رسالة إلى عائض القرني وأمثاله قديمة وها أنا ذا أجدد إرسالها


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:

فإنّا نسمع بدعوى تراجع بعض الدعاة الثوريين، الذين كان لهم الأثر الكبير في تهييج الشباب، وإغارة صدور العامة على ولاة الأمر منذ زمن، ودعوى توبتهم مما كانوا عليه من غير أن يصرحوا بالتوبة.

وذلك عن طريق كلماتهم المعسولة، أو الملتوية، أو الملونة، وعبر خروجهم في الفضائيّات، يصورون للناس أنهم هم الذين أثّروا في أصحاب الفكر الخارجي بتسليم أنفسهم.

ومن المعلوم عند أهل العلم، وطلاب العلم: أن لتوبة الفاسق شروط هي:

أن يقلع عن الذنب. أن يعزم على أن لا يعود إليه. أن يندم على ما فات.

وهناك شرط رابع لمن كان عليه حقوق آدميين؛ مالية أو عِرضية: أن يرد الأموال إلى أهلها، وان يتحلل من الغيبة.

أما توبة أهل الأهواء والبدع؛ المخالفين لمنهج السلف ـ أهل السنة والجماعة ـ في دعوتهم، فإنها تزيد عن ذلك بل تختلف.

يقول الله تعالى: ] إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيم[البقرة:160] .

قال ابن كثير في تفسيره: ( 1/288): ” أ ي رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وأحوالهم وبيّنوا للناس ما كانوا يكتمون، وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفرٍ، أو بدعةٍ إذا تاب؛ تاب الله عليه”.اهـ.

ويقول ابن القيم- رحمه الله – في كتابة “عدة الصابرين” ( ص/ 93- 94): “من توبة الداعي إلى البدعة أن يبين أنّ ما كان يدعو إليه بدعة وضلالة، وأن الهدى في ضده، كما شرط تعالى في توبة أهل الكتاب الذين كان ذنبهم كتمان ما أنزل الله من البيّنات والهدى ليضلوا الناس بذلك: أن يصلحوا العمل في نفوسهم، ويبينوا للناس ما كانوا يكتمونهم إياه، فقال: ]إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُـونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُـوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [. [البقرة:159-160].

وهذا كما شرط في توبة المنافقين، الذين كان ذنبهم إفساد قلوب ضعفاء المؤمنين، وتحيزهم واعتصامهم باليهود والمشركين أعداء الرسول، وإظهارهم الإسلام رياءً وسمعة: أن يُصلحوا بدل إفسادهم، وأن يعتصموا بالله بدل اعتصامهم بالكفار من أهل الكتاب والمشركين، وأن يُخلِصوا دينهم لله بدل إظهارهم رياء وسمعة.

فهكذا تُفهم شرائط التوبة وحقيقتها، والله المستعان”.ا هـ .

فإذا كان الأمر كذلك: فالكلمات المطاطية والمحاضرات المُمَيّعة والكلمات المعسولة لا تكفي في بيان المنهج الفاسد القديم الذي كانوا عليه. فلا بد من البيان والإيضاح نصحاً للأمة بعد التوبة والاعتراف بالخطأ صراحة دون غموض ولا حيدة، وأن الحق في ضده.

فإذا عُرف ذلك وفُهمت شرائط التوبة، فإن توبة هؤلاء ورجوعهم عن أخطائهم لم تكن ذات بيان وإيضاح، كما هو معروف من منهج السلف ـ رحمهم الله ـ، وإنما هو إجمال، وكأن الأمر كان خلاف في المسائل الفقهية التي يسوغ فيها الخلاف.

إن الأمر كان منهم في موالاة أهل البـدع، والوقوف معهم، والذب عنهم، والغضب لهم وكراهة من يتكلـم فيهم. بل والاستشهاد بأقوالهم، والوصية بقراءة كتبهم ومؤلفاتهم. حتى غرروا بالجيل الصاعد، ولم يسلم من تغريرهم حتى كبار السن، وما زلنا لم نسمع منهم في أهل الأهواء والبدع مقالاً ولا كلمة، ولا البراءة منهم ومن منهجهم الفاسد.

وهذا إمام العصر يؤكد هذا الشرط، فيقول الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز – رحمه الله – وهو يرد على عبدالرحمن عبدالخالق في أخطائه:”فالواجب عليكم الرجوع عن هذا الكلام، وإعلان ذلك في الصحف المحلية في الكويت والسعودية، وفي مؤلف خاص يتضمن رجوعكم عن كل ما أخطأتم فيه”. ا هـ. مجموع الفتاوى: ( 8/242، 244، 245 ).

وهذا ينطبق على هؤلاء الدعاة الذين يضللون الناس بمعسول الكلام، فهل من مدّكر؟!

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين،،،،،،،،،

كتبه / جمال بن فريحان الحارثي

1/6/1425هـ