الغباء الليبرالي والعلماني في دقائق


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، أما بعد:

فإن أحسن الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

إن أعظم نعمة يُنعم الله بها على عبده هي نعمة الإسلام، قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: 3] اللهم يا ربنا كما مننت علينا بالإسلام فامنن علينا بالثبات عليه حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين.

أيها المسلمون/ لا تظنوا أن كونكم وُلدتم مسلمين أن هذه النعمة مُتيسرة لكل من أرادها، كلا والله، فإن أبوي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهما أبواه، وهما سبب وجوده في هذه الحياة بعد الله، قد ماتا كافرين.

أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مرَّ بقبر أمه فاستأذن ربه أن يزور قبر أمه وأن يستغفر لها، فأذن له أن يزور قبرها ولم يأذن له أن يستغفر لها، فبكى النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وأخرج الإمام مسلم عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- في قصة في حديث، قال: يا رسول الله أين أبي؟ فقال: «أبي وأبوك في النار». لا إله إلا الله!

إذن أيها المسلمون حافظوا على هذه النعمة العظيمة نعمة الإسلام.

وإن الإسلام إنما سُمي إسلامًا لأن حقيقته الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، قال سبحانه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].

وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65].

وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]، لا إله إلا الله!

ولعِظم الإسلام فإن الشيطان وجنده يسعون كل السعي في إضلال المسلمين عن الإسلام، تارةً بالقوة والسلاح، وتارةً بشبهات هزيلة ساقطة تُظهر بصور مبهرة، وتارة باسم الحرية، وتارةً باسم الدين والإسلام فيريدون أن يُحرفوا المسلمين عن الإسلام باسم الإسلام، وأنَّى لهم لمن وفقه الله وثبته على هذه النعمة العظيمة.

ومن ذلك دعوات تترى ومقالات تتابع في صحف وإعلام كثير من دول العالم الإسلامي ما بين حين وآخر، من رجال ونساء يدعون إلى العلمانية وانحلال الديني، أتدرون ما العلمانية؟

إن مُلخص العلمانية فصل الدين عن نظام الحياة وحكمها، فعندهم ليس لهذا الدين العظيم حكم على حياة المسلمين حكامًا وجماعات وأفرادًا، فيريدون أن يعزلوا الدين الإسلامي عن حياة المسلم، يريدون أن المسلم يضرب بقول الله وقول رسوله -صلى الله عليه وسلم- عُرض الحائط وأن يتبع الغرب الكافر، ولا يلتفت إلى دين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-.

يا إخوتاه، كيف تجتمع العلمانية والإسلام؟

كيف تجتمع العلمانية والقرآن؟

كيف تجتمع العلمانية وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟

بالله عليكم نبئوني، كيف يجتمع الحق والباطل؟ والليل والنهار؟

كيف يجتمع الماء والنار؟

كلا والله لا يجتمعان إلا في عقول اجهال الذين يهرفون بما لا يعرفون أو في عقول المنافقين الذين يردون من هذه الدعوى سحق الإسلام، تأملوا قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ثم قال في الآية الأخرى: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] ثم قال: ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47]. كيف تجتمع هذه الآيات مع العلمانية

كيف تجتمع مع القرآن القائل: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65]؟

كيف تجتمع مع هذا الدين الذي حكم المسلم في أمواله وتصرفاته، وحرم الربا ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرات.

كيف تجتمع العلمانية مع كل آية وحديث فيه أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؟ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110].

وأخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ».

إذن العلمانية في حكم الإسلام كفرٌ وردة، ولا تجتمع مع الإسلام البتة، لأسباب كثيرة:

  • الأمر الأول: أنها مكذبة للقرآن الذي يأمرنا أن نتحاكم إليه في كل شيء.
  • الأمر الثاني: أنها مُكذبة لكل آية وحديث فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة.

ووالله قد رأيت هؤلاء العلمانيين وإخوانهم الليبراليين أغبياء بما تعني كلمة أغبياء، وقد بيَّنت هذا في درس مسجل بعنوان: (العداء الليبرالي للسعودية)

وتعال أنبئك كيف أنهم أغبياء، يقول أحد الليبراليين العلمانيين الأغبياء: كيف تقولون إن العلمانية كفر وردة، وأنتم في البلاد التي يحكمها الكفار ويُشددون عليكم تقولون: إن الحكم بالعلمانية خير من حكم أولئك الكافرين الذين يُشددون علينا.

يا غبي! ألا تعلم أن الأحكام تتغير بتغير الأحوال؟

لو قال لك قائل في فصل الصيف وشدة الحر: البس اللباس الشتوي، لقلت: لا أريده. ثم لو رآك هذا الرجل في فصل الشتاء تلبس ثوبًا شتويًا، أيصح له أن يقول: إنك متناقض؟ كلا والله، لا يقول ذلك عاقل.

ومثل ذلك لو أن رجلًا أعطاك ماءً لتشرب، وأنت في حال ريٍّ لقلت لا أريد الماء، ثم رآك بعد ساعة أو ساعتين تشرب الماء، هل يصح له أن يقول: إنك متناقض؟ كلا والله، لأنك قد عطشت والحال قد اختلفت، لكن الغباء الليبرالي لا حد له.

 

فسحقًا لهؤلاء العلمانيين الذي جمعوا بين الكفر والغباء، نعم إن الحكم بالعمانية كفر، ويجب على الدول المسلمة أن تحكم بالإسلام، كما تحكم به دولة التوحيد السعودية، وكما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكن إذا أبت دولة أن تحكم بالكتاب والسنة، كأن تكون دولة رافضية تُلزم الناس بالرفض، أو بغير ذلك من الاعتقادات البدعية أو الكفرية، فبقاء المسلمين في حكم العلمانية خير من بقائهم في حكم دولة هذه حالها.

يا إخوتاه، أين التناقض؟ والله لا تناقض إلا في عقول هؤلاء الأغبياء من الليبراليين والعلمانيين.

ثم جاء الآخر وقال: إنه من الخطأ أن نُعادي العلمانية، ينبغي أن ندعو إلى العلمانية المنضبطة بالإسلام.

يا الله !! يا لله !! ما هذا السخف؟؟

هل يصح لأحد أن يقول: لا يجوز أن نُحارب الخمر، يجب أن ندعو إلى خمر منضبط بقيود الإسلام ؟؟ إن الخمر إذا انتفى عن الخمرة لم يُسم خمرًا، وإن العلمانية إذا صارت إسلامية فليست علمانية، كما لو قال قائل: لا يجوز أن ندعو إلى تحريم الزنا، بل ندعو إلى ضبط الزنا بالقيود الإسلامية!!

سخافات وغباء لا حد له.

لذا يا إخوتاه احذروا مما يُطرح في الإعلام، وتمسكوا بكتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ثم من خبث بعضهم أنه إذا أراد أن يطرح دعوة باطلة أظهر العداء للجماعات الإرهابية البدعية كالإخوان المسلمين مثلًا، أو كداعش أو النصرة، لا شك أن هؤلاء ضُلال وعن الصراط المستقيم قد غووا وبعدوا وأصبحوا ضالين مُضلين، لكن لا يجوز لك أيها الساذج أن تُخادع المسلمين بأن تدعو إلى ترك الحق وتنسب من دعا إلى الحق إلى تلك الجماعات حتى تروج باطلك، إن هذا من البهتان والكذب العظيم.

كما لو قال قائل: لا يجوز أن نُؤمن بوجود الله، والذين يؤمنون بوجود الله هم اليهود والنصارى، يريد أن يصدنا عن الحق الذي عندنا لأن من أهل الباطل والكفر والضلالة من يتبنى هذا الحق، كلا والله إن هذا لا يصح بحال.

ثم من قال لك إن الإخوانيين يُعادون الليبرالية؟ هم أنفسهم علمانيون ليبراليون، يعرف هذا من عرف حال تلك الجماعة، لكن للأسف إن كثيرًا من هؤلاء القوم من الليبراليين والعلمانيين هم في ماضيهم من الجماعات الضالة، فإذا رجعت إلى تاريخهم غير البعيد وجدته إخوانيًا، أو يُمجد رؤوس الإخوان، إلى غير ذلك.

فلما رأى أن الأوضاع تغيرت غير جلده ليتسلق بذلك لإفساد دين الله، أو لغير ذلك من مصالحه الدنيوية الفانية.

فاتقوا الله إخوة الإيمان، وتمسكوا بدين محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الزخرف: 43] نعم استمسك، أي تمسَّك بقوة حتى تثبت.

أخرج الخمسة إلا النسائي من حديث العرباض بن سارية -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور».

قال ابن رجب -رحمه الله تعالى-: وقد أمر بالعض على النواجذ وهي مؤخرة الأسنان؛ للإشارة إلى قوة العض لكثرة المخالفين والمزحزحين عن الحق.

اللهم أحينا على التوحيد والسنة، اللهم أمتنا على ذلك حتى نلقاك وأنت راض عنا، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فإن مما يُردده أولئك الليبراليون والعلمانيون أنهم يقولون: لا يصح لأحد أن يُلزمنا بآرائه.

يُقال: هذه كلمة مجملة، إن هناك فرقًا بين أمر منصوص في الكتاب والسنة وقد أجمع عليه علماء أهل السنة، فإن مثل هذا يجب أن يُلزم الجميع به، ويجب على حكام المسلمين أن يُلزموا رعاياهم بذلك، فرقٌ بين هذا وبين أحكام شرعية فيها خلاف سائغ بين أهل العلم، فكل أحد يتعبَّد باختيار قول العالم الذي يثق به، لا يتتبع الأيسر، ولا الرخص، فقد قال التيمي: من أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله.

لذا تتبع الرخص محرم، وإنما المسلمون من حيث الجملة صنفان:

  • الصنف الأول: أهل علم، فيجب عليهم أن يتبعوا الدليل الشرعي، شدد أو سهَّل.
  • الصنف الثاني: عوام، وهم الأكثر، فجيب عليهم أن يأخذوا قول العالم الموثوق، شدد أو سهَّل، فيدورن مع طلب الحق حيث دار، لا يدورن مع الهوى والرخص، فإنها تُضلهم.

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26] وقال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: 50].

تقوا الله، واحذروا دعواتهم الباطلة، يقولون: لا يصح لكم أن تُلزمونا بآرائكم. فيقال: الأمر كما تقدم، إن كان مجمعًا عليه أو دلّ عليه كتاب الله وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيجب على الحكام أن يُلزموا من تحتهم بدين الله، وإن كان الأمر من الصنف الثاني فيكون الحال كما تقدم ذكره، فاحذروا إخواني دعوات الباطل.

ثم مما أبشركم به أن هؤلاء العلمانيين والليبراليين مع غبائهم إلا أن الشعوب المسلمة لا تلتفت إلى دعواهم، ولا تلتفت إلى دعوتهم ولا إلى نداءاتهم، وإنما يُطبل لهم ويُزمر بعض الصحف والإعلام في بعض الدول الإسلامية.

والعجيب أنهم يزعمون الحرية، فإذا أرسلت مقالًا للرد على مقالات الدعوة إلى العلمانية والليبرالية لم ينشروها، بل إذا رددت عليهم في تويتر في حسابات صحفهم وإعلامهم حظروك وحجبوك، يا لله!! أين الحرية المزعومة أيها الكذبة الأغبياء؟؟

 

اللهم يا من لا إله إلا أنت، اللهم أعز الإسلام والمسلمين،

اللهم أحينا على التوحيد والسنة، وأمتنا على ذلك حتى نقاء راضيًا عنا يا رب العالمين.