داعية يسخر بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم


داعية يسخر بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم

نبتت نابتةٌ بيننا تحكّم عقلها القاصر على السُنّة، وتظنّ أنّ ما انقدح في أذهانها هو الميزان الحقّ الذي يجب الرجوع إليه، ووزن الأحاديث بناءً على معاييره، فتقبل ما تظنّهُ منسجماً مع أهوائها وأغراضها، وتردُّ ما لم يتّفق مع مطالبها ومصالحها، وبعضهم لا يواري ولا يداجي في التّصريح بشيء من ذلك.

وقد سمعت بعض المدّعين الانتساب للعلم الشرعي إذا حُدّث بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ” تسمع وتُطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك “.

أكمله ضاحكا: وإن اغتصب عرضك !!

كثير منهم لا يعبأ بالأحاديث الصحيحة ولا يرفع بها رأساً، وإن وجدتّه أقرّ بثبوتها، فهو يتأولها ويصرفها عن مقتضياتها.

ومنهم من يطعن في ما يسميه بالجامية تنفيرا منها وتشويها لعلمائها، ويدّعي أن هذا هو فهمها للدين في هذه المسائل العظام، والذي أُنتجَ في مصانع الذلّة والمهانة، وطُبخ على نار السّكوت عن قولة الحقّ !

ومنهم من يكذّب الأحاديث صراحة، زاعما أنّ الإيمان بها والتسليم بمعانيها فيه تشريع للاستبداد وتسويغ للظلم.

لذلك يجب على السلفيين أن يُظهروا منهج السلف الصالح في هذه المسائل، وأن يعلنوا في جميع المحافل عنه، وأن يبينوا للنّاس أنّ هذه عقيدةٌ نعتقدها ودين ندين الله به، فلن نتراجع عنه ولن نسكت عن الانحراف الواقع فيه.

فالمواجهة مع هؤلاء تتمّ على ثلاث جبهات:

1- إثبات صحّة هذه الأحاديث، وذلك يتمّ بجمع طرقها وتتبع أسانيدها، ونقل أحكام الأئمة المعتبرين عليها، وأنّ منهج المحدثين وحدهُ هو الحاكم على رُتب الأحاديث، المبيّن لصحيحها من ضعيفها.

2- إيضاح المقصود بهذه الأحاديث، وتبيين دلالاتها، حتى نقطع الطريق على المتأولين لها والمحرفين لمعانيها والمتلاعبين بمقاصدها.

3- إثبات أنّ الشيخ الجامي رحمه الله وبقية المشايخ السلفيين ليسوا نابتة، ولم يأتوا بأمر مُحدث، ولم يقولوا بهذا القول تبعاً لظروفهم ومصالحهم واستبقاء لمعايشهم، بل هم كانوا على الحقّ قائمين به، وأنّ ما كانوا عليه من منهج سديد ليس فيه شيء من التسويغ للباطل أو المداهنة له.

بل هم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعون إلى الخير ويسعون إلى الإصلاح ومحاربة الفساد وفق ما أذنت به الشريعة، لكنّهم يعلمون علم اليقين أنّ في إثارة الناس وتهييجهم على ولاة أمرهم، فساد لدين الناس وخراب لدنياهم، وتمزيق لألفتهم، وتشتيت لجماعتهم.

فالله الله بفهم منهج السلف الصالح على حقيقته في باب الإمامة بعيدا عن تخرصات المتخرصين وتشويهات المشوهين، فإنَ في الاعتصام بما جاء في الكتاب والسنة في هذا الباب العظيم وفي أبواب الدين كلها، قيامٌ لدين الناس وصلاح لأمر دنياهم.

وما أعرض قوم عن السمع والطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم ولمن ولاه الله أمرهم إلا جعل الله بأسهم بينهم، وصوّب بعضهم حرابهم ونشاشيبهم في صدور بعض، فاستنزفوا في تلك الحروب العبثية والمواجهات الدموية طاقاتهم، وأهدروا مواردهم، ونهبوا خيراتهم، وضيّعوا الأمن الذي كان يخيّم في ربوعهم، فاستبدلوه بخوف وجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وإذا أراد الله بقوم سوءا على أيدي سفهاء الأحلام فيهم، فلن يقدر أحد على ردّه أو مدافعته إلا أن يأذن الله وحده.

كتبه محمد بن علي الجوني