لماذا يا دكتور عجيل النشمي عفا الله عنك ؟!


لماذا يا دكتور عجيل النشمي عفا الله عنك ؟!

9 ربيع الآخر 1432هـ

14 مارس 2011م

سالم بن سعد الطويل :

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من ﻻ نبي بعده، أما بعد:

فلقد قرأت رسالة للدكتور عجيل النشمي – عميد كلية الشريعة السابق في جامعة الكويت – ذكرها الكاتب احمد محمد الفهد في جريدة « الوطن » بتاريخ 3/3/2011 طرح فيها سؤالا افتراضيا للعلامة الشيخ عبد العزيز بن باز والعلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمهما الله تعالى – لو كانا حيين ماذا سيفتيان ؟

واليك نص كلام الدكتور بالحرف الواحد من المصدر المذكور :

( الأخ الأستاذ احمد الفهد حفظكم الباري السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: فقد وُجّهت إليكم أسئلة متعددة وبعضها لها علاقة بمقال سابق لي ومع احترامي للسائل إﻻأني ﻻ أجد واحدا منها يستحق الإجابة، فإن من الناس ممن ﻻ يرى جواباً اﻻ رأيه ويحكم مسبقاً على الرأي المخالف بالخطأ ولو نصبت له أدلة الشرع والعقل فالمظاهرات حرام ولو كانت سلمية ولو حققت مصالح لأمة الإسلام كلها. وسأزيد الأسئلة سؤالاً أظنك أهلا للإجابة عنه إذ ﻻ حكم لك مسبقاً وأعرف فيك حياديتك العلمية، السؤال اﻻفتراضي لو أنه وجه إلى الشيخين الفقيهين المجتهدين سماحة الشيخ ابن باز وسماحة الشيخ ابن عثيمين ماذا تتوقع أن يكون جوابهما رحمهما الله رحمة واسعة ؟ السؤال : لقد أصدرت هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية فتوى بكفر معمر القذافي ونظامه وهناك زعيم ونظام أشد كفرا بواحاً منه وهو بن علي ونظامه في تونس، وقد سنحت فرصة للشعب المسلم المظلوم أن ينظم مظاهرات سلمية لم يحمل فيها السلاح ويطالب الشعب بسقوط النظام الكافر الظالم واستجاب الله تعالى لهم فهرب زعيمهم وسقط نظامه، فتنفس المسلمون الصعداء ورفعت قيود على لبس الحجاب وقيود على صلوات الناس في المساجد، وشُكِّلت حكومة وطنية هي بصدد تعديل القوانين والنظم، وعاد كثير من الدعاة إلى بلادهم لنشر الدعوة وقد ترتب على هذه المظاهرات بعض أعمال الشغب فحرق المندسون بعض المحلات وقتل بعض أعوان الطاغية بعض المتظاهرين والسؤال : هل هؤﻻء الملايين من المتظاهرين والمؤيدين لهم الذين أزاحوا بتوفيق الله الطاغية فزال عن عباد الله شره وزمرته ؟ هل هم مستحقون لعقاب الله تعالى يوم القيامة لأنهم آثمون في قيامهم بالمظاهرات أم هم مستحقون للثواب ؟ وأي المفسدتين أعظم مفسدة إزاحة الظلم والكفر البواح، أم مفسدة ما حدث من إحراق بعض المحلات التجارية وقتل بعض من المتظاهرين وهل يعتبر ما تحقق على أيدي المتظاهرين مصلحة معتبرة ؟ فماذا تظن جواب الشيخين ؟ ) انتهى كلامه عفا الله عنه .

فأقول وبالله أستعين وعليه أتوكل وإليه أنيب :

أوﻻً : يا دكتور عجيل أنت ﻻ تعلم الغيب، وﻻ يمكن أن تجزم بأن جواب الشيخين ابن باز وابن عثيمين رحمهما الله سيتغير ويكون كما تتوقع، بل الأقرب أن نتوقع بأن الشيخين سيقولان بالمنع مطلقاً؛ لأن اﻻصل بقاء ما كان على ما كان واليقين ﻻ يزول بالشك.

ثانياً : لماذا يا دكتور توجه سؤاﻻً افتراضياً للعلماء الأموات وتدع العلماء الأحياء ؟ والله تعالى يقول { فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [النحل 43] . لماذا ﻻ توجه السؤال نفسه وبنصه لفضيلة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ أو فضيلة الشيخ صالح الفوزان ؟

ثالثاً : يا دكتور علماؤنا ﻻ يؤمنون بقاعدة الغاية تبرر الوسيلة، فهم عندما حرموا المظاهرات حرموها مطلقاً مع علمهم ببعض النتائج الايجابية التي قد تنتج عنها، فلم يخف عليهم ذلك حتى تظن أنهم ممكن أن يغيروا رأيهم بمجرد سقوط بن علي ونظامه.

رابعاً : علماؤنا أكدوا من جديد القول بتحريم المظاهرات بعد سقوط بن علي ونظامه .

خامساً : علماؤنا حرموا المظاهرات من عدة وجوه منها :

  • كونها حادثة لا دليل عليها من الكتاب والسنة وليست من منهج السلف.
  • وكونها مخالفة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة فنحن مأمورون بالنصيحة لولاة الأمور وطاعتهم بالمعروف والصبر على ظلمهم وجورهم إذا ظلموا وجاروا.
  • وكونها من طرق الكفار المستوردة منهم.
  • ومنها:ما يترتب عليها من المفاسد الكبيرة والكثيرة .

أقول : لهذه الأسباب وغيرها المظاهرات عند علمائنا حرام ولو كان فيها شيء من المصالح إن وُجدت.

سادساً : لماذا يا دكتور عجيل ﻻ تصور المسألة تصويراً كاملاً واضحاً حتى تظفر بجواب كامل واضح ؟ أنت تعلم يا دكتور بأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلماذا لم تُبِنْ في سؤالك أن في هذه المظاهرات من الناس من حرق نفسه وقلده آخرون، ثم تحولت المظاهرات السلمية إلى حروب دامية فزُهِقت فيها الأرواح، وعمّت الفوضى، ودبَّ الرعبُ، وتدخل الغربُ، وذهبت هيبةُ الحكومات، وزادَ الفسادُ فلم تقتصر نتائج المظاهرات على تونس، بل انتقلت آثارها إلى مصر واليمن والبحرين وعُمان والجزائر والمغرب والعراق، وقامت حرب شرسة في ليبيا الله أعلم بنهايتها سقط فيها الآلاف من القتلى، وتشرد مئات الآلاف، وتضرر الملايين من البشر، ومازالت افرازات المظاهرات [ السلمية! ] تهدد السعودية والكويت والأردن، بل أصبحت كل فئة من الناس تجد نفسها مظلومة – من وجهة نظرها – تهدد بالمظاهرات واﻻعتصامات والاضرابات عن العمل، ودخلت الأمة دهاليز مظلمة ﻻ يعلم نهايتها اﻻ الله تعالى .

سابعاً : لماذا يا دكتور عجيل لم تُبِنْ في سؤالك اﻻفتراضي أن المتظاهرين ﻻ يطالبون بحكومة شرعية تقيم شرع الله تعالى، وإنما يطالبون بحكومة تقوم على أساس الديموقراطية الغربية تكفل الحريات وتقرّ جميع الملل والنِّحَل والمذاهب والمناهج !

ثامناً : لماذا لم تذكر أن المظاهرات يخرج فيها المسلم والكافر، ويُرفع فيها الصليب، ويختلط الرجالُ بالنساء المتبرجات السافرات ويكثرُ فيها اللغطُ والصراخُ ؟!

تاسعاً : يا دكتور ﻻ يختلف معك أحدٌ على وجود الفساد والظلم والأثرة في كل دولة بلا استثناء، ولكن كيف غفلت عن قاعدة «المنكر ﻻ يُغير بمنكر أكبر منه » ؟!

عاشراً : لو سلمنا لك جدﻻً بجواز المظاهرات السلمية؛ لكن الناس ما استوعبوا فتواك- ولن يستوعبوها – والواقع أكبر شاهد، فها هم بدأوا بمظاهرات سلمية وانتهت بحرب أهلية، وتدخل الغرب ليسوسوا ويتسيّدوا على العباد والبلاد ! فلماذا ﻻ تُمْسِك عن هذه الفتوى التي جرّت على الأمة كل هذه الفتن والويلات وأتت على الأخضر واليابس ؟

الحادي عشر : لقد تراجع كثير من العلماء عن بعض فتاواهم لما ظهر لهم أن الحق بخلاف آرائهم، منهم صحابة وتابعون وأئمة، ولم ينقص ذلك من قدرهم لأن الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل .

الثاني عشر : قلت يا دكتور ( من الناس ممن ﻻ يرى جواباً اﻻ رأيه ويحكم مسبقاً على الرأي المخالف بالخطأ ولو نصبت له أدلة الشرع والعقل فالمظاهرات حرام ولو كانت سلمية، ولو حققت مصالح لأمة اﻻسلام كلها ) فأقول: وأنت يا دكتور لك أكبر نصيب من هذا الوصف الذي وصفت به غيرك، فأنت مصرٌّ على القول بجواز المظاهرات التي ظهر للعالم أجمع فسادها، وقد نصبت لك الأدلة الشرعية والفتاوى العلمية والحقائق العقلية والحسية، بينما أنت لم تستدل بدليلٍ واحدٍ على مشروعية المظاهرات أو جوازها { إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) } [ ص : 5 ]

الثالث عشر : علماؤنا منذ أكثر من عشرين سنة كفّروا معمر القذافي وضللوه، لكن ما دعوا الناس إلى مواجهته وقتاله حقنا للدماء وحفظاً للأموال والأعراض، فلله درهم ما أعلمهم بالحق وما أرحمهم بالخلق { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2( } [ الحشر 2 ] .

الرابع عشر : لماذا يا دكتور ﻻ تذكر لنا نماذج من المظاهرات السلمية من الواقع المعاصر؟

الخامس عشر : إذا قامت مظاهرات سلمية وطالبت بإسقاط الحكومة أو برحيل الحاكم؛ فهل تضمن يا دكتور أن الحاكم أو الحكومة لن يقمعوا هذه المظاهرات فتتحول من سلمية إلى دموية ؟ وهل سيبقى المتظاهرون مكتوفي الأيدي أو سيقاتلون قوات الحكومة ؟السادس عشر

: لقد افترضت يا دكتور عجيل لو سُئل الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – عن المظاهرات فماذا سيقول ؟! فإليك جوابه الذي قاله في حياته وورثناه عنه وهذا نصه :

( سؤال للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى : السائل : بالنسبة إذا كان حاكم يحكم بغير ما أنزل الله، ثم سمح لبعض الناس أن يعملوا مظاهرة تُسمى ( عصامية ) مع ضوابط يضعها الحاكم نفسه، ويمضي هؤلاء الناس على هذا الفعل، وإذا أنكر عليهم هذا الفعل قالوا: نحن ما عارضنا الحاكم ونفعل برأي الحاكم . هل يجوز هذا شرعاً مع وجود مخالفة النص ؟الجواب

: عليك باتباع السلف، إن كان هذا موجوداً عند السلف فهو خير، وان لم يكن موجوداً فهو شر، ولا شك أن المظاهرات شر، لأنها تؤدي إلى الفوضى، من المتظاهرين ومن الآخرين، وربما يحصل فيها اعتداء، إما على الأعراض، وإما على الأموال، وإما على الأبدان، لأن الناس في خضم هذه الفوضوية قد يكون الإنسان كالسكران لا يدري ما يقول ولا ما يفعل، فالمظاهرات كلها شر سواء أذن فيها الحاكم أو لم يأذن، وإذن بعض الحكام بها ما هي إلا دعاية، وإلا لو رجعت إلى ما في قلبه لكان يكرهها أشد الكراهة، لكن يتظاهر بأنَّه كما يقول : ( ديموقراطي ) وأنَّه قد فتح باب الحرية للناس، وهذا ليس من طريقة السلف ) انتهى كلامه من [ لقاء الباب المفتوح 179 ] .

فتدبر قوله رحمه الله « المظاهرات كلها شر » ألا يكفيك هذا الجواب؟!

السابع عشر : وأخيراً وليس آخراً؛ لقد سقط بن علي ورحل محمد حسني مبارك، ولكن لن تتوقف المظاهرات واﻻعتصامات، فرضا الناس غاية ﻻ تُدرك، فإن رضيت عن الحاكم والحكومة فئةٌ سخط عليه آخرون، وهكذا ستبقى الأمة في دوامة المظاهرات، كفانا الله والمسلمين شرها .

واعلم أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم فالزمه وﻻ تتجاوزه إلى غيره .

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، والحمد لله أوﻻ وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .