{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ }


{ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ }

سالم بن سعد الطويل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد أرسل الله رسوله بالهدى- وهو العلم النافع- ودين الحق والعمل الصالح وما قبض الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم حتى أكمل له ولأمته الدين، وأتم عليه النعمة وتركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
وما زال الناس يحدثون طرقاً مبتدعة وأساليب محدثة لا علاقة لها بالإسلام من قريب ولا بعيد زاعمين أنها نافعة ومؤثرة وقد تاب بسببها التائبون ورجع إلى الله كثير من الناس، حتى بلغ فيهم الأمر أن قالوا عن طرقهم المحدثة- بلسان المقال أو الحال- إنها أفضل وأنفع من أساليب الدعوة الشرعية!

»اتخاذ الضحك والسخرية وسيلة لدعوة الناس«
سئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان آل فوزان حفظه الله تعالى السؤال التالي:
»اتخذ بعض الدعاة الضحك طريقة ووسيلة لدعوة الناس للهداية والتوبة إلى الله من خلال المحاضرات والكلمات التي يلقونها ما حكم هذا في الدعوة إلى الله؟
الجواب: ما صار المزح والضحك في يوم من الأيام من الدعوة إلى الله! الدعوة إلى الله تكون بالكتاب والسنة وبالوعظ والتذكير أما المزح والضحك فهذا يميت القلوب ويصير الناس يضحكون ويمزحون ويأتون إلى هذا المكان لا من أجل الدعوة يأتون من أجل الترويح! وهذا لا يصلح أبداً وليست هذه بطريقة دعوة وإنما طريقة ترويح«.
وسئل حفظه الله تعالى السؤال التالي: »هل القيام بدعوة الناس إلى دين الله عن طريق تقليد أصوات النساء وحفظ أغاني المطربين والضحك والسخرية من لغات بعض الشعوب وتسجيل ذلك وجعله في أشرطة ونشره بين الناس هل هذه دعوة على منهج الكتاب والسنة؟ أرجو التوضيح في ذلك لأن هذا الأمر بدأ يجتمع في بعض الأوساط.
الجواب: هذه مهزلة ولا تنسب إلى الدعوة إلى الله عز وجل، الدعوة إلى الله جد وصدق من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ولا يدخل فيها الهزليات والضحك وتقليد أصوات النساء والتمثيليات كل هذا من الخزعبلات، ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا دعا الصحابة ولا من بعدهم بهذه الطرق المحدثة التي يسمونها وسائل دعوة« انتهى كلامه من كتاب الإجابات المهمة في المشاكل الملمة (1/139-140).
لقد أنزل الله تعالى كتابه ليكون { هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ } [لقمان: 3]، وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [يونس: 57]، وامر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجاهد بالقرآن فقال: { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } [الفرقان: 51]، وأمره أن يذكر بالقرآن تخويفا وموعظة فقال: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ } [ق: 45]، وبين حال المؤمنين عند سماع القرآن فقال:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } [الأنفال: 2].
فأين هؤلاء الدعاة من هذه الآيات؟ لماذا أعرضوا عنها واستبدلوا الذي أدنى بالذي هو خير؟ قال تعالى: { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } [العنكبوت: 51]«.

»الكذب ليس من وسائل الدعوة بل هو مما يسقط عدالة الرجل«
من المؤسف جدا أن بعض الدعاة يستعمل الكذب وسيلة من وسائل الدعوة!
وقد لبس عليهم إبليس فأخذوا يكذبون في سرد قصص ووقائع لا حقيقة لها فنجدهم يزعمون أن كثيرا من الناس قد تابوا على أيديهم وأنهم سافروا ودعوا الناس وحقق الله على أيديهم من الكرامات والهدايات ما لا يحصيه إلا الله تعالى! وهذا إما كذب صريح أو مبالغة قبيحة وأسوأ من ذلك إذا كان رياء وسمعة بل ومن العجائب قول بعضهم إنما نكذب على الناس لنصلح بينهم وبين خالقهم فإذا كان الكذب بين الاثنين للإصلاح جائز فمن باب أولى جواز الكذب للإصلاح بين الخالق والمخلوق!
وفاتهم بأن هذا الأسلوب لو كان مشروعا لفعله النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الحقيقة أن أحدهم يكذب ويكذب حتى والعياذ بالله يكتب عند الله كذابا، والكذاب ساقط العدالة لا يؤخذ كلامه وليس أهلا لأن يكون داعياً إلى الله تعالى.
»ساقط المروءة لا يصلح أن يكون داعياً إلى الله تعالى«
الدعوة إلى الله تعالى من أجل وأعظم وأفضل الأعمال الصالحة قال تعالى: { وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت: 33]، والجواب لا أحد أحسن ممن يدعو إلى الله تعالى! بل الدعوة إلى الله من مهمة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ومهمة اتباع الرسل غير أنها- أي الدعوة إلى الله- لا يصلح أن يقوم بها من لا مروءة له من أمثال أولئك الذين تواتر عنهم تقليد أصوات النساء وذكر أسماء المغنيات والممثلات الساقطات، بل وبعضهم يذكر شيئا من أغانيهن وما استجد منها ولسان حاله يدل على متابعة كل جديد وربما زعم أن هذا من »فقه الواقع«.
»توبة هشة مزيفة سرعان ما تذهب وتضمحل«
وقد يقول قائل إن هؤلاء قد تاب على أيديهم كثير من الناس فلماذا نهاجمهم؟ فأقول وبالله أستعين:
أولا: إن الأسلوب الشرعي والوسائل المشروعة فيها الكفاية وهي أفضل وأولى من الوسائل المحدثة.
ثانياً: قد تاب واستقام من الخلق بالوسائل الشرعية أضعاف أضعاف من تاب بالوسائل المحدثة.
ثالثا: أن الوسائل المحدثة منها ما هي حرام لا يجوز استعمالها واتخاذها أسلوبا للدعوة كالكذب والسخرية والاستهزاء وتقليد أصوات النساء والحيوانات وغير ذلك.
رابعا: أن الكثرة ليست عبرة وليست دليلاً على استقامة تلك الأساليب.
خامساً: أن الأساليب المحدثة تزهد الناس بالأساليب المشروعة وتنفر منها.
سادسا: أن الذين يتوبون بهذه الأساليب عادة ما تكون توبتهم هشة ضعيفة وسرعان ما ينتكسون.
»أنت أولى بالتوبة النصوح«
لقد أسرف بعضهم على نفسه وأخذ ينتقد العلماء وطلبة العلم الدعاة إلى الله تعالى بل بلغ فيه الأمر أن يستهزأ بهم ويصفهم بالشدة والتزمت وتحريم ما أحل الله تعالى! ولعله يفعل ذلك تقرباً وتزلفاً إلى الجمهور الكريم وحتى يكون أقرب إلى نفوسهم فأقول: يا من تدعو الناس إلى التوبة أنت أولى بالتوبة النصوح فاتق الله واستقم واقلع عن هذه الأساليب الهزلية المحدثة.
والله أسأل أن يوفق جميع المسلمين إلى الخير والصلاح ومزيد من التوفيق والسداد والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

www.saltaweel.com

تاريخ النشر 30/03/2009


شارك المحتوى: