ردًا على وجيهة الحويدر في مسألة تعدد الزوجات


قرأت باستغراب ما نشر في الصحف المحلية عن مطالبات متعدد ومتكررة للكاتبة وجيهة الحويدر،والتي كان لابد من دمغها وإبطالها، لكي تستبين سبيل المجرمين، ويتنبه الغافل من المسلمين إلى ما يكيده الأعداء له ولمحارمه وعرضه،وليّ مع بعض أقولها وقفات،أقول وبالله التوفيق:

الوقفة الأولى:

(قالت الحويدر في مقال لها “لو كان التعدد شريعة إلهية لأعطي للنساء”)

(وفي نفس الوقت انتقدت برنامجا أطلقته جمعية خيرية بمدينة ينبع والذي يشجع الرجال المتزوجين على الزواج من ثانية..)

إن الإسلام في تنظيمه لمسألة التعدد وتقييدها ” بالعدل ” لم يجعل ذلك فرضاً على المرأة وإكراهاً لها على القبول بل وَكَّل الرضا به والرفض لها . فللمرأة ـ ثيباً أو بكراً ـ مطلق الحرية في رفض أو قبول من يتقدم للزواج بها ، ولا حق لوليها أن يجبرها على ما لا تريده لقول الرسول صلي الله عليه و سلم : ” لا تزوج الأيم ـ الثيب ـ حتى تستأمر ، ولا البكر حتى تستأذن “

والإسلام حفظ حق المرأة فعلاً، لكن المسلمين أضاعوه بعاداتهم وتقاليدهم الدخيلة على الدين،وبمفهومهم المتحجر والحرفي لتعاليم الإسلام .

أحلَّ الله التعددَ لصالح المرأة في الأساس قبل أن يكون في صالح الرجل، وما شوَّه شكلَ التعدد هو أن البعض عدَّدوا بغير داعٍ ولا مبرِّر، وإذا اشترطت

عليه الزوجة الأولى في عقد الزواج ألا يتزوجَ عليها فليس له حق الزواج عليها، فالمؤمنون عند شروطهم: “وخير ما وفيتم به من العهود ما استحللتم به الفروج”، ولكن في الأصل ليس إذنها شرطًا للزواج عليها، والضرر في هذه الحالة نسبي ويتفاوت من امرأةٍ لأخرى.

ولو رجعنا إلى العهود الماضية سنجد أن قديمًا كان الأصل التعدد،فلم يبتدع الإسلام التعدد ، وإنما جاء فوجده منتشراً ومعروفاً في كل بيئة ، وكان العرب في الجاهلية يمارسونه على نطاق واسع لا يتقيدون فيه باعتبار من الاعتبارات.

وبما أن الإسلام جاء لتنظيم أمور الناس وأحوالهم كان لا بد أن يتدخل لينظم أمر التعدد المطلق ويمنع ضرره وشره ويقيده ويهذبه ويجعله وافياً بحقوق المصلحة العامة : ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) وهكذا قيد الإسلام التعدد بأربعة بعد أن كان مطلقاً بدون حد منطلقاً بدون قيد.

أن الحكمة في رخصة التعدد بضوابطها ـ والله أعلم بحكمته – ليست بدافع التلذذ الحيواني ، ولا التنقل بين الزوجات ، وإنما هو ضرورة تواجه ضرورة ، وحل يواجه مشكلة حتى لا يقف الإسلام حيال تلك الضرورات وهذه المشكلات مكتوف الأيدي،ويكون قاصراً عن مواجهة ظروف الحياة ، وحاشا لشرع الله أن يكون كذلك .

ومع ذلك لم يترك الإسلام مبدأ التعدد لهوى الرجل بل قيده أيضاً ” بالعدل ” وإلا امتنعت الرخصة المعطاة له ، وجعل لذلك نوعين من العدل :

النوع الأول : عدل واجب ومطلوب : وهو العدل في المعاملة ، والنفقة والمعاشرة ، والمباشرة ، وسائر الأوضاع الظاهرة ، بحيث لا ينقص إحدى الزوجات شئ منها ولا تؤثر واحدة دون الأخرى بشيء منها . وهذا ما نصت عليه الآية الشريفة : ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) ويقول الرسول صلي الله عليه و سلم : ” من كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط ” وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قال : ” إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ـ وكلتا يديه يمين ـ الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا “

النوع الثاني : العدل في المشاعر : مشاعر القلوب وأحاسيس التقوى ، وهو عدل خارج عن إرادة الإنسان ، ولا يطالب به بنى الإنسان ، وهو الذي ذكرته الآية:(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ).
ولكنه عدل ينتفي معه الظلم بحيث إذا مال القلب لواحدة ، لابد أن تبقى مساحة فيه للأخرى فلا يميل كل الميل لواحدة ويترك الأخرى وكأنها ليست متزوجة أو ” كالمعلقة ” .ولقد كانت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وزوج النبي صلي الله عليه و سلم لها من المكانة في قلب النبي صلي الله عليه و سلم ويؤثرها بعاطفة قلبية خاصة وكان يقول صلي الله عليه و سلم:”اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ”
والإسلام في نظرته للمجتمع ـ فرداً وجماعة ـ ينظر إلى المجتمع نظرة مصلحة وعموم، ويقدمها على المصلحة الذاتية جلباً للمنافع العامة ودرءاً للمفاسد المهلكة أن الإسلام أباح التعدد حلاً ومخرجاً مع تقييده بالعدل ومع ذلك فقد اعتبرته الشريعة نوافذ ضيقة لحالات استثنائية اضطرارية وعلاجاً لحالات مرضية قائمة حماية للمجتمع كله. ومع ذلك فالتعدد ليس منتشراً بالصورة التي تزعج النساء وتدعو أصحاب القلوب المريضة أن يعملوا عقولهم وأقلامهم للطعن في القرآن .

فإذا افترضنا أننا أمام نظامان ـ كما يقول د/ محمود عمارة ـ : ” أحدهما يبيح التعدد،ويحرم كل ما وراءه من العلاقات الآثمة بين الجنسين ، ويضرب بيد من حديد على أيدي المتلاعبين بالأعراض ، الخائضين في ضروب الفحشاء ، والآخر يحرم تعدد الزوجات ويبيح المخادنة والعلاقات الآثمة بين الجنسين ولا يضرب على أية يد تمتد إلى تناول أي محظور في هذا المجال . فإذا كان لابد من إباحة التعدد فلا يوجد أفضل ولا أطهر من النظام الأول الذي يحترم آدمية المرأة وحقوقها وأولادها ” .

وأتساءل في هذا الموضع؟ هل يتزوج كل رجل امرأة فيعاشرها معاشرة زوجية ،وأن يختلف إلى الأخريات ـ مخادنة ـ لتعرفن في حياتهن الرجل دون بيت أو طفل أو أسرة اللهم إلا ما يوجد من سفاح يلحقهم العار والضياع،أو أن يتزوج الرجل أكثر من امرأة فيرفعها إلى شرف الزوجية ، وأمان البيت وخانة الأسرة ، وتأمين الطفولة ، ويرفع ضميره من لوثة الجريمة ، وقلق الإثم ، وعذاب الضمير ، ويرفع مجتمعه عن لوثة الفوضى ، واختلاط الأنساب وقذارة الفحش .

أي الحلول أليق بالإنسانية، وأحق بالرجولة وأكرم للمرأة ذاتها وأنفع ؟

فيأبى الله جل وعلا إلا أن يظهر آيات قدرته ودلائل رحمته حينا بعد حين ..

وإذا كان على المؤمن أن يخضع لحكم ربه ولو لم يدرك علة الحكم ، فإن غير المؤمنين يكتشفون في كل حين من أسرار التشريع الإلهي وحكمته ، ما يجعل المنصفين منهم ينحنون إجلالا للرب العظيم ..

والمثال الواضح هنا إباحة تعدد الزوجات .. ففي آخر الإحصاءات الرسمية لتعداد السكان بالولايات المتحدة الأمريكية تبين أن عدد الإناث يزيد على عدد الرجال بأكثر من ثمانية ملايين امرأة .. وفى بريطانيا تبلغ الزيادة خمسة ملايين امرأة، والطريف أن بعض الدول الغربية التي تعانى من المشكلة المزعجة ، وهى زيادة عدد النساء فيها على عدد الرجال ، اضطرت إلى الإقرار بمبدأ تعدد الزوجات ، لأنه الحل الوحيد أمامها لتفادى وقوع انفجار اجتماعي لا قبل لها بمواجهته ، أو علاج آثاره المدمرة .. حدث هذا في ذات الوقت الذي يرفع فيه بعض المسلمين – اسما فقط – راية الحرب على تعدد الزوجات وشرعيته !!

يحكى الدكتور محمد يوسف موسى ما حدث في مؤتمر الشباب العالمي الذي عقد عام 1948 ، بمدينة ميونخ الألمانية .. فقد وجهت الدعوة إلى الدكتور محمد يوسف وزميل مصري له للمشاركة في حلقة نقاشية داخل المؤتمر كانت مخصصة لبحث مشكلة زيادة عدد النساء أضعافا مضاعفة عن عدد الرجال بعد الحرب العالمية الثانية .. وناقشت الحلقة كل الحلول المطروحة من المشاركين الغربيين ، وانتهت إلى رفضها جميعا ، لأنها قاصرة عن معالجة واحتواء المشكلة العويصة . وهنا تقدم الدكتور محمد موسى وزميله الآخر بالحل الطبيعي الوحيد ، وهو ضرورة إباحة تعدد الزوجات ..

في البداية قوبل الرأي الإسلامي بالدهشة و النفور .. ولكن الدراسة المتأنية المنصفة العاقلة انتهت بالباحثين في المؤتمر إلى إقرار الحل الإسلامي للمشكلة ، لأنه لا حل آخر سواه .. وكانت النتيجة اعتباره توصية من توصيات المؤتمر الدولي ..

وبعد ذلك بعام واحد تناقلت الصحف ووكالات الأنباء مطالبة سكان مدينة (( بون )) العاصمة الألمانية الغربية بإدراج نص في الدستور الألماني يسمح بتعدد الزوجات!!

وهذه كاتبة إنجليزية ـ جريدة لندن تروت ـ تقول : إن قلبي يتقطع شفقة على بنات جنسي الشاردات ولا ينفعني حزني وألمي ولو شاركني فيه الناس جميعاً ، ولا فائدة إلا في العمل على منع هذه الحالة الرجسة إلا بالإباحة للرجل بأن يتزوج بأكثر من واحدة ، وبهذه الواسطة يزول البلاء لا محالة وتصبح بناتنا ربات بيوت ، فالبلاء كل البلاء في إجبار الرجل الأوروبي الاكتفاء بامرأة واحدة … “

وهكذا يتبين الحق ولو كره العلمانيون !!

والأخذ بنظام تعدد الزوجات جـنَّب المجتمعات الإسلامي شرورا ومصائب لا حصر لها .. وتكفى مقارنة بسيطة بين المجتمع السعودي مثلا – الذي تندر فيه الجرائم الخلقية مثل الاغتصاب والدعارة – وبين المجتمع الأمريكي الذي تكاد نسبة العشيقات فيه تزيد على نسبة الزوجات .. كما تبلغ نسبة الأطفال غير الشرعيين فيه أكثر من 45 % من نسبة المواليد سنويا !! وتقول الإحصاءات الرسمية الأمريكية إن عدد الأطفال غير الشرعيين كان 88 ألف مولود سنة 1938 ، ثم ارتفع إلى 202 ألف عام 1957 ، ووصل إلى ربع مليون مولود من الزنا عام 1958 .. ثم قفز الرقم إلى الملايين من ثمرات الزنا في التسعينيات !! والأرقام الحقيقية تكون عادة أضعاف الأرقام الرسمية التي تذكرها الحكومات .. وما خفي كان أعظم !!

وبالتالي فالمجتمع الذي يغلق في وجه المرأة ـ بدعوى التحرر وإعطاء الحقوق ـ أبواب العلاقات الشرعية فهو يزين لها طريق الرذيلة لكل شهوة هابطة ، ويستروح بها كل مستروح فأي حقوق هذه ؟ وأي كرامة يريدونها للمرأة .وصدق الله إذ يقول:

( مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ). ولكن لسان حال الغرب يقول :

(أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقفة الثانية:

(أرجت الحويدر ارتفاع نسبة الفتيات غير المتزوجات في المملكة إلى عدم اختلاط الرجال بالنساء!!).

(وأكدت الكاتبة أن الاختلاط “شرع الله في خلقه، وأن الله لو أراد للرجال والنساء أن يكونوا منفصلين لخلق للنساء كوكباً، وللرجال كوكباً آخراً”).

إني لأعجب أن من القضايا المعاصرة – التي أخذت زخما إعلاماً واسعاً,حتى بلغ السيل الزبى – قضية الاختلاط – وكأننا إذا اختلط رجالنا بنسائنا ستحل مشكلة العنوسة بين عشية وضحها !! إن العاقل ليقف متعجبا من مغالطة وتعسف(الحويدر) في انزعاجها من منع الاختلاط ولست أدري ما الرابط بين الزواج والاختلاط !! إلا لحاجة في نفسها وهذه الشنشنة نعرفها من أخزم.
ولنا أن نتساءل؟؟ لعلنا أن نجد جوابا مقنعا لدى أساطين الثقافة والفكر لماذا الدول العربية التي أقرت الاختلاط منذ عشرات السنين مازالت ترزح تحت وطأت العنوسة وهذا ما أقرت به بعض الدول العربية ففي إحصائيات أصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر تبيَّن وجود 9 ملايين عانس في مصر من الإناث، وكما تشير الإحصائيات أيضاً أن الجزائر من أعلى الدول تزايد عدد العانسات فيها ويكشف مؤشر الزواج في الأردن الذي أعلنته جمعية العفاف أن نحو 96 ألف فتاة أردنية تحت سن الثلاثين “لم تتزوج” حتى نهاية عام 2007، والظاهرة متفشية في الوطن العربي كله. ؟!
إن هذا التسطيح الفكري الذي يمارسه هؤلاء الكتٌاب نوع من الاستخفاف بعقول الناس ولا أظن أحدا يقرأ مثل تلك المقالات يشك في كذب كاتبها وضحالة ثقافته . ولا أدري لماذا يصرون على جرِّ المجتمع المسلم إلى الوحل الذي تمرغ فيه الغرب وبان له فساده !
أعتقد أن ما يسمون بالمثقفين العرب مصابون بحول فكري إذ لا يعجبهم من الحضارة الغربية إلا التفسخ والعري ونحر الفضيلة وطمس معالمها .

فقد يكون من المنطقي النظر في جدوى الاختلاط من عدمه , وذلك من خلال استعراض بعض الدراسات الميدانية أو الشهادات الواقعية لبعض الدول التي عاشت في بيئات مختلطة،فكما نرى يتجه العالم اليوم في تنفيذ العديد من الأفكار والخطط إلى إجراء التجارب والدراسات العلمية والاستفادة من نتائجها في تنفيذها. ولقد أثبت عدد من التجارب والدراسات العلمية العربية والغربية كما أكدت أقوال كثيرٍ من العلماء الآثار السلبية المترتبة على اختلاط الجنسين (الذكر والأنثى)، فقد ذكر العالم الأمريكي “جورج بالوشي” في كتاب الثورة الجنسية أن اختلاط الرجال بالنساء يثير في النفس الغريزة الجنسية بصورة تهدد كيان المجتمع.

وجاء في دراسة صدرت عن معهد المرأة في العاصمة الإسبانية مدريد أن أكثر من مليون امرأة عاملة تعرضن لنوع من أنواع التحرش الجنسي في عام 2005م، أي (15%) من مجموع عدد العاملات في إسبانيا.

أما بالنسبة لشهادات بعض من عايشوا الاختلاط , فقد جاء في مقالة للكاتبة الشهيرة ( اللادي كوك): بجريدة ( الايكوما) مانصه: ( إن الاختلاط يألفه الرجال، وقد طمعت المرأة فيه بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا…)

(علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بالكيد الكامن لهن بالمرصاد )

وفي ألمانيا أصبحت هناك نداءات متكررة من التربويين تنادي بفصل البنين عن البنات في مراحل التعليم المختلفة، لذا قام المسئولون في وزارة التربية والتعليم بفصل البنين عن البنات في عددٍ من المدارس!!

و من المؤكد أن مثل هذه الدراسات و القناعات التي توصل إليها الغربيين هي ما حدا ببعض مؤسسات المجتمع المدني و على رأسها مؤسسة (Single Sex Education ) إلى السعي إلى توعية المجتمع الأمريكي بخطر الاختلاط , وقد نجحت و بعد سجال دام ما يقارب 10 سنوات مع بعض المعارضين في إقناع الحكومة, فكان أن أصدر الرئيس جورج بوش في عام 2006 قانون يسمح بفتح مدارس حكومية غير مختلطة .
هذه تجارب لبعض دول الغرب ومعاناتها مع الاختلاط !!

ومن هنا أليس شريعتنا الإسلامية هي الشريعة الكاملة الشاملة لأحوال العباد كلها الاجتماعية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والسياسية وغير ذلك، لأنها منزلة من الله الحكيم العليم العالم بأحوال العباد وما يحتاجون إليه في أمور دينهم ودنياهم، ومما جاءت به تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها وسد المنافذ التي توصل إليها، ومن ذلك مفسدة اختلاط الرجال بالنساء.

كما أدعتِ الكاتبة بقولها (أن الاختلاط هو شرع الله)، سأقول لها أن صفوف النساء كانت في مؤخرة المسجد خلف صفوف الرجال، فالنساء كن يصلين مع بعضهن، ولم يكن يشاركن الرجال في الصف.. والرجال مع بعضهم، لا تجد رجلا داخلا في صفوف النساء، ولو كان الاختلاط مباحاً لكانت صفوف الصلاة أولى وأحسن مكان لذلك، حيث إن كل مصل إنما يأتي ليطلب المغفرة والرضوان، لا لأمر دنيوي..
فلما جرى الفصل بين الجنسين بهذه الطريقة، حتى في هذا المكان المقدس، الطاهر؟
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته صبر ولم يلتفت إلى الناس، والناس مثله، فإذا التفت إليهم كان ذلك إيذانا لهم بالانصراف، كان يفعل ذلك حتى ينصرف النساء أولا، ثم الرجال ثانيا، حتى لا يقع الاختلاط عند باب المسجد، وفي الطريق..
وكان للنساء يوم يأتيهن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعلمهن أمور دينهن، وله مع الرجال أيام يتعلمون فيها..
فلم لم يجمع الرجال والنساء، ليتلقوا جميعا؟؟؟

ولما رأى النساء يمشين في وسط الطريق قال عليه الصلاة والسلام:(ليس لكن أن تحققن الطريق، عليكن بحافته).. أي ليس للمرأة أن تسير وسط الطريق، بل تدعه للرجال.. وهذا منع صريح للاختلاط حتى في الطرقات..
والاختلاط معناه اجتماع المرأة والرجل في مكان واحد.. وهذا مناف لمعنى الحديث:
فكيف يجمع بين الفاتن والمفتون في مكان واحد؟

ويمكن للكاتبة وغيرها الرجوع إلى البيان الذي وجهه الملك عبدالعزيز – رحمه الله – من باب أن ” الدين النصيحة ” فقد وجه – رحمه الله – هذا البيان في عام (1356 هـ – 1937 م ) لتبيين رأيه في قضية ( تحرير المرأة والاختلاط ) التي كانت في أوجها في بعض الدول العربية.

أقول إن من يدعو إلى اختلاط الرجال بالنساء يبتعد عن كمال الشريعة التي جاءت بدرء المفاسد وتقليلها وسد المنافذ التي توصل إليها، كما يبتعد عن الاعتبار بما وصلت إليه الشعوب التي تبيح الاختلاط والتحرر في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة.

وبعد هذا رأينا وسمعنا أن الأمم الغربية بدأت تعمل على الفصل بين الجنسين في كليات كثيرة بلغت المائة في الولايات المتحدة الأمريكية، وبلغت أعدادا كثيرة في أوربا، عدا المدارس العامة..
وذلك الفصل جاء بعد وقوف كامل على المشاكل التي جنيت من وراء الاختلاط ، من:
زنا وشذوذ جنسي، لواط وسحاق، وأمراض، وانتهاك لمكانة المرأة، من قبل من لا ينظر إليها إلا نظر شهوة.
ومن العجب العجاب من يأتي بعد هذا من بني جلدتنا من يدعو إلى الاختلاط ويزين ذلك ويتساءل عن الحكمَ!؟، ويطلب الدليل؟!

وختاماً في هذه المسألة(الاختلاط) يعلم الجميع بأن الله تعالى قد حرم الزنا تحريماً شديداً فهل يعقل أن يبيح الاختلاط الذي هو أعظم الأسباب المؤدية إليه كما يشهد بذلك الواقع؟ هذا تناقض لا يمكن أن يقع في شرع الله.

وأنا أقول بصراحة ووضوح : من الذي نهى عن الاختلاط؟

الجواب:
الله جل شأنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوقفة الثالثة:

وأضافت الكاتبة وجيهة قولها “أن الواقع المرير التي تكابده النساء السعوديات هو أحدى الأسباب التي تجعلهن يتأخرن في الزواج، وأهم عامل لظاهرة “العنوسة” هو المحرم الجاثم على صدور النساء، فهو كابوس قاتل يعشنه مدى حياتهن لا يزيحه إلا الموت”.

أقول إن من القواعد الفقهية الجامعة أن “الشارع لا يأمرُ إلا بما مصلحتُه خالصةٌ أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدتُه خالصة أو راجحة”.
هذه قاعدة جليلة، شملت الأوامر والنواهي كلها، ولو تأمل المسلمُ والمسلمة هذه القاعدة المهمة لانشرَحَ صدرُه لقبول أوامر الله بثقة وطمأنينة، وبما أراده الله له من المصالح الخالصة أو الراجحة، ولعزفت نفسُه عما نهى الله عنه بيسر وسهولة، وبغير أن يجد في نفسه حرجاً أو مشقة، ويسلم لله تسليماً، ولأدرك عظمةَ هذا الدين، الذي يهتم بجلب المصالح لأبنائه، ودفع المفاسد عنهم.
والمؤمنُ الموحد هو الذي يطمئن قلبُه لما قضى الله، وتطيب نفسه لما شرع الله من الأوامر والنواهي، فالله عزيز حكيم، عليم خبير.
والعاقل من بني آدم لا تهفو نفسه إلا لما يصلحها، ولا يُسعِدُ قلبَه إلا ما ينفعُه، كما أنه يفر من المفاسد و المكاره فرارَه من الأسد.
ولعلي أحاول تطبيق هذه القاعدة على أمرٍ نهى عنه الشارعُ، لنرى أثرَ عدم الامتثال لهذا النهي، وما يترتب عليه من مفاسدَ خالصةٍ أو راجحة، وفي المقابل نجد الامتثالَ لهذا النهي يدرأ عنا مفاسد، ويدفع عنا أذى متحققًا.
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا تسافر امرأة فوق ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم”. رواه البخاري.
وعن أبي هريرة -رضى الله عنه- قال قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ)). رواه البخاري .
في هذين الحديثين نهي ظاهر عن سفر المرأة بغير محرم.
وقوله “لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر”؛ الخطاب فيه للمؤمنات،فالمؤمنة هي المقصودة بهذا النهي، وهي التي تنتفع بخطاب الشارع وتنقاد له.
وكما تقرر في القاعدة السالفة الذكر: أن الشارع لا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة.
فلو نظرنا إلى سفر المرأة بلا محرم، لوجدنا أن المفاسد فيه إما خالصة وإما راجحة، ولا يخلو منها البتة.
وحرصاً على عِرض المؤمنة، ودرءًا للمفاسد المتوقعة، وحفاظاً على عفة وطهارة المسلمة، وحماية لِحِماها أن يقترب منه من لا يحل له ذلك، جاء الشارع ليشرع لها السفر بمحرم، وينهاها عن السفر إلا مع محرم.
ولصيانة أعراض المسلمين من التلوث بالزنا عدّ الإسلامُ الرجلَ الذي يُفرِّط في عرضه أو يتهاون فيه ديوثاً، تحرم عليه الجنة.

إنني لأعجب أكبر العجب، ممن يدعي أنها ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة السعودية،وأنها تسعى لرقي لبلادها!! فما نوهنا عنه من الخطر الخلقي الحائق بغيرنا من الأمم، ثم لا ترعوي عن ذلك، وتتبارى في طغيانها، وتستمر في عمل كل أمر يخالف تقاليدنا وعاداتنا الإسلامية والعربية، ولا ترجع إلى تعاليم الدين الحنيف الذي جاءنا به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، رحمةً وهدى لنا ولسائر البشر.
وبعد استعراض هذه الأدلة , ومع استبعاد فرضية تأثر أصحابها بالفكر الصحوي المتهم باختراع لفظة المحرم و تشويه دلالاته , فإني أترك لك أخي القارئ الكريم الحكم بضرر المحرم من عدمه!! وكيف يكون المحرم هو الجاثم على صدور النساء، وهو الكابوس القاتل!!.

وإنني أتساءل: هل هذه القضايا(الاختلاط – المحرم- التعدد) التي نادت بها (الكاتبة) هي أهم قضية تحتاجها المرأة؟!!!
أين أنتِ عن ما يقع في بعض البيوت من عنف ضد الفتاة والمرأة؟
أين أنت عن قضايا الفقر الذي تعيشه بعض النساء، حيث تقوم بكل عمل بمكن أن تقوم به امرأة لتعيل أسرة هدها الفقر والعوز بلا عائل ومنفق، تبكي ليل نهار وتستحي أن تمد يدها وهي ابنة تلك العائلة أو هذه الأسرة؟!!
أين أنتِ من حقوق المطلقات والأرامل التي تضيع بين سيطرة بعض الأوصياء،
وظلمهم؟!!!

ثم لماذا لا تدرسون أحوال النساء في الدول العربية والخليجية، وترون كم الفارق بيننا وبينهم في سعادة المرأة وحريتها وضمان حقوقها، وقلة نسب الطلاق والمشكلات الزوجية، وحالات الإجهاض وغيرها بالنسبة إلى الدول الأخرى؟..
إيه أيها الكاتبة.. دعينا في حالنا، نحن مرتاحات في وضعنا الحالي، وسعيدات جداً!!
وثم من خولكِ بأن تكونيّ ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة السعودية؟ هل أخذتِ موافقة كل نساء المملكة ؟!! لتكونيّ الصوت الناطق لهن؟؟!
وأخيراً إن أردت إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كتبته أختكم/وفاء بنت ناصر العجمي