الموقع تحت التجربة ، نستقبل ملاحظاتكم واقتراحاتكم عبر اتصل بنا


وقفات مع شدة الحر


وقفات مع شدة الحر

الخطبة الأولى

إن الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالنا، منْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومنْ يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أن محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ، صلى اللهُ عليه وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- فَإِنَّ لَكُمْ فِيمَا سَلَفَ مِنَ الأَمْوَاتِ لَعِبَراً، وَإِنَّ لَكُمْ فِيمَا تَرَوْنَ مِنَ الآيَاتِ لَمُدَّكَراً.

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ:

لَئِنْ كَانَ قَدَرُنَا أَنْ نَنَالَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ، فَتَضِيقَ بِذَلِكَ النَّفْسُ، لأنِ بلاَدُنَا بِلاَدٌ حَارَّةٌ،مِمَّا يَدْفَعُ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لِطَلَبِ الظِّلِّ الظَّلِيلِ، وَالْمَاءِ الْبَارِدِ السَّلْسَبِيلِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لاَ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ نَتَأَمَّلَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ وَالاِعْتِبَارِ، بَدِيعَ صُنْعِ الْوَاحِدِ القَهَّارِ، الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ يَقُولُ اللهُ تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ]، إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِلتَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللهِ الْمُبْصَرَةِ الْكَثِيرَةِ، فَتَعَالَوْا نُلَبِّي هَذِهِ الدَّعْوَةَ فِي خَمْسِ وَقَفَاتٍ يَسِيرَةٍ.

الْوَقْفَةُ الأُولَى:

أَنَّ حَرَّ الدُّنْيَا لاَ بُدَّ أَنْ يُذَكِّرَنا بِحَرِّ الآخِرَةِ، وَاللهُ سبحانه جَعَلَ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَا يُذَكِّرُ بِالْجِنَانِ النَّضِرَةِ، وَمَا يُذَكِّرُ بِالنَّارِ الْمُلْتَهِبَةِ الْمُسْتَعِرَةِ، قال النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ» (رواه البخاري)، وَ«الزَّمْهَرِيرُ»: شِدَّةُ الْبَرْدِ.

وَقَدْ رَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله قَوْماً فِي جِنَازَةٍ، قَدْ هَرَبُوا مِنَ الشَّمْسِ إِلَى الظِّلِّ، فَبَكَى وَأَنْشَدَ:

تَجَهَّزِي بِجِهَازٍ تَبْلُغِينَ بِهِ *** يَا نَفْسُ قَبْلَ الرَّدَى لَمْ تُخْلَقِي عَبَثَا

فَهَلْ تَذَكَّرَ الْعَاصِي لِرَبِّهِ تِلْكَ النَّارَ، الَّتِي تَوَقَّدُ وَتَغْلِي بِأَهْلِهَا الْفُجَّارِ، حِينَ أَقْدَمَ عَلَى مَعْصِيَةِ الْجَبَّارِ؟ {وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى . فَأَمَّا مَنْ طَغَى . وَآَثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا . فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى}

إِخْوَةَ الإِيمَانِ: لَقَدْ كَانَ سَلَفُكُمُ الأَبْرَارُ، حِينَ يذَكرُونَ النَّارَ، يَأْخُذُهُمُ الْخَوْفُ وَالاِنْكِسَارُ، َقَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رحمه الله بِالنَّاسِ ذَاتَ لَيْلَةٍ: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} فَلَمَّا بَلَغَ: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى} ، خَنَقَتْهُ الْعَبْرَةُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُتِمَّهَا.

الْوَقْفَةُ الثَّانيَةُ عباد الله:

إِنْ كُنَّا نَسْتَطِيعُ اتِّقَاءَ حَرِّ الشَّمْسِ فِي الدُّنْيَا، بِمَا أَتَاحَ اللهُ لَنَا مِنَ الْوَسَائِلِ وَالأَجْهِزَةِ، وَيُمْكِنُنَا السَّفَرُ إِلَى بِلاَدِ الاِصْطِيَافِ الْباردة، فَسَيَأْتِي يَوْمٌ شَدِيدُ الْحَرِّ عَظِيمُ الْكَرْبِ، لاَ مَفَرَّ مِنْهُ وَلاَ مَهْرَبَ، فيَقُولُ: رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا»، قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسل بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ” (أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ).

أَيُّهَا الْمُسْلِمُ الْكَرِيمُ: وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ بِهَذِهِ الفَظَاعَةِ، فَدَاوِمْ عَلَى التَّقْوَى وَالطَّاعَةِ، وَلْتَكُنْ وَاحِداً مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الأَعْمَالِ، «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ؛ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصدقة أَخْفَها حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» (رواه البخاري).

الوقفة الثالثة

َكُلَّمَا اشْتَدَّ الْحَرُّ زَادَ الأَجْرُ، فَالأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْمَشَقَّةِ، وَلَعَلَّ الرُّجُوعَ مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ، يُذَكِّرُنَا بِانْصِرَافِ النَّاسِ مِنْ مَوْقِفِ الْحِسَابِ، فَرِيقٌ إِلَى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ إِلَى السَّعِيرِ، فَإِنَّ الْقِيَامَةَ تَقُومُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلاَ يَنْتَصِفُ ذَلِكَ النَّهَارُ حَتَّى يَقِيلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ،

الخطبة الثَّانية

الْحَمْدُ للهِ مُدَبِّرِ الأَكْوَانِ، وَمُقَلِّبِ الدُّهُورِ وَالأَزْمَانِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ الْجَلِيلُ عَظيِمُ السُّلْطَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ إِلَى الإِنْسِ وَالْجَانِّ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

أَمَّا بَعْدُ:

الْوَقْفَةُ الرَّابِعَةُ: يَقُولُ الْقَائِلُ:

يَتَمَنَّى الْمَرْءُ فِي الصَّيْفِ الشِّتَاءْ *** فَإِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ أَنْكَرَهْ

فَهُوَ لاَ يَرْضَى بِحَالٍ وَاحِدٍ *** قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهْ

لَكِنَّ الْمُؤْمِنَ الْحَصِيفَ، لاَ يُكْثِرُ التَّذمُّرَ مِنْ حَرِّ الصَّيْفِ، بَلْ يُبَادِرُهُ بِأَعْمَالِ الْبِرِّ، وخصوصاً ما اشتدت لها الحاجة في وقت الحر ومن أعظمها وضع آماكن للظل وكذلك السقيا لمن يحتاجها وان لم يكن فقيراً بل حتى الدواب والطيور فإن: «في كل كبد رطبة صدقة» (رواه البخاري).

عِبَادَ اللهِ : الْوَقْفَةُ الْخَامِسَةُ:

هذه الشَّمْسِ بِضَخَامَتِهَا فِي الْخَلْقِ، وَلَهَبِهَا الْمُحْرِقِ عِبْرَةٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ؛ فَإِنَّهَا تَسْجُدُ فِي كُلِّ يَوْمٍ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ، وَهِيَ مُطِيعَةٌ مُذْعِنَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لأَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنَ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا، يُقَالُ لَهَا ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ}

فَعَلاَمَ يَتَكَبَّرُ بَعْضُ بَنِي آدَمَ عَنِ السُّجُودِ لِرَبِّهِمْ، قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السُّجُودِ؟! أينتظرَهذه العقوبة {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَْ}

اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَدُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَآخِرَتَنَا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَالْمَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ اللَّهُمَّ ولاة أمرنا لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَ فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ