أبو بكر الصديق … سبق في التصديق وثبات في الطريق


« أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ… سَبْقٌ في التَّصْدِيقِ، وَثَبَاتٌ في الطَّرِيقِ »

مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُهَوِّس / إِمَامُ وَخَطِيبُ جَامِعِ الْحَمَّادِيِّ بِالدَّمَّامِ.

27/2/ 1448

الخُطْبَةُ الأُولَى

ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ، رَفَعَ قَدْرَ الصَّادِقِينَ، وَأَعْلَى مَنْزِلَةَ الْمُتَّقِينَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا يَوْمَ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِمَامُ الْمُتَّقِينَ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا النَّاسُ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يقول الله تعالى : ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [ التوبة : 100 ]

الصَّحَابَةُ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – صَفْوَةُ النَّاسِ، وَأَفْضَلُهُمْ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ – عَلَيْهِمُ السَّلَامُ -؛ أَبَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقُهَا عِلْمًا، وَأَقَلُّهَا تَكَلُّفًا، وَأَقْوَمُهَا هَدْيًا، وَأَحْسَنُهَا حَالًا، قَوْمًا اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ.

أُولَئِكَ الْأَخْيَارُ الْأَطْهَارُ، أَصْحَابُ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ  .

 بِالْوُقُوفِ عَلَى أَخْبَارِهِمْ تَحْيَا الْقُلُوبُ، وَتَقْوَى الْعَزَائِمُ، وَتَسْمُو الْهِمَمُ، وَبِاقْتِفَاءِ آثَارِهِمْ تَحْصُلُ السَّعَادَةُ، وَتُدْرَكُ الْإِفَادَةُ، وَبِمَعْرِفَةِ مَنَاقِبِهِمْ تَكُونُ الْقُدْوَةُ بِجَمِيلِ الْخِصَالِ، وَنَبِيلِ الْمَآثِرِ وَالْفِعَالِ.

وَمِنْ هَؤُلَاءِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الْقُرَشِيُّ، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – أَكْمَلُهُمْ، وَأَفْضَلُهُمْ، وَأَسْبَقُهُمْ إِلَى الْخَيْرَاتِ.

الَّذِي أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِالصِّدِّيقِ؛ يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلِيكُمْ جَمِيعاً، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكَرٍ: صَدَقْتَ» [ رواه البخاري ]

أَبُو بَكْرٍ أَوَّلُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَوَّلُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ، شَدِيدُ الْحَيَاءِ، كَثِيرُ الْوَرَعِ، غَنِيٌّ بِمَالِهِ وَجَاهِهِ وَأَخْلَاقِهِ، أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَالَهُ كُلَّهُ، يَقُولُ عُمَرُ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالاً عِنْدِي فَقُلْتُ: اليَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكِرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْماً، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا أَبْقَيْتَ لَأَهْلِكَ؟ فَقُلْتُ: مِثْلَهُ – أَيْ: تَصَدَّقَ بِشَطْرِ مَالِهِ – وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « يَا أَبَا بَكْرٍ! مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ » قَالَ عُمَرُ: لَا أَسَابِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَداً» [ رواه أبو داود ، وحسنه الألباني ]

كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّهُ وَيُجِلُّهُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ. قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: أَبُوهَا. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ» [ متفق عليه ]

كَانَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – صَوَّامًا قَوَّامًا، مُنْفِقًا مُجَاهِدًا، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، وَلَمْ يَسْمَعِ النَّاسُ قِرَاءَتَهُ مِنَ الْبُكَاءِ، سَبَّاقًا إِلَى الْبِرِّ وَالْخَيْرَاتِ .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً : « مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ »

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ »

 قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا .

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ »

 قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : « فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ »

 قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [ رواه مسلم ]

شَهِدَ لَهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ بِالصُّحْبَةِ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40].

اللَّهُمَّ ارْضَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَنْ جَمِيعِ صَحَابَةِ رَسُولِكَ ﷺ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا اتِّبَاعَ سُنَّتِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءَ بِهَدْيِهِمْ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تَعْظِيمًا لِشَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَعْوَانِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – لَيْسَ حَدِيثًا عَنْ رَجُلٍ مَضَى، وَإِنَّمَا هُوَ حَدِيثٌ عَنْ مَدْرَسَةِ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ، وَمِنْهَاجِ الصِّدْقِ وَالْإِحْسَانِ ، وَمَظْهَرِ الْوَفَاءِ وَالثَّبَاتِ، فِي مُوَاجَهَةِ جَمِيعِ الْعَقَبَاتِ.

وَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ، وَارْتَجَّتِ الْمَدِينَةُ، ثَبَتَ أَبُو بَكْرٍ ثَبَاتَ الْجِبَالِ؛ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ، وَقَالَ كَلِمَتَهُ الْخَالِدَةَ: «مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ»، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ  وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [ آل عمران : 144 ]  فَعَادَتِ الْقُلُوبُ إِلَى رُشْدِهَا، وَسَكَنَتِ النُّفُوسُ بَعْدَ اضْطِرَابِهَا.

ثُمَّ تَوَلَّى الْخِلَافَةَ، فَوَاجَهَ الْمُرْتَدِّينَ، وَحَفِظَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وَجَمَعَ بِهِ كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ مَحَبَّةُ أَصْحَابِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَمَعْرِفَةُ قَدْرِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءُ بِهَدْيِهِمْ، فَهُمْ خَيْرُ الْقُرُونِ، وَأَطْهَرُ الْأَجْيَالِ.

هَذَا، وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُم كَمَا أَمَرَكُمْ بِذلِكَ رَبُّكُمْ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وِآلِهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [ رواه مسلم ].

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَعَنِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنِ التَّابِعِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنَّا مَعَهُمْ بِمَنِّكَ وَإِحْسَانِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَ الدِّينَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا، وَسَائِرَ بِلادِ الْمُسْلِمِينَ.

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا حُبَّ صَحَابَتِكَ ، اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا الِاقْتِدَاءَ بِسِيرَتِهِمْ، وَالثَّبَاتَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، وَاجْمَعْنَا مَعَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَصْحَابِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ ، الْمَلِكَ سَلْمَانَ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمَا إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَسَدِّدْهُمَا فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَعِنْهُمَا عَلَى كُلِّ خَيْرٍ ، وَجَمِيعَ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ  ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.


شارك المحتوى:
0