جناية اتّباع الهوى على حقائق الشريعة


 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله الطيبين ورضي الله عن صحابته أجمعين.

أما بعد

يجب أن يكون النّاظر في أقاويل العلماء ومصنفاتهم، مُخلصا لله وحدهُ في طلبهِ للحقّ، صادقا في اتّباعه، مُعظّما للشريعة، مُسلّما لأحكامها، مُتقصّدا براءة ذمّته، وفِكاك رقبتهِ عند ربّه، وإلا كانت سعةُ اطلاعه، وجودةُ فهمه، وتفنّنهِ، وبالا عليه.

ففي باب العلم لتقريب المعنى المقصود، من نظر في متنٍ لإمام مُعتبر في منظومته الفكرية، فعندهُ أصلٌ، وهو أنّ كلّ ما يقولهُ صاحبُ هذا المتن حقّ، وإنْ كان منحرفا عن السبيل، مجانبا للدليل.

وذلك بطرق التأويل والتوجيه والمجاز والاستعارة والتشبيه والكناية، والعام بأنواعه والخاص والمطلق والمقيّد والمنطوق والمفهوم والنص والظاهر والمؤول والمحكم والمتشابه والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة وأنواع الدلالات كالمطابقة والتضمن واللازم وغيرها من أدوات علم الأصول والمعاني والبديع والبيان.

ولو تناقض كلامُ مُعظّمهِ، وتهافتت أفكارهُ، فهو قادرٌ على الاستدلال على معقوليتها وسلامتها من العطب والتعقّب، بما أوتيهُ من أدوات معرفيّة، ووسائل تأويلية، بله حتى أخطاء متبوعه يستطيع جعلها بشيء من التأويل من دلائل فهمه، ورسوخهِ، وتضلُعهِ في دقائق العلم، لكن الناس لقصرِ نظرهم، ومحدوديّة فكرهم، وعدم معرفتهم باللسان العربي وإحاطتهم به، وعدم استيعابهم لمقاصد الأئمة والنُظّار، أساءوا فهمه.

ويستطيع التنقُّل بين مدرستي النحاة البصرية والكوفية لتوجيه كلامه، والاستفادة من لغات العرب كهذيل وقريش وكنانة وقيس وأسد، والنظر في كلام السيرافي والرماني والزجاج والجرجاني والزمخشري لتسويغه، وكذلك القراءات وتنوعها، والنظر في جياد الآثار وضعافها وهي بعشرات الآلاف في المصنفات والمسانيد والأجزاء الحديثية، غير الشواهد الشعرية التي تزخر بها الخزانة الأدبية والمكتبة العربية، والاعتبار بعلوم المنطق على تنوّع مدارسها وتباين نتائجها، حتى يحمل كلامهُ على معنى حسن مقبول.

وعلى العكس من ذلك، إذا كان صاحب المتن أو القول الذي أراد النظر في كلامه، مخالفا ..!

لذلك عدّ العلماء وعلى رأسهم شيخ الإسلام رحمه الله في كشف تلبيس الجهمية وفي الدرء والمنهاج وتلميذه ابن القيم رحمه الله في الصواعق المرسلة وإعلام الموقعين، اتّباع الهوى وتقديم العقل على النقل، وصنعة التأويل والمجاز على هذه الصورة، أصناما وأوثانا، لا قيام للشريعة، ولا ظهور لحقائقها، ولا وضوح لمطالبها إلا بكسرها وتحطيمها، لكثرةِ جنايتها وعظيم تحريفها لدين الناس، وإفسادها لعقولهم وفهومهم وتصوراتهم وحواسهم وفِطرهم السليمة المركوزة في نفوسهم.

كتبه محمد بن علي الجوني