أحكام الجمعة والتحذير من ظاهرة التسول


الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل الجمعة سيد الأيام، واختصَّ به هذه الأمة من بين الأنام، أحمده على نِعَمه العظام، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله الملك العلام، وأشهد أنَّ محمداً عبده وسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ما تعاقبت الليالي والأيام، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَموتُنَّ إِلّا وَأَنتُم مُسلِمونَ﴾.

اتقوا الله عباد الله ، واعلموا أنَّ ديننا الإسلامي لم يترك شيئاً من شؤون الدنيا والآخرة إلاَّ بيَّنه ووضحه ومهَّد أصوله وفروعه ومحاسنه.

ومن محاسن هذا الدين العظيم: الاجتماع في يوم الجمعة، وفرضيتها على الأعيان؛ ما عدا المرأة والمسافر، والصغير، والعبد المملوك، والمريض، وسكان البادية، ما أحلاه من اجتماع، وأعظمه من شعار، تتجلى في مظاهر الوحدة، ويتجدد فيه التعارف بين المسلمين، وتستعيد فيه الروح بهجتها وسرورها.

هذا اليوم الشريف والعيد المبارك عيد الأسبوع، ما طلعت الشمس على يوم أفضل منه؛ فيه خُلِقَ آدم وفيه أُدخِل الجنَّة وفيه أُخرِج منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلاَّ أعطاه إياه، وأرجى ما تكون تلك الساعة من دخول الإمام إلى أن تُقضى الصلاة وبعد العصر يوم الجمعة إلى أن تغيب الشمس.

عباد الله: لقد اختصكم الله D بخصائص كثيرة، وفضائل جليلة، فقد خصكم بيوم الجمعة بعد أن أضلَّ عنه اليهود والنصارى، فعن أبي هريرة I قال، قال رسول الله H: >أضلَّ الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق <.

ومن أحكام يوم الجمعة: الاغتسال، والسواك، والطيب: فعن أبي سعيد الخدري I أن رسول الله H قال: >غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه<.

ومن أحكامه: التبكير إلى المسجد: ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة I عن النبي H قال: > إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاءوا يستمعون الذكر، ومثل المهجّر – أي المبكّر – كمثل الذي يهدي البدنة، ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كالذي يهدي الكبش، ثم كالذي يهدي الدجاجة، ثم كالذي يهدي البيضة <.

وينبغي لمن أتى مبكراً أن يشتغل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن، وهو يوم تكفير السيئات، فعن سلمان الفارسي I قال: قال رسول الله H: > من اغتسل يوم الجمعة وتطهر بما استطاع من طهر ثم ادهن أو مس من طيب ثم راح فلم يفرق بين اثنين فصلى ما كُتب له ثم إذا خرج الإمام أنصت غُفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى < رواه البخاري.

ومن الأحكام: وجوب الإنصات للخطبة والاهتمام بما يقال فيها: ففي الصحيحين أن رسول الله H قال: > إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصِتْ والإمام يخطب فقد لغوت <.

ومن الأحكام: كثرة الصلاة والسلام على رسول الله في هذا اليوم له مزية على غيره؛ فعن أوس بن أوس I عن النبي H أنه قال: > إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا عليّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليّ <. رواه أهل السنن. ويستحب أيضا في هذا اليوم قراءة سورة الكهف: لحديث الرسول H: > من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين <. ولا يشترط قراءتها في المسجد بل المبادرة إلى قراءتها ولو كان بالبيت.

ومما يجتنب يوم الجمعة تخطي رقاب الجالسين والتفرقة بينهم؛ لقوله H للذي رآه يتخطى رقاب الناس: > اجلس فقد آذيت وآنيت <. ومعنى آنيت أي تأخرت.

ويستحب لمن دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين خفيفتين قبل أن يجلس؛ لقوله H: > إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما<.

والمشروع للمؤمن إذا صلى الجمعة أن يصلي بعدها أربع ركعات نافلة كما قال النبي H: > إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا بعدها أربعاً <، وكان يصلي في بيته ركعتين عليه الصلاة والسلام، فالسنة أن يصلى بعد الجمعة أربع، وإن صلى ركعتين فلا بأس.

عباد الله: إن ترك الجمعة ممن تجب عليه من غير عذر كبيرة من كبائر الذنوب، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، وابن عمر L، أنهما سمعا النبي عليه الصلاة والسلام يقول على أعواد منبره: > لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين <.

عباد الله: إنَّ رسول الله H ذكر يوم الجمعة فقال: > فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها <.

وهذه الساعة هي آخر ساعة بعد العصر، فقد روى أبو داود والنسائي عن جابر I  عن الرسول H أنه قال: > يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر <.

فينبغي للمسلم ألاَّ يفرّط في هذا الوقت ويرفع حاجاته لله فكم للمسلم من حاجات وحاجات، ارفع يديك واسأل ربك ولو كثرت الذنوب فالله حيي كريم، فقد جاء في الحديث: > إنَّ ربكم حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أنَّ يردهما صفراً خائبتين <. رواه أحمد وأهل السنن وهو حديث صحيح.

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد H الدَّاعي إلى رضوانه، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

أما بعد، عباد الله: إن ظاهرة التسوُّل من أخطر الظواهر المجتمعية التي تهدد المجتمع أفرادًا وجماعات.

فمن خطرها أنها تشيع البطالة وروح الكسل في المجتمع ويؤثِّر ذلك على الاقتصاد بلا شك، ومن خطرِها أنها مبنيةٌ على الكذب والتدليس ولا يزال الرجل يكذب حتى يكتب عند الله كذابًا.

ومن خطرها أنها تتسبب في حرمان فئةٍ كبيرة من الحق الذي فرضه الله تعالى لهم ممن يستحقون الصدقة والنفقة على الحقيقة من خلال ذهاب هذه الصدقات إلى غير مستحقها، أو من خلال إحجام المجتمع عن التصدق؛ لاختلاط الحابل بالنابل، ومن خطرها ما يترتب عليها من كوارث أخلاقية وجرائم أمنية مما لا يخفى.

ولذلك وجب على المجتمع أن يواجه هذه الظاهرة بكل حزمٍ وبشتى الوسائلِ المتاحة وأن يبحث الناس عن الفقراء الحقيقيين ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ويساعد على هذا أن تودع الصدقات والتبرعات في الجهات الرسمية؛ كمنصة إحسان فهي الجديرة بالوصول إليهم.

اللهُمَّ أعزَّ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الـشِّـرْكَ والمُـشـْرِكِين، وَاحْمِ حَوْزَةَ الدِّين.

اللهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَنِنَا، وَأَصْلِح أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا.

اللهُمَّ وفق جميع ولاة المسلمين للعمل بكتابك، واتباع سنة نبيك، وتحكيم شرعك.

اللهُمَّ وَفِّق إمَامَنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ لِما فِيه عِزُّ الْإِسْلَامَ وَصَلَاحُ الْمُسْلِمِين.

اللهُمَّ وَفِّقْهُ وَوَلِيَّ عَهْدِهِ وَإِخْوَانَه وَأَعْوَانَه لِما تُحِبُهُ وتَرْضَاه.

اللهُمَّ احفظ جنودنا المرابطين ورجال أمننا، وسدد رميهم يا رب العالمين.

اللهُمَّ عليك بالحوثيين المفسدين، وبالخوارج المارقين، وبجميع أعداء الدين.

اللهُمَّ اكفنا شرهم بما شئت، اللهُمَّ إنَّا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم.

اللهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتَك، وَتَحَوُّل عَافِيَتك، وَفُجَاءَة نَقِمَتِك، وَجَمِيعِ سَخَطِك.

عباد الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالعَدلِ وَالإِحسانِ وَإيتاءِ ذِي القُربى وَيَنهى عَنِ الفَحشاءِ وَالمُنكَرِ وَالبَغيِ يَعِظُكُم لَعَلَّكُم تَذَكَّرونَ.

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

جمع وتنسيق/ عبد الله بن مـحمد حسين النجمي

إمام وخطيب جامع الحارة الجنوبية بالنجامية بمنطقة جازان

أحكام الجمعة والتحذير من ظاهرة التسول – خطبة جمعة للشيخ عبدالله النجمي 22-8-1443هـ


شارك المحتوى:
0