القرآن كفَّر اليهود والنصارى، ومعنى قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا …﴾


 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

فإنه لا يزال المنافقون ساعين سعيًا حثيثًا لإفساد الإسلام تارةً برد حُجِّية السنة، وتارةً بتحريف معاني القرآن كزعم طائفة منهم أن اليهود والنصارى ليسوا كفارًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].

ثم زاد الأمر سوءً لما وافقهم بعض دعاة السوء والضلالة فزعموا أن اليهود والنصارى مؤمنون!! وقد نصَّ القرآن بوضوح على كفر اليهود والنصارى بعد بعثة النبي ﷺ ونزول القرآن، وإليك بعض الأدلة على ذلك:

الدليل الأول: قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: 1] وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 105] فهاتان الآيتان دالتان على أن أهل الكتاب كفار، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى.

وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: 73] وهذا صريح في تكفير النصارى.

الدليل الثاني: أن الله أخذ العهد والميثاق على الأنبياء أنه إذا بُعث فيهم محمد ﷺ أن يؤمنوا به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 81-82].

فمن لم يؤمن بدين محمد ﷺ بعد بعثته من أتباع الأنبياء كاليهود والنصارى، فإنه يكون كافرًا.

الدليل الثالث: قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] جعل الله اليهود والنصارى غير مؤمنين بالله واليوم الآخر، وهذا إنما يكون بعد بعثة النبي ﷺ فدلَّ على كفرهم.

الدليل الرابع: أن الله أمر بعداوة اليهود والنصارى، وعداوتهم لكفرهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].

الدليل الخامس: ذم الله من لم يؤمن بالقرآن من أهل الكتاب، فقال سبحانه: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ …﴾ [البقرة: 101-102] فدلّ هذا على أنه يجب عليهم أن يؤمنوا بالقرآن، وهو دين محمد ﷺ فمن لم يؤمن به فهو كافر.

الدليل السادس: أثنى الله على أهل الكتاب الذين آمنوا بدين محمد ﷺ قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199] فمفهوم هذا: أن من لم يؤمن منهم بدين محمد فهم كافرون، وعند الله مبغوضون.

الدليل السابع: أن الله أرسل النبي ﷺ إلى جميع الناس، فدل على أنه يجب على من أدركه من اليهود والنصارى أن يتركوا دينهم وأن يؤمنوا به، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: 28].

وبعد هذا، إن هذه الأدلة وغيرها كثير دالٌ على كفر اليهود والنصارى بعد بعثة النبي ﷺ وبهذا يُفهم معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62].

فقطعًا ليس المراد منها اليهود والنصارى بعد بعثة النبي ﷺ لما تقدم ذكره، فإذن إما أن يكون المراد منها اليهود والنصارى قبل بعثة النبي ﷺ فقد آمنوا بنبيهم وبكتابهم، ويدخل في ذلك الصابئون لأنهم متمسكون بالتوحيد.

أو أن يكون المراد باليهود والنصارى والصابئة الذين آمنوا بالنبي ﷺ بعد بعثته، ولا يمكن أن تُحمل الآية على اليهود والنصارى بعد بعثة النبي ﷺ فإن القرآن يُفسر بعضه بعضًا ويصدق بعضه بعضًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82].

فإذا تبيَّن هذا، فإن كل من لم يُكفِّر اليهود والنصارى أو زعم أن طريق اليهود والنصارى بعد بعثة النبي ﷺ مثل طريق الإسلام، وأن الكل مُوصل إلى الله فهو كافر مثلهم لأنه مُكذب بالقرآن، وقد أجمع العلماء على كفر مثل هذا إجماعًا قطعيًا، قال القاضي عياض المالكي في كتابه [الشفا (2 / 286)]: ” وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب … ومن لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك ” ونقل قبل ذلك الإجماع عن أبي بكر الباقلاني المالكي.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رأس الحسين (ص: 194):” ومن لم يحرم التدين – بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم – بدين اليهود والنصارى، بل من لم يكفرهم ويبغضهم فليس بمسلم باتفاق المسلمين”

وأخيرًا، إني على يقين أن المنافقين لا ينتفعون بهذه الأدلة إلا أن يشاء الله، قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18] لكن كتبت هذا المقال إقامةً للجة من جهة، ومن جهة أخرى لتثبيت إخواني المسلمين على اعتقادهم الذي دلّ عليه القرآن والسنة من كفر اليهود والنصارى.

أسأل الله أن يُعز دينه، وأن يُعلي كلمته، وأن يجعلنا جميعًا أنصارًا لدينه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

د. عبد العزيز بن ريس الريس

24 / 6 / 1442هـ


Tags: , , ,