المصافحة في زمن الجائحة


بسم الله الرحمن الرحيم
المصافحة في زمن الجائحة
الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وبعد:
فمما شرع للمسلمين عند التقائهم: السلام بالقول والمصافحة بالفعل.
وسيكون الحديث مقتصراً على المصافحة؛ لأهميتها ومناسبة الحال.
ومعنى المصافحة: أن يقبض المسلم بيمينه على يمين أخيه.
وعرفها ابن الأثير في النهاية بقوله: ((إلصاق صفحة الكف بالكف، وإقبال الوجه على الوجه)).
🟩 ومما ورد فيها من أحاديث ثابتة:
🔹 عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لما جاء أهل اليمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد أقبل أهل اليمن، وهم أرقُّ قلوبًا منكم))، قال أنس: فهم أول من جاء بالمصافحة؛ [رواه أحمد في مسنده رقم 13212].
🔹 وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلمَينِ يلتقيان فيتصافحان، إلا غفَر لهما قبل أن يفترَّقا))؛ [رواه أبو داود في سننه برقم4343 ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود].
🔹 وعن قتادة رحمه الله قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله عنه: أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «نعم»[رواه البخاري في صحيحه برقم 6263].
🟩 حكم المصافحة:
المصافحة سنة عند التلاقي، ومحلها بعد إلقاء السلام.
قال الإمام النووي رحمه الله: (يُستحبُّ المصافحةُ عند التلاقي، وهي سُنَّةٌ بلا خلاف) [ينظر: صحيح مسلم بشرح النووي، جـ9، صـ115].
🟩 المصافحة والجائحة:
قد حلّت بالعالم جائحة كورونا فقلبت على أهل الأرض الموازين الدنيوية وغيرها.
ونزلت بسببها بالأمة نوازل أثرت على دينهم، واقتضت التفصيل والبيان من أهل العلم لبعض الأحكام بناء على آثار هذه الجائحة.
ومن قواعد أهل العلم الفقهية التي عالجوا بها بعض تلك النوازل:
– الضرر يزال. – درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
– تحصيل أعْلَى المصلحتين بتفويت أدْنَاهما، وارتكاب أدْنَى المفْسَدتين لِدَفْع أعلاهما.
يقول شيخ الاسلام ابن تيمية – رحمه الله- : (الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، بحسب الإمكان) [منهاج السنة النبوية 1/551]. وهذه أيضاً قاعدة فقهية معتبرة عند العلماء.
وتلك قواعد مبنية على الأدلة الشرعية، والأخذ بها وتطبيقها من قبل العلماء وولاة الأمر أخذ بأمر شرعي، وتطبيق لمقتضى الشريعة؛ فلا يجوز للمسلم أن يقع في نفسه حرج مما دل عليه الشرع واقتضاه.
وبناء على ذلك صدرت فتاوى العلماء، في قضايا كثيرة تتعلق بعبادات الناس في ما هو أعظم من المصافحة، مثل:
– إغلاق المساجد والاكتفاء بالصلاة في البيوت عند اشتداد الجائحة.
– التباعد بين المصلين في صلاة الجماعة.
– ضرورة ارتداء الكمامة أثناء الصلاة [وقد كرهه بعض أهل العلم لغير حاجة]. وغير ذلك..
كل هذه المسائل فصّل فيها العلماء بما بصَّرهم الله به؛ مراعاة لتلك القواعد الشرعية السابقة وغيرها.
وصدرت توجيهات ولاة الأمر فيها بناء عليها.
ومن ذلكم:
– ترك المصافحة: فقد صدرت توجيهات ولاة الأمر – حفظهم الله – بتركها؛ لثبوت انتقال الفايروس بها طبياً، وأيّد ذلك أهل العلم بناء على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية التي سبقت الإشارة إلى بعضها.
ثم النظر الصحيح يقتضي ترك المصافحة أيضاً: فالمصافحة والسلام قرينان متفقان يتضمنان السلامة والأمان، فمتى كانت المصافحة مظنة للعدوى وانتقال الفايروس فالنظر الشرعي والعقلي يقتضي المنع منها؛ لأن السلامة حينئذ في تركها لا في فعلها. وأحكام الشريعة متفقة لا مختلفة، ومنزهة عن التناقض والاضطراب والاختلاف.
فلا يكون في الشريعة إباحة ما فيه السلامة (وهو السلام)، وما فيه الضرر (وهو المصافحة حين تكون مظنة للعدوى) في آنٍ واحد.
وليس ترك المصافحة – وهي سنة فقط وليست بواجبة- عند تيقن الضرر أو رجحانه بأولى من ترك المريض للصوم – وهو فريضة- إذا كان يشق عليه أو يضر به.
وعلى ذلك: فواجبُ المسلم ترك المصافحة، والاقتصار على إلقاء السلام بالقول؛ انقياداً لمقتضى الشريعة، وطاعةً لله وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، ولأولي الأمر، ودرءً للضرر المقدم على مصلحة المصافحة.
ويتأكد هذا في المعايدة أيام العيد، وفي المناسبات، والزيارات. والله أعلم
والعيد جميل، وما أجمل أن تتصافح قلوبنا قبل أيدينا.
وما أجمل أن يَسْلم الجنان مما يخفيه، قبل أن ينطق اللسان بالسلام ويبديه.
وفقني الله وإياكم وعلماءنا وولاة أمرنا لكل خير وهدى، وتقبل مني ومنكم ومن الجميع صالح الأعمال.
وعيدكم مبارك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه: سعود بن مصلح الصاعدي _ المدينة
مساء الاثنين 28/9/1442