الموقع تحت التجربة ، نستقبل ملاحظاتكم واقتراحاتكم عبر اتصل بنا


حديث يتشبث به جهلة الخوارج في هذا الزمان


حديث يتشبث به جهلة الخوارج في هذا الزمان

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على نبينا وآله وصحبه وبعد:

فإن جهلة الخوارج والتكفيريين وأنصارهم من الجماعات الحزبية الحركية في هذا العصر، ليستدلون بأحاديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لينصروا بها مذهبهم الفاسد، الذي مآله العملي إلى استباحة دماء المسلمين، وهتك أعراضهم، ونهب أمواله والعياذ بالله، وهذه الأحاديث إما أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يصح الاستدلال بها، وإما أحاديث صحيحة لكنها غير صريحة الدلالة على مذهبم البتة، ومن ذلك ما قاله الإمام الألباني – رحمه الله – كما في الصحيحة (٧/٢١) تحت حديث (3007) :

((ثم وقفت على حديث يخالف ظاهره حديث عوف بن مالك الناهي عن منابذة الأئمة والحكام بالسيف، فرأيت أن أبين حاله خشيت أن يتشبث به بعض الجهلة من خوارج هذا الزمان، أو ممن لا علم عنده بهذا العلم الشريف وفقه الحديث، ألا وهو ما أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير” (٤٠-١١/٣٩) من طريق الهياج بن بسطام عن ليث عن طاووس عن ابن عباس مرفوعاً بلفظ:

(سيكون أمراء، تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سلم، ومن خالطهم هلك).

وهذا اسناد ضعيف بمرة، ليث – وهو ابن أبي سليم – ضعيف مختلط، والهياج ابن بسطام – وهو الخراساني – متفق على ضعفه، بل اتهمه ابن حبان، فقال: (يروي الموضوعات عن الثقات). وبه أعله الهيثمي (٢٢٨/٥).

أقول [الألباني] : وهذا الحديث قد عزاه السيوطي لابن أبي شيبة أيضا، يعني في “المصنف” ولم أره فيه بعد البحث الشديد، فإن صح إسناده عنده أو غيره كان لا بد من تأويل قوله: (نابذهم) أي: بالقول والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بالسيف؛ توفيقا بينه وبين حديث عوف كما تقتضية الأصول العلمية والقواعد الشرعية، وإن لم يصح نبذناه لشدة ضعف إسناده، والله سبحانه وتعالى أعلم)). انتهى كلام الإمام الألباني.

ولمزيد معرفة لحال ليث بن أبي سليم والهياج بن بسطام الحنظلي الخراساني، انظر تهذيب التهذيب لابن حجر.

قال المناوي في “فيض القدير” عند شرح هذا الحديث: ((ظاهر صنيع المصنف [السيوطي] أنه لم يخرجه من الستة أحد، وإلا لما عدل عنه، وهو ذهول عجيب، فقد خرجه مسلم من حديث “أبي” سلمة)). اهـ

قلت: هكذا كُتبت (أبي) في المطبوع من فيض القدير، وأظنه تصحيف لـ (أم) أو خطأ من المناوي – رحمه الله – فإن الحديث الذي في مسلم المقارب للفظ حديث ابن عباس: هو من رواية أم سلمة، ولم أجد في مسلم حديثاً لأبي سلمة مقارباً في لفظه أو معناه لحديث ابن عباس – رضي الله عنهما – .

ثم إن هذا ليس ذهولاً من السيوطي – رحم الله الجميع – ؛ لأن الحديث الذي رواه مسلم من طريق أم سلمة، وفيه: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قاللا ما صلوا). [١٨٥٤] ، يختلف عن الحديث الذي رواه الطبراني وابن أبي شيبة عن ابن عباس، وقد ذكر السيوطي كلا الحديثين في الجامع، فالحديثان مختلفان، فحديث ابن عباس يختلف عن حديث أم سلمة روايةً ودرايةً، ولا يصلح أن يكون أحد الحديثين شاهداً للآخر، ولأن حديث أم سلمة فيه الكف عن المقاتلة والمنابذة، وحديث ابن عباس فيه الدعوة لذلك.

قال المناوي في شرح حديث أم سلمة – رضي الله عنها – وهو في صحيح الجامع (٣٦١٨) : ((وفيه حرمة الخروج على الخلفاء بمجرد ظلم أو فسق، ما لم يغيروا شيئا من قواعد الدين)). اهـ

وأما حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – فصريح في المنابذة، ومع ذلك فقد تأوله المناوي كما تأوله الألباني في حال ثبوته من جهة سنده، فقال في معنى (فمن نابذهم) : ((يعني من أنكر بلسانه ما لا يوافق الشرع)). اهـ

لهذا ضعف الشيخ الألباني هذا الحديث لضعف سنده، ولمعارضته لحديث عوف بن مالك الذي هو أصح منه سنداً وأصرح دلالة، وأيضاً لاحتمال معناه لمعنى باطل قد يتشبث به من أشرب قلبه محبة الشبهات وترك المحكم من دين الله، كما قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذي في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}. قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه: فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم) متفق عليه.

وأما حديث عوف بن مالك – رضي الله عنه – الذي عناه الشيخ الألباني، فهو قوله – صلى الله عليه وسلم – : (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم. قلنا: يا رسول الله؛ أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة). رواه مسلم (١٨٥٥) ، فهو حديث محكم لا مطعن فيه بوجه من الوجوه، وهو مع حديث أم سلمة السابق يصبان في معنى واحد، ويؤكدان لأصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة الثابتة في النهي عن منابذة الولاة والسمع لهم والطاعة ما داموا مقيمين للصلاة فينا.

وقد جاءت أحاديث المصطفى متظافرة بهذا المعنى وآثار سلف هذه الأمة ومن ذلك:

عن العرباض بن سارية – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: (أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً…) الحديث. رواه أحمد وأبو داود وغيرهم.

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات؛ مات ميتة جاهلية) رواه مسلم.

وهذا أمر عظيم، زلت به الأقدام، وانحرفت فيه بعض الأفهام، وما ذاك إلا أنهم لم يعلموا أو علموا وأعرضوا: أن مسألة السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين من مسائل المعتقد العظيمة، التي ما أغفلها سلف الأمة، وسطرها العلماء قديماً وحديثاً في كتب العقائد الكثيرة، وبينوا انحراف من زاغ عنها، ومن ذلك:

قال البربهاري: ((ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين؛ فهو خارجي، وقد شق عصا المسلمين، وخالف الآثار، وميتته ميتة جاهلية، ولا يحل قتال السلطان والخروج عليه وإن جاروا)). السنة (ص٧٠).

وقال ابن بطة: ((ولا تخرج بالسيف على الأئمة وإن ظلموا، وقال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – : “وإن ظلمك فاصبر وإن حرمك فاصبر”)). الإبانة (ص٣٠٥).

وقال الآجري: ((باب في السمع والطاعة لمن ولي أمر المسلمين والصبر عليهم وإن جاروا وترك الخروج عليهم ما أقاموا الصلاة)). الشريعة (1/219) ثم ساق جملة من الأحاديث والآثار في ذلك.

وقال الطحاوي: ((ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعوا عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعوا لهم بالصلاح والمعافاة)). شرح الطحاوية (ص٣٧٩).

وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب: ((وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين، برهم وفاجرهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه، حتى صار خليفة؛ وجبت طاعته وحرم الخروج عليه)).

قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله – معلقاً: ((من أصول العقيدة: السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، عملاً بقوله تعالى: {{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}، بعد أن أمر بطاعته وطاعة رسوله أمر بطاعة ولاة الأمور من المسلمين. وقوله {منكم} يعني من المسلمين، أما إذا لم يكن مسلماً فلا طاعة له، فيشترط فيه أن يكون مسلماً، وعندئذ تكون طاعته واجبة، والخروج عليه معصية محرمة، هذا أصل من أصول الإسلام، وبه تجتمع كلمة المسلمين، وتقوى شوكتهم)). شرح عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب (ص١٢٧).

وبهذا يتبين لكل ذي لب سليم، وعقل مستقيم، أن مسألة السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وليست مرتعاً يلعب به جهلة الخوارج في هذا العصر وأضرابهم!!!

وأخيراً:

فإن حديث ابن عباس عند ابن أبي شيبة الذي أشار إليه السيوطي في الجامع ولم يجده الشيخ الألباني – رحمه الله – هو في “المصنف”، كتاب الفتن – ما ذكر في عثمان، برقم (٣٧٧٣٢).

وهو أيضاً من طريق الهياج بن بسطام الحنظلي، قال: حدثنا ليث بن أبي سليم… إلى آخر الحديث، إلا أن فيه (ناوأهم) بدل (نابذهم) فالكلام عليه كالكلام على سابقه.

ثم إن حديث ابن عباس وضع في صحيح الجامع برقم (٣٦٦١) ورمز له الشيخ الألباني بـ (صحيح)، وحقه أن يكون في ضعيف الجامع، فلعل الشيخ – رحمه الله – قد تراجع عن تصحيحه كما في السلسلة الصحيحة (7/21) أو لأسباب أخر.

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.

كتبه: بندر بن محمد الميموني.