ضوابط وقواعد في استغلال هذه العشر 


ضوابط وقواعد في استغلال هذه العشر ]

أخي هذه نصائح لنفسي ولك ، مع اقبال العشر من ذي الحجة ، لعل الله أن ينفع بها …

أولا: استحضار النية ، وليس استحضار النية كلمة نرددها فقط ، بل لابد من عمل جاد (ظاهرا وباطنا) لاستحضارها ، فرجل تدخل عليه العشر وقد نوى وعزم على فعل الخيرات ، ليس كرجل دخلت عليه العشر وهو ساه غافل .!

فصدقني اخي ، فجلستك مع نفسك ، لتراجع اخطائك ، وترتب اوراقك ، ومن ثم تقوم ، وقد عزمت على تغيير طريقتك في المجاهدة ، سوف تجد لها ثمار عظيمة ..وكان حبيب بن ابي ثابت يقولون له حدثنا ، فيقول: “لا حتى تاتي النية” وقيل لمغيرة: حدثنا فقال: انا لا احدث الا بنية .! يقول الراوي فمكثنا عنده اياما ما حدثنا بشي”.!

فاستحضروا نياتكم في هذه العشر خاصة، يعني لاتكن صلاتك في هذه العشر كصلواتك السابقة .. لا يا أخي .. غيّر يا أخي من طريقة تفكيرك وانت تقوم للصلاة ، كما قال احمد: احدث لنفسك فكرا وانت ذاهب للمسجد”.! فلا تقل انا ذاهب أصلي ، بل قل انا ذاهب اتوب ، انا ذاهب اطلب عتق رقبتي من النار، انا ذاهب لكي أطّرِح بين يدي ربي ومولاي ليعفو عني ، فلعلها تكون آخر صلاة لي.. وهكذا .. سوف تجد ان قلبك بدأ يستشعر اشياء لم يكن يجدها من قبل …وكذا المرأة في البيت لا تكن صلاتها بين ازعاج الاطفال وانشغال قلبها ، فمال بال المرأة اذا ارادت استقبال صاحبتها تهيأت وهيأت كل ما يحسن به الاستقبال ، فهل اقبالها على صاحبتها أعظم من اقبالها على ربها .!

ثانيا: تجديد التوبة ، (اخي): اعلم أن التوبة ، هي بمثابة الهواء والنفس ، لمن اراد نجاته ، كما قال ابن القيم ، فلا يستغنى عنها ابدا ، قال تعالى”نعم العبد انه اواب” قال طلق بن حبيب: «إن حقوق الله أثقل من أن يقوم بها العباد , وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد , ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين»..

(أخي): اجلس مع نفسك ، هل تبت توبة صادقة ، توبة نصوح ، توبة تشعر انها تمكنت من سويداء قلبك ، والله انها سهلة على من اراد الله له الخير ، وجد هو في ذلك ، وطلبها بحق..

ثالثا: عليك بالدعاء.. فلا تظن انك سوف تصل الى حقائق الايمان بجهدك وعلمك ، وحسن تصورك وتفكيرك .! لا والله ..قال مطرف: «نظرت في بدء هذا الأمر ممن كان , فإذا هو من الله , ونظرت على من تمامه فإذا تمامه على الله , ونظرت ما ملاكه فإذا ملاكه الدعاء» ، فاطرح بين يدي ربك وتضرع وابكِ ، وادعه دعاء المضطر ، كما قال بن مسعود “لا ينجو الا من دعا دعاء الغريق” ، وقال مطرف: “لو كان الخير في كف أحدنا ما استطاع أن يفرغه في قلبه حتى يكون الله هو الذي يفرغه في قلبه”.

واعلم ان اقواما قبلك قد اعطوا مالم تعطه ، فاعطوا علوما وما أُوتوا فهوما ، واعطوا ذكاء وما أُوتوا زكاء ، واعطوا سمعا وابصارا وافئدة ، فما اغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شي.!

فإن الأمر يا أخي من فوق ، من لدن العزيز الحكيم…

رابعا: (أخي): عليك بالصدق في الطلب .! فلا يكن راس مالك الاماني ، فانها مال المفاليس.! وكثير ما يذكر بعض الاخوة انه يتمنى ان يكون كالعلماء العابدين الخاشعين ، ثم تجده اخر من يدخل المسجد ، [ واذا صلى ] صلى صلاة لا تجد بينها وبين صلاة العوام فرق .. وكما قال أحمد في رسالته في الصلاة: (اذا جارى العلماء العامة في صلاتهم لم يزالوا في نقص وسفال) او نحوه..

فيا أخي: اطلب ثم اطلب ثم اطلب ، ولا تفتر ولا تيأس ، اتريد ايمانا وصلاحا ، وانت متكاسل متعاجز ، فأي شي عرض لك قطعك من جدولك ووردك.! قال ابن مسعود(الايمان والعمل من طلبهما وجدهما).! ارأيت كيف اوصاك ابن مسعود بطلب الايمان؟! فلابد من الطلب لتصل لحقائق الايمان ، فإن الله اذا رأى منك خيرا فتح لك بابه ، واذا فُتِح لك الباب فلا تسأل ما بعده من نعيم وخير لم يخط لك في بال..

خامسا: عليك بالارادة الجازمة ، وكما قال ابن القيم: الصدق في الطلب والقوة في الارادة ، يصل الرجل بهما الى الله.. فلا تكن ضعيف الارادة ، همتك عند قدميك ، وكما قال تعالى”يا يحيى خذ الكتاب بقوة” ، فاذا اخذت الامر بقوة فسوف تحمد العاقبة..

سادسا: طهر قلبك ، واهتم بتزكيته ، فانه الملك ، ان صلح صلحت الجوارح.!

هذه القسوة التي نجدها في قلوبنا ، الماثلة في جمود العينان ، وسروح القلب ، والإنسان بين يدي ملك الملوك ، والبادية في تعظيم الدنيا ، وشغف القلب بها .! فهذه الحال اما تحزنك يا اخي ، أم ان نفوسنا قد اعتادت على تلك الحال حتى استأنست بها .! “ولا حول ولا قوة الا بالله” ..

أيسرك ان ينظر الله الى قلبك فلا يجد فيه الا التفكير المتواصل في امور الدنيا ؟! ايسرك ان ينظر الله الى قلبك فيجد حتى اعمال الخير من طلب علم ودعوة وغيرها قد انحرف بها الشيطان الى حظوظ الدنيا وشهوات النفس (ونحن في غفلة عن ذلك) ، فهل تأمن ان يُعرِض الله عنك اعراضة يبلغ شقاها مالم يخطر ببالك.!

سابعا: لتكن مجالسك طيبة مع اخوانك ، على اقل الاحوال في هذه العشر ، ليتغير شي من حالنا ، نري الله به خيرا ؛ لعل الله ان يرحمنا ..

مالذي يمنع شبابا يجلسون ثم ينصرفون لم يتناصحوا ولم يتذاكروا ؟! لماذ نحرم انفسنا الخير؟! إلى متى ونحن على هذه الحال من الغفلة وضعف العزيمة ودنو الهمة؟!

ثامنا: عليك يا (أخي): بالمساجد … الزمها واستوطنها ، فان فيها والله الخير العظيم ، وخاصة في مثل هذه الأيام ، يا (أخي): “بصراحة” اين تريد ان تحاسب قلبك ؟! وتعرف قصورك ؟ وهل أنت سليم القلب أم مريض القلب ؟! هل تعرف ذلك وانت منشغل مع الاولاد والاهل ؟ ام وانت في الوظيفة مع كثرة المزعجات والملهيات ؟! لن تجد احسن من المسجد ، ولذلك كان ابو هريرة واصحابه يلزمون المسجد يحفظون صيامهم” .!

صدقني يا (أخي): سوف تجد الفرق كبير جدا ، وصدقني أنا قد حيل بيننا وبين المساجد ، ما ان يصلي الرجل فرضه حتى يهبَّ من مكانه كانه محبوس ، اين تريد ان تذهب ؟! الى خير مما انت فيه ؟! والله لن تجد امامك الا الدنيا ، رأس كل خطيئة وشر.!

تاسعا: (اخي): دع عنك الكلام في فلان وعلان

وقيل وقال في هذه العشر ، والكلام الزايد الذي قد امتلأت به مجالس طلبة العلم الا من رحم الله ، وكلهم يعرفون القضية كاملة ، فما فيه داعي لتكرار الكلام ، فان ذلك على حساب أمور أخرى نحن في حاجة لها ، ونجهلها فلو اشغلنا مجالسنا بذلك لوجدنا خيرا عظيما ، ولا استبعد أن الشيطان ربما فتح مثل هذه الأبواب في مجالس الشباب ليجعلهم في اماكنهم لم يستزيدوا شيئا .! فان الانسان لا يأمن على نفسه عند الكلام في فلان وفلان من ان يحصل منه التفاتة لا ترضي الله ، فيُعرض الله عنه ، “فالعشر ايام محدودة اذا ذهبت لا تعود”.

ولذلك كان بعض العلماء يتركون في هذه العشر مسائل الجرح والتعديل وهو علم شريف عظيم ، كله تعظيما لهذه العشر وخوفا على أنفسهم.

بوب ابن ابي حاتم فقال: “باب ما ذكر من ورع يحيى بن معين رحمه الله” حدثنا عبد الرحمن قال سمعت أبي يقول أتيت يحيى بن معين أيام العشر “عشر ذي الحجة” وكان معي شئ مكتوب يعني تسمية ناقلي الآثار وكنت أسأله خفيا فيجيبني فلما أكثرت عليه قال: عندك مكتوب؟ قلت: نعم، فأخذه فنظر فيه فقال: أياما مثل هذا وذكر الناس فيها.! فأبى أن يجيبني”[ (الجرح والتعديل (٣١٧/١) ]

ومثله عن أبي زرعة كما في الضعفاء:

سألت أبا زرعة، عن حديث ابن أبي هالة في صفة النبي صلى الله عليه وسلم في عشر ذي الحجة فأبى أن يقرأه علي، وقال لي: فيه كلام أخاف أن لا يصح، فلما ألححت عليه قال: فأخره حتى تخرج العشر فإني أكره أن أحدث بمثل هذا في العشر”

( ٥٥٢/٢ )

حسن صنيدح