قولٌ عند الشافعية، وبعض أهل العلم جعله قولًا مشهورًا عند الشافعية.

فالمقصود أنَّ العلماء اختلفوا على أقوالٍ هذه أشهرها -والله أعلم-.

وأصح هذه الأقوال -والله أعلم- أنَّ بلاد المسلمين واحدة، فمَن رأى الهلال في شرق بلاد المسلمين أو غربها وبَلَغ الآخرين مِن المسلمين في الشرق أو الغرب فيجب على الجميع أن يصوموا، ويدل لذلك عموم الأدلة في تعليق الأمر بالرؤية، فما أخرج الشيخان من قول النبي ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» دالٌّ على هذا، وغير ذلك مِن الأدلة، فإنَّ الأدلة الشريعة علقت ابتداء الشهر إما بالرؤية أو بالإكمال، هذا هو أصح أقوال أهل العلم -والله أعلم-.

إلا أنه ينبغي أن يُتنبَّه إلى أنَّ المسلمين قديمًا ما كان يبلغهم خبر مَن رآه في شرق الأرض أو غربها، لذلك لم يكن بعضهم تبعًا لبعض، بل بعضهم لا يبلغه دخول الشهر إلا بعد أن يخرج شهر رمضان، فمثلُ هذا لا يكون بعضهم تبعًا لبعض، كما أشار لذلك ابن عبد البر ثم ابن تيمية -رحمهما الله تعالى-.

فإن قيل: بماذا يُجاب فيما أخرج مسلم أنَّ كريبًا جاء إلى أهل الشام وأنه رأى الهلال ليلة الجمعة ورآه الناس فصام معاوية -رضي الله عنه- وصام الناس، ثم رجع إلى المدينة فسأله ابن عباس فقال: رأيت الهلال ليلة الجمعة ورآه الناس، فقال: أما نحن فرأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نُكمِل الشهر، وقال: هذه سنة نبيكم محمد ﷺ.

والجواب من أوجه:

الأول: قوله: هذه سنة نبيكم محمد ﷺ. المراد في تعليق الأمر على الرؤية أو إكمال الشهر، كما بيَّن ذلك البيهقي -رحمه الله تعالى- وابن دقيق العيد، وقريب منه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في شرحه على (العمدة).

الثاني: فعل ابن عباس -رضي الله عنهما- قد يُعارض ما تقدم ذكره أنَّ جميع بلاد المسلمين واحدة، لكن الأمر ليس كذلك، وإنما أثر ابن عباس في حقِّ قومٍ رأوا الهلال بطريقةٍ شرعية ولم يبلغهم عن أحدٍ مِن المسلمين أنه رأى الهلال رؤيةً معتبرةً، فمَن كان كذلك فإنه يبتدئ صيام الشهر ولو بلغه بعد أيامٍ أنَّ هناك من المسلمين مَن صامَ قبله، فإنه لا يُؤمر بالقضاء بما أنه قد ابتدأ بطريقةٍ شرعيةٍ ولم يبلغه ذلك عند الابتداء، أشار لهذا الجواب الطحاوي -رحمه الله تعالى- وابن عبد البر في كتابه (التمهيد) وشيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى).

فإذا تبيَّن هذا، فلا يصح أن يُنسَب لابن عباس ولا لكُريب أنهم يرون أنَّ لكلِّ بلدٍ حكمهُ بناءً على ما تقدم ذكره، بل كلامهم لا يدل على ذلك وإنما ذكر ابن عباس ما ذكر لأنهم قد ابتدأوا رؤية الهلال بطريقةٍ شرعية ولم يبلغهم الخبر إلا بعد ذلك، فإذا كان كذلك فإنهم لا يُؤمرون بالقضاء ما لم يصوموه لأنَّ غيرهم قد رآه على ما تقدم تقريره.

أما القول بالمطالع ففي ظني -والله أعلم- أنه أضعف هذه الأقوال؛ وذلك أنه لو كان مرادًا شرعًا لبيَّنه النبي ﷺ وصحابته، ولم يُبيِّنوه، ثم ذكر النبيُّ ﷺ في حديث ابن عمر قال: «نحن أمة أميَّة»، ثم قال: «الشهر عندنا هكذا وهكذا» ثم ذكر أنَّ الصوم برؤيته والإفطار برؤيته، فلو كان المطالع مرادًا لبيَّنه ﷺ ولما علَّق الأمر على الرؤية وجعل الأمة أمةً أميَّة.

ثم لو كانت المطالع مُرادة لبيَّن ذلك الصحابة -رضي الله عنهم- ولوُجد في كلامهم، فلما لم يوجد دلَّ على أنَّ الأمر ليس كذلك، لذا الأظهر -والله أعلم- أنَّ بلاد المسلمين واحدة على ما تقدم تقريره، لعموم الأدلة في الرؤية، وقد كان يُفتي بهذا شيخنا العلامة ابن باز -رحمه الله تعالى-.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

435_2


شارك المحتوى:
0