الفقيه الذي يُستفتى.


الفقيه الذي يُستفتى.

أما بعد : ففي الوقت الذي التبس على الناس فيه من هو العالم الذي يُسأل والفقيه الذي يُستفتى وازدادت حاجة الناس الى معرفة العالم الرباني الذي يرجع اليه وبعد أن تنافست القنوات الفضائية الى استضافة من يصلح ومن لا يصلح وتهافت الناس على الاستفتاء تهافت الفراش على النار ويتزاحمون على هواتف تلك البرامج ليس لهم ميزان يزنون به ولا ضابط يضبطون به سوى المظهر والمنظر وجمال الاسلوب وحلاوة الطرح حتى أصبحت مهمة التعرف على العالم الفقيه مسألة بالغة التعقيد ولكن السلف الصالح رحمهم الله لم يتركوا المشكلة دون حلول ولا المسألة دون إجابة فقد ألفوا وصنفوا في ذلك المصنفات وبينوا أوصاف العالم والفقيه الذي يستفتى ويرجع اليه وحذروا من المتعالمين ومن اولئك العلماء الذين أولوا هذا الجانب اهتماما عظيما : أبو عبيد الله عبد الله بن محمد بن بطة العكبري ت375 في كتابه إبطال الحيل (1 / 6): حيث أورد النصوص والآثار والنقول بأسانيدها عن السلف الصالح من الأئمة والعلماء فمنها ما نقله في كتابه هذا مارواه بسنده عن مجاهد ، قال : « إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل »
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : « ألا أخبركم بالفقيه ، كل الفقيه ؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ، ولم يؤمنهم من مكر الله ، ولم يرخص لهم في معاصي الله ، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره »
وقال عبد الله بن مسعود : « كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا »
عن أبي علقمة الليثي ، قال : كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله : « إن الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهذر وكثرة الرواية ، وإنما الفقه خشية الله عز وجل » و قال بعضهم : « قلت لسعد بن إبراهيم : من أفقه أهل المدينة ؟ قال : » أتقاهم «
حدثني مروان بن محمد ، قال : سمعت بعض القرشيين ، قال : « إن كمال علم العالم ثلاثة : ترك طلب الدنيا بعلمه ، ومحبة الانتفاع لمن يجلس إليه ، ورأفته بالناس »
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمراني ، قال : قال أبو حازم : « لا يكون العالم عالما حتى تكون فيه ثلاث خصال : لا يحقر من دونه في العلم ، ولا يحسد من فوقه ، ولا يأخذ على عمله دنيا »
وعن مطر الوراق ، قال : سألت الحسن عن مسألة ، فقال فيها ، فقلت : يا أبا سعيد ، يأبى عليك الفقهاء . فقال الحسن : ثكلتك أمك يا مطر ، وهل رأيت بعينيك فقيها قط ؟ وقال : أتدري ما الفقيه ؟ الفقيه : الورع ، الزاهد ، المقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يسخر بمن أسفل منه ، ولا يهزأ بمن فوقه ، ولا يأخذ على علم علمه الله إياه حطاما.
وعن الحسن ، قال : « الفقيه : المجتهد في العبادة ، الزاهد في الدنيا ، المقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم »
وعن وهب بن منبه ، قال : « الفقيه : العفيف ، المتمسك بالسنة ، أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان » عن يوسف بن أسباط ، قال سفيان الثوري : « الفقيه الذي يعد البلاء نعمة ، والرخاء مصيبة ، وأفقه منه من لم يجترئ على الله عز وجل في شيء لعلةٍ به »
وعن الحارث بن يعقوب ، قال : « يقال إن الفقيه كل الفقه من فقه في القرآن وعرف مكيدة الشيطان »
وعن أبي الدرداء ، قال : « لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا »
وعن أبي قلابة ، عن أبي الدرداء ، قال : « إن من فقه المرء ممشاه ومدخله ومجلسه »
و قال الفضيل بن عياض « إنما الفقيه الذي أنطقته الخشية وأسكتته الخشية ، إن قال قال بالكتاب والسنة ، وإن سكت سكت بالكتاب والسنة ، وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده ورده إلى عالمه » قال الشيخ أبو عبد الله : أنا أقول – والله المحمود – هذه صفة أحمد بن حنبل رحمه الله ، فيا ويح من يدعي مذهبه ، ويتحلى بالفتوى عنه ، وهو سلم لمن حاربه ، عون لمن خالفه ، الله المستعان على وحشة هذا الزمان .
وعن يونس ، عن الحسن ، قال : « إنا لنجالس الرجل فنرى أن به عيا ، وما به عي ، وإنه لفقيه مسلم . قال وكيع : أسكتته الخشية »
حدثنا عيسى أبو معاذ ، عن ليث ، قال : « كنت أسأل الشعبي فيعرض عني ويجبهني بالمسألة . قال : فقلت : يا معشر العلماء . تزوون عنا أحاديثكم وتجبهوننا بالمسألة ؟ فقال الشعبي : يا معشر العلماء ، يا معشر الفقهاء لسنا بعلماء ولا فقهاء ، ولكننا قوم سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا ، إنما الفقيه من ورع عن محارم الله ، والعالم من خاف الله عز وجل »
عن مالك بن مغول ، قال : « استفتى رجل الشعبي فقال : أيها العالم أفتني . فقال : إنما العالم من يخاف الله »
عن ابن جريج ، عن عطاء ، وأبي الزبير ، عن جابر ، أنه تلا : « ( وما يعقلها إلا العالمون (1) ) فقال : » العالم الذي عقل عن الله أمره فعمل بطاعة الله واجتنب سخطه قال عبد الله بن مسعود : « ليس العلم للمرء بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية
وعن مقاتل بن محمد ، قال : « خرجنا مع سفيان بن عيينة إلى منى في جماعة فيهم أبو مسلم المستملي ، فقال سفيان في بعض ما يتكلم به : العالم بالله الخائف من الله وإن لم يحسن : فلان عن فلان ، ومن لم يحسن العلم والخوف من الله فهو جاهل وإن كان يحسن : فلان عن فلان . المسلمون شهود أنفسهم عرضوا أعمالهم على القرآن فما وافق القرآن تمسكوا به ، وإلا استعتبوا من قريب » قال أبو مسلم : ما أحسن هذا الكلام يا أبا محمد . قال : إنه والله أحسن من الدر . وهل الدر إلا صدقة
سئل عبد الله بن المبارك : هل للعلماء علامة يعرفون بها ؟ قال : علامة العالم من عمل بعلمه ، واستقل كثير العلم والعمل من نفسه ، ورغب في علم غيره ، وقبل الحق من كل من أتاه به ، وأخذ العلم حيث وجده ، فهذه علامة العالم وصفته، قال المروذي فذكرت ذلك لأبي عبد الله . قال : هكذا هو .
قيل لابن المبارك : كيف يعرف العالم الصادق ؟ فقال : « الذي يزهد في الدنيا ، ويعقل أمر آخرته . فقال : نعم كذا نريد أن يكون »حدثنا معمر ، قال : سمعت الزهري ، يقول : « لا نثق للناس بعمل عامل لا يعلم ، ولا نرضى لهم بعلم عالم لا يعمل »
وعن الحسن ، قال : « كان الرجل إذا طلب بابا من العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده وصلاحه وبدنه ، وإن كان الرجل ليطلب الباب من العلم فلهو خير من الدنيا وما فيها »
وعن سفيان بن عيينة يقول : « العلم إذا لم ينفع ضر »وحدثنا محمد بن الحجاج ، قال : كتب أحمد بن حنبل رضي الله عنه عني كلاما . قال العباس : وأملاه علينا . قال : لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه – يعني للفتوى – حتى يكون فيه خمس خصال
أما أولاها : فأن يكون له نية ، فإن لم تكن فيه نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور وأما الثانية : فيكون له خلق ووقار وسكينة . وأما الثالثة : فيكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته . وأما الرابعة : فالكفاية ، وإلا مضغه الناس . وأما الخامسة : فمعرفة الناس « قال أبو عبد الله رحمه الله : » فأقول – والله العالم – : لو أن رجلا أنعم نظره ، وميز فكره ، وسما بطرفه ، واستقصى بجهده ، طالبا خصلة واحدة في أحد من فقهاء المدينة والمتصدرين للفتوى فيها لما وجدها . بل لو أراد أضدادها والمكروه والمرذول من سجايا دناءة الناس وأفعالهم فيهم لوجد ذلك متكاثفا متضاعفا . والله نسأل صفحا جميلا وعفوا كثيرا وقال ابن أبي أويس: أدركت الفقهاء بالمدينة يقولون : لا يجوز أن ينصب نفسه للفتوى ، ولا يجوز أن يستفتى إلا الموثوق في عفافه وعقله وصلاحه ودينه وورعه وفقهه وحلمه ورفقه وعلمه بأحكام القرآن والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ ، عالما بالسنة والآثار ، وبمن نقلها ، والمعمول به منها والمتروك ، عالما بوجوه الفقه التي فيها الأحكام ، عالما باختلاف الصحابة والتابعين ، فإنه لا يستقيم أن يكون صاحب رأي ليس له علم بالكتاب والسنة والأحاديث والاختلاف . ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه والاختلاف ووجوه الكلام فيه ، وليس يستقيم واحد منهما إلا بصاحبه ، قالوا : ومن كان من أهل العلم والفقه والصلاح بهذه المنزلة إلا أن طعمته من الناس وحاجاته منزلة بهم وهو محمول عليهم ، فليس بموضع للفتوى ، ولا موثوق به في فتواه ، ولا مأمون على الناس فيما اشتبه عليهم.
وقال سفيان بن عيينة : قدم عبيد الله بن عمر الكوفة ، فلما رأى اجتماعهم عليه قال : « أشنتم العلم وأذهبتم نوره . لو أدركني وإياكم عمر لأوجعنا ضربا » . هذا رحمكم الله قول عبيد الله بن عمر رحمه الله لمن اجتمع عليه من طلبة العلم وهو سفيان الثوري ، وابن عيينة ، وأبو إدريس الخولاني ، وحفص بن غياث ، ونظراؤهم . فما ظنك بقوله لو رأى أهل عصرنا ؟ فنسأل الله صفحا جميلا وعفوا كبيرا . فيا طوبى لنا إن كانت موجبات أفعالنا أن نوجع ضربا فإني أحسب كثيرا ممن يتصدر لهذا الشأن يرى نفسه فوق الذي قد مضى وصفهم ، ويرى أنهم لو أدركوه لاحتاجوا إليه وأمموه ، ويرى أن هذه الأفعال منهم والأقوال المأثورة عنهم كانت من عجزهم وقلة علمهم وضعف نحائزهم(طبائعهم) . الله المستعان ، فلقد عشنا لشر زمان .