مهما تلاعبت بشيء فلا تلاعبن بأمر دينك


مهما تلاعبت بشيء فلا تلاعبن بأمر دينك

ما أعظم التّبعة، وما أكبر الجناية ، حين يحول مدّع للفقاهة بين الأمّة وبين ما أباحه الله لها بفهم سقيم ومعزول للنصّ أو بتأويل متكلّف بارد، وشُبهة ساقطة لا حجّة فيها.

فيضيّق على الأمّة أمرا كان لها فيه سعة ، ويوقعها في الحرج والضّيق ، ويجعل من يسرها عسرا ، ومن تيسيرها تشديدا ، ويحرم أمرا من العفو الذي سكت الله تعالى عنه، رحمة بعباده غير نسيان.

وقد كان الأولى بهذا الدعيّ المتطفّل على موائد الفقهاء النابهين أن لا يجترأ على التحريم، وسدّ المنافذ وإغلاق باب الإباحة ، إلّا بعد النظر في النصوص الجزئية غير مغفل لقواعد الشّريعة ومقاصدها الكليّة.

يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كما في رسالة أربع قواعد تدور عليها الأحكام:
القاعدة الثانية: ” أن كل شيء سكت عنه الشارع فهو عفو لا يحل لأحد أن يحرمه أو يوجبه أو يستحبه أو يكرهه، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان، فلا تسألوا عنها “.

فدين الله ما جاء نقمة على العباد ، ولا أغلالا تقلّد في أعناقهم ، ولا بعث الله محمّدا صلى الله عليه وسلم لإيقاع الحرج عليهم، بل إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان رحمة مهداه، وبُشرى بين يدي السّاعة ، وقد حذّرنا في أحاديث متكاثرة
من المنفّرين، وغلّظ في شأن المتنطّعين، ونبّه إلى جليل خطرهم وعظيم أثرهم ، وأنه يرجع إليهم السبب في انصراف فئام من النّاس عن الدّين ، وعزوفهم عنه، ولحاقهم بالمناهج والأفكار الوضعيّة المنحرفة.

فإنّ الغلوّ والتنطّع من أكثر الأدواء التي تفتك بالمجتمعات، فتفرّق جماعتها وتقوّض
دعائمها.

يقول الله تعالى: ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ).

ويقول تعالى: ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر )

ويقول سبحانه 🙁 يريد الله أن يخفف عنكم ) .

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم : ” بُعِثت بالحنيفية السمحة “.

ويقول صلى الله عليه وسلم : ” إن هذا الدين يُسْر، ولن يُشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه ، فسددوا ، وقاربوا …”الحديث

قال سفيان الثوري رحمه الله : ” إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد ” ( آداب الفتوى للنووي)

والأخذ بالأيسر والأخفّ مما جاءت به الشريعة، ليس بمستنكر عند العلماء ، فإنّ دين الله يسر ، فكلّ ما جاء مخالفا لهذا الأصل يكون مردودا على صاحبه ، ويعدّ مناقضا لما علم من يسر هذ الدين وسماحته.

وقد ألحق بعض الفقهاء الغافلين عن هذا الأصل بالأحكام الشرعية من الشروط والاحتياطات ما عقّدها،

وضاعف من كلفتها، وأغفلوا عند النظر في مسائل الفقه عللها ومناسباتها، وأنّ الله ما شرعها للعباد إلا إصلاحا لقلوبهم وتزكية لنفوسهم.

ولذلك فحتى الرخص المنصوصة أحاطها بعضهم بشروط وضوابط جعلت الأخذ
بالعزيمة أخف من رخص قيّدوها بقيود ثقال.

وكذلك فإنّ من قصد إلى التّهوين من شأن الشّريعة، بتحليل ما حرّم الله ، وتسبيل الطرق إلى المناهي والمحرّمات ، بذرائع لا تقرّها الشّريعة، وبرخص يتمّ إيقاعها في غير محالّها، وباتّباع شذوذات وغرائب وأقوال مطرحة لبعض أولي المكانة والفضل، فليس بأقلّ من صاحبه، فإنّ الاثنين – عندي – في الجناية سواء ، وهما ممن تجارت وتلاعبت بهما في مهاوي الردى الأهواء.

يقول الشاطبي رحمه الله: ” إن الفقيه لا يحل له أن يتخيَّر بعض الأقوال بمجرد
التشهي والأغراض من غير اجتهاد، ولا أن يفتي به أحداً، والمقلد في اختلاف الأقوال عليه مثل هذا المفتي ” ( الموافقات)

ويقول أيضا: ” ولا ينجيه من هذا أن يقول ما فعلت إلا بقول عالم ، لأنه حيلة من جملة الحيل التي تنصبها النفس وقاية عن القال والقيل، وشبكة لنيل الأغراض الدنيوية “.

كما قال ذلك الماجن :

فاشرب ولط وازن وقامر واحتجج … في كـل مسـألـة بقول إمـام !

يعني بذلك شرب النبيذ وعدم الحد في اللواط على رأي أبي حنيفة ، والوطء في الدبر على ما يُعزى لمالك ، ولعب الشطرنج على رأي للشافعي، فهذا التلفيق للأقوال على هذا الوجه مردّه إلى رقّة الديانة، وسفه العقل ومرض القلب، والاستخفاف بحدود الشّريعة.

واعلم أنه يمكن الاستدلال على الكفر والشرك والبدعة والفسق والفجور بنصوص مبتورة من الكتاب والسنة، ولهذا قال تعالى: (يُضل به كثيراً ويهدي به كثيراً).

وقال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً).

كما يمكن الاستدلال على إسقاط الواجبات المتحتمات واستباحة المحرمات بجمع أخطاء العلماء وزلاتهم وعثراتهم.

قال ابن عبدالبر رحمه الله : ” قال سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا”. (جامع بيان العلم).

يقول الشاطبي رحمه الله: ” ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحداً من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مَرّ من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفُسّاق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المُنزّهة،

وفي كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة، وانظر في مسألة التداوي من الخُمار في دُرّة الغواص للحريري وأشباهها، بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن، ثم تحيَّل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد، تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً. فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل “. (الموافقات).

فالقضيّة ليست في مجرّد ادعاء الرجوع إلى النصوص الشّرعيّة فقط ، ولكن لا بدّ من سلوك طرائق العلماء الربانيّين واقتفاء أثرهم في فهم هذه النصوص
وإعمالها ، فليس الشّأن أن تستدلّ ، إنّما يجب أن تنظر في وجه الاستدلال، ويتمّ ذلك بتدبّر النصوص وفهمها ، وجمع النصوص في الباب الواحد أو المسألة الواحدة ، والإعراض عن ما يفعله أهل الأهواء من الاستدلال ببعض النصوص
وإغفال البعض الآخر، أو ضرب النصوص بعضها ببعض، بل الترجيح بين ما يظهر تعارضه من النصوص وأقوال أهل العلم، والعمل بالراجح منها، وعدم اعتبار مجرّد وجود الاختلاف حجة لاختيار أي قول شاء.

وفي الجملة ، فتتبّع الرّخص الضعيفة والشاذة ، والتلفيق بين المذاهب وأقوال العلماء أمر محذور وفي غاية الخطورة ، فينبغي على المفتي والمقلّد عدم التساهل بشأنه، فإنّه يؤدّي إلى الانسلاخ من ربقة التكليف ، واللحاق بركب بني إسرائيل الذين كانوا يستحلّون ما حرّم الله بأدنى الحيل وبالتلفيق المذموم.

فإذن لا يجوز أن يجعل الناظر من وجود الاختلاف بين العلماء وتعدّد اختياراتهم وتنوّع أقوالهم تكأة للانتقاء وملاذا للتشهّي، بل يجب إخلاص القصد لله تعالى والتوجّه له وحده في التماس الحقّ والسّعي في طلبه.

ولأجل هذه الأغلاط الشنيعة التي تنسب -بغير حق- إلى الشريعة، والتي يترتب عليها فساد دين المرء وصرفه عن الاستجابة للحق وإناخة الركائب ببابه، كان جماعة من أهل العلم يقولون : مهما تلاعبت بشيء ، فلا تلاعبنّ بأمر دينك !

كتبه محمد بن علي الجوني

13محرم1436