تعقيب على دعوة جاهلية تتضمن الدعوة للخرافة وإحياء مبادئ الشرك وأسبابه


بسم الله الرحمن الرحيم

تعقيب على دعوة جاهلية تتضمن الدعوة للخرافة وإحياء مبادئ الشرك وأسبابه

السلام عليكم ورحمة الله أما بعد فقد اطلعت على ما نشرته جريدة الرياض يوم الثلاثاء10 / 3 / 1434 هـ بالعدد 16283 في الصفحة الأخيرة بعنوان (ثقافة حائل تعتذر من حاتم الطائي) واستغربت من صدور هذا الأمر في بلاد التوحيد والعلم والسنة لأن الخبر تضمن أنه تم توجيه اعتذار لحاتم الطائي بسبب عدم الاهتمام بتسمية بعض الطرق والأماكن باسمه وعدم الاهتمام بقصره وبقبره ونص الخبر تضمن الآتي :(وجهت مسرحية “ثالث الجبلين” اعتذاراً لحاتم الطائي بسبب عدم تسمية بعض الأماكن والطرق في حائل باسمه وكذلك عدم الاهتمام بالموقع الخاص بقصره وقبره في توارن ).

وأذكر إخواني بأن هذه الدعوة بالاهتمام بقبر حاتم الطائي أو غيره من القبور دعوة في غير محلها ، وأنها دعوة جاهلية ، وأنه لا يجوز لمسلم أن يجعل الاهتمام بقبور المشركين من دعوته وطريقته فيخالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويقع في مشابهة المشركين من أهل الكتاب وغيرهم، بل إن هذه الدعوة تكون عاقبتها اتخاذ قبر حاتم الطائي عيدا للشرك والخرافة وأكل أموال الناس بالباطل ، وأسوق لذلك الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع علماء الأمة: قال الله تعالى : قال الله عزّ وجل عن قوم نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالاً} فتعظيم القبور من أعظم أسباب الشرك، وهو ذريعة وطريق موصلة إلى تعظيم المقبورين من دون الله فيمن كان قبلنا ، قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان هؤلاء قوماً صالحين في قوم نوح لما ماتوا عكفوا على قبورهم، فطال عليهم الأمد، فصوروا تماثيلهم ثم عبدوهم) ، وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) رواه أبو داود بسند صحيح ،وعن عائشة رضي الله عنها: لَمَّا كانَ مَرَضُ رسولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَذَاكَرَ بعضُ نسائِهِ كنيسةً بأرضِ الحَبَشَةِ يقال لها مَارِيَةُ، وقد كانتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيْبَةَ رضي الله عنهما قد أَتَتَا أرضَ الحَبَشَةِ فَذَكَرْنَ من حُسْنِهَا وتصاوِيْرِهَا قالتْ: فقالَ النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيْهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولِئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللهِ».

قال القرطبي -رحمه الله-: قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ويعبدون الله عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم إنهم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجدادكم كانوا يعبدون هذه الصورة فعبدوها، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك،وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسد الذرائع المؤدية إلى ذلك فقال: (اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد) وقال: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد).وروى مسلم عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه…)تفسير القرطبي (2/58)،وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد كان أصل عبادة الأوثان من تعظيم القبور)مجموع الفتاوى (27/124) وقال أيضا : (والشرك في بني آدم أكثره عن أصلين أولهما تعظيم قبور الصالحين وتصوير تماثيلهم للتبرك بها وهذا اول الاسباب التي بها ابتدع الادميون الشرك وهو شرك قوم نوح) من كتاب الرد على المنطقيين ص285.

فإذا كان تعظيم قبور الأنبياء أو الصالحين من المسلمين من أسباب الشرك فكيف بتعظيم قبور المشركين! بل هي أشد إثما وأعظم تشبها بالكفار ،وقد أمرنا بمخالفة أهل الكتاب والمشركين أصحاب الجحيم ، ولقد جاءت شريعة الإسلام بالاهتمام بعمارة المساجد لا بناء المشاهد على القبور ولا الاهتمام بقبور المشركين، وقد قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ }ولم يقل عند كل مشهد.

وقال تعالى: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ }ولم يقل: إنما يعمر مشاهد القبور.

وما وجد في زمن الصحابة في البلاد المفتوحة من المشاهد أو القبور المشرفة فإنهم يزيلونها ويسوونها في الحال من غير تأخير كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بذلك ففي صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ، وهكذا فعل الصحابة لما فتحوا تستر قال أبو العالية:( لما فتحنا تستر [سنة: 17ه]. وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف… قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما كان تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:( ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله)، وقال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب (وأما تسوية القبور، فلما في تعليتها من الفتنة بأربابها وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله، فصرف الهمم إلى هذا وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحذور، وعظمت الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطا لرحال العابدين المعظمين لها، فصرفوا لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة والاستغاثة، والتضرع لها، والذبح لها، والنذور، وغير ذلك من كل شرك محرم محظور)،قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا)تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد

وقال ابن تيمية رحمه الله : (اليهود والنصارى هم السابقون فى تعظيم القبور والمشاهد ولهذا قال فى الحديث المتفق عليه ( لعن الله اليهود والنصارى إتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا) ، والنصارى أشد غلوا فى ذلك من اليهود كما فى الصحيحين عن عائشة ( أن النبى ذكرت له أم حبيبة وأم سلمة رضى الله عنهما كنيسة بأرض الحبشة وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فقال إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) والنصارى كثيرا ما يعظمون آثار القديسين منهم فلا يستبعد أنهم ألقوا إلى بعض جهال المسلمين أن هذا قبر بعض من يعظمه المسلمون ليوافقوهم على تعظيمه …) مجموع الفتاوى (27 / 460)

فالخلاصة أن تعظيم القبور أكبر سبب في حدوث الشرك في العالم، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك)، وكذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)

ولما كانت القبور مظنة الفتنة حرص عليه الصلاة والسلام على أن لا يكون هناك ما يدعو إلى ذلك، فنهى عليه الصلاة والسلام من أن ترفع القبور، وأن يبنى عليها، وأن تجصص، وأن يكتب عليها، وأن تسرج -يعني: تنور-؛ لأن هذه الأشياء تدفع الجهال إلى الاعتقاد فيها، فإذا رأوا هذا القبر على هذه الحال قالوا: هذا قبر ولي، أوهذا قبر سيد، أو هذا ممن يتبرك به، أو هذا ممن يرجى تأثيره ونفعه، أو نحو ذلك من الاعتقادات التي تنشأ شيئا فشيئا ًفيقصدونه ويغلون فيه فيحصل الشرك، فنبينا عليه الصلاة والسلام حسم مادة الشرك، ومنع من الوسائل التي توقع فيه، وأمره بتسوية القبور، أي: بتخفيض القبر المشرف الذي قد رفع على ما سواه من القبور حتى يسوى بغيره من القبور مخافة أن يعتقد فيه، فهذا دليل على أنه عليه الصلاة والسلام قد حرص كل الحرص على أن تكون أمته متمسكة بتوحيد الله تعالى.

فأنصح إخواني في حائل وفي غيرها من بلدان المسلمين – عمرها الله بالتوحيد والسنة – بالحذر من مبادئ الشرك وأسبابه والبعد عنها وألا يتهموا بقبور الجاهليين ولا غيرهم ولا يتخذوها عيدا ولا مزارا ولا موضعا للتعظيم حفاظا على عقيدة الإسلام والتوحيد.

وفق الله الجميع لكل خير وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه : د.فهد بن سليمان بن إبراهيم الفهيد

الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض

11/3/1434هـ