جارك قبل مماتك


جارك قبل مماتك

بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهديه الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} ,

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }

أما بعد…

فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هدي رسول الله وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة.

إن مما دلت عليه الشريعة الإسلامية والفطر السليمة أن للجار حقًا على جاره، وقد كان المسلمون ذا عناية بالجار ، ويعتني الجار بجاره، ويأمن الجار جاره حتى ضعف الدين عند بعض المسلمين، وتأثروا بالحضارات الدخيلة التي تربي على حب الذات- والذي يسمى بالأنانية- حتى صار الجار لا يعرف جاره، يسكن جاران في حي واحد أحدهما ملصق بجدار جاره وبعضهم لا يعرف حتى اسم جاره ، فضلا عن أن يزوره أو أن يتفقد أحواله .

إن هذه الحال مع الجار المخالفة للشريعة، والمخالفة للفطر السليمة، والمخالفة لما كان عليه الآباء والأجداد الذين كانوا أهل فطر سليمة وتمسك بالدين.

إن هذه الحال تؤلم المسلم لمخالفته للشرع والفطر السوية.

إن الله قد ذكر في كتابه ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم أدلة عظيمة تدل على عظيم قدر الجار وعظيم منزلته.

قال سبحانه في آية الحقوق {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ }

خرج ابن جرير عن عبد الله ابن عباس أنه قال: إن المراد ب (الجار ذي القربي) أي: الذي له قرابة ، وب(الجار الجنب) أي: الجار الذي ليس بينك وبينه قرابة .

فحثت الشريعة على الجيران كلهم، لكن الجار الذي له قرابة له حقان: حق الجيرة، وحق القرابة .

وقد أخرج الشيخان من حديث عائشة وعبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه “

تأملوا هذا الحديث ، وتأملوا عظيم حثه على حق الجار .

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :” والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ” قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: “الذي لا يأمن جاره بوائقه ” أي: شروره وظلمه وأذيته .

وفي لفظ مسلم :” لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه “

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره”

وأخرج مسلم من حديث أبي شريح الخزاعي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره “

هذه الأحاديث وغيرها كثير عظيمة في بيان حق الجار، والسبب في ذلك أنه إذا تجاور المسلمون، فإنهم محتاجون إلى أن ينفع بعضهم بعضًا، وأن يكف كل واحد منهم أذيته عن جاره ،

فلذلك تكاثرت الأحاديث في بيان حقيقة الجار.

قارنوا هذه الأحاديث العظيمة مع حال المسلمين اليوم؛

كم بين بعض الجيران من خصومة لأجل توافه الدنيا، بل لأجل صبيانهم وأولادهم.

كم بين بعض الجيران من خصومة وخلاف متناسين هذه الأحاديث العظيمة المذكرة بعظيم قدر الجار .

اللهم اعنا على القيام بحقه، اللهم اجعلنا ممن يأمن جارنا بوائقنا، اللهم اجعلنا ممن يكرم جاره ويحسن إليه

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:

أخرج الإمام أحمد والبخاري في الأدب المفرد -وصححه العلامة الألباني- عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إن فلانة تقوم الليل، وتصوم النهار، وتفعل، وتصدق، وتؤذي جيرانها بلسانها؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا خير فيها هي من أهل النار” .

وهذا يدل دلالة واضحة على عظيم حق الجار، فقد كان سلفنا وأهل الخير والشهامة يتعاهدون جيرانهم بالإكرام، وبالهدايا والإحسان حتى أخرج البخاري عن عائشة – رضي الله عنها- أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: “إلى أقربهما منك بابا”

وأخرج مسلم عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك “

إخواني تأملوا هذه الأحاديث، ثم انظروا إلى حالنا مع جيرانا، من منا يتعاهد جاره في حاجاته الدنيوية،

من منا بينه وبين جاره ألفة ومحبة بحيث إذا احتاج إلى إعانة بأي أنواع الإعانة أول ما يتبادر إلى ذهن الجار جاره الشهام الذي عرف حق الجار .

من منا من يقوم بهذه المعاني العظيمة، بل صار من المسلمين من يتعزز عن جاره، ولا يعرف حتى أقل الأمور المتعلقة بالجار.

وإن من أعظم الواجبات مع الجار أن يتعاهده في الأمور الدينية:

إذا كان الجار مقصرًا في الصلاة فليتعاهده بالزيارة، والنصيحة، وبالكلمة الطيبة .

وإذا كان الجار مبتلى بالمخدرات، والمسكرات فليتعاهده بالنصيحة الطيبة، فإنه أحق المسلمين بالنصيحة .

أخرج مسلم من حديث أبي رقية عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: “لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم”

وأولى من يدخل في هذا من عامة المسلمين هو الجار.

اللهم يا من إله إلا أنت يا حي يا قيوم أعنا على القيام بحقوقك ..