الطعن في ابن تيمية


الطعن في ابن تيمية

شئنا أم أبينا، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لم يعد يمثّل نفسهُ ..!

نحن لم نعد نقدّمهُ للعالَم كعالِم له منزلته العلمية، ومكانته التراثية، ونعتبر أن له أخطاء وعثرات لا يسلم منها أحد.

كثير من طلبة العلم يعلمون ذلك يقينا، بل أكاد أجزم أنّهم كلّهم يجزمون أنّ ابن تيمية كان إماما غير معصوم، وأنّه كان عالما يسير على الجادّة، قد يهم وقد يخطئ، لكنّه كان علَما أجدبت أرحام الأمهات، وقحطت ظهور الآباء أن تجود بمثله، وهو بطبيعة الحال ليس نبيا معصوما ولا ملكا مطهرا.

لاحظت أنّ مشايخنا حفظهم الله لا يتعاملون مع ابن تيمية رحمه الله كعالم يصيب ويخطئ، لكنهم يتعاطون مع تراثه بحراسة لقدسيته وحياطة لمنهجه، ويتعاملون مع نتاجه كخطّة إنقاذ وسبيل نجاة في خضم هذا البحر المتلاطم الذي يحيط بنا من الأديان والمذاهب والفرق والطوائف.

ما سطّره أبو العباس ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة يعتبر دستورا للسلفيين في التعاطي مع الخلاف الأزلي والانشقاق التاريخي الذي حصل في صدر الاسلام بين السنة والشيعة بشتى فرقهم وتأويلاتهم.

وكأني ببعض طلبة العلم يقولون عند سماعهم من بعض أقرانهم نقدا لابن تيمية: ليس هذا أوانه .. وليس هذا وقت تعقّب ابن تيمية في تضعيف حديث في فضل علي رضي الله عنه، أو لكونه لم يعترف برواية من الروايات التي تنصّ على شيء من خصائصه، فالخطب أعظم، والمحنة أشدّ من هذه الهوامش والحواشي والتفاصيل، مادمنا مقرين بفضيلة عليّ وبنيه في قلوب أهل السنّة.

وكذلك الأمر عند النظر في كتب ابن تيمية التي سطرها في الرد على البكري والأخنائي في أبواب التوسل والشفاعة والاستغاثة والزيارة، منهجه في كلّ هذا يعدّ حقا لا شائبة فيه عند مشايخنا وأعلامنا، وكأنّي بكثير من طلبة العلم يقولون عند الاستدراك على بعض تفاصيل كلامه في هذه الأبواب: خلّ عنا رحمك الله.. فليس الوقت وقتك.. وليست المعركة معركتك.. لتصحّح خطأ أو تدّعي أن له وهما، فقد ذرّ قرن المتوسلين بالقبور واشرأبت أعناق المستشفعين بالموتى والطائفين بالأضرحة والمشاهد، فإنك بنقدك هذا اخترت أن تكون في صفّهم، طعّانا في ابن تيمية، مسفّها لعقيدته الصافية، فمن أي الفريقين أنت ؟!

وكذلك في أبواب الأسماء والصفات، يعتبر السلفيون ما كتبه ابن تيمية في الواسطية والمراكشية والحموية والتدمرية وغيرها نموذجا يُحتذى، وطريقا يُسلك، لكلّ سنيّ متّبع لمنهج السلف الصالح، فنقدُك لشيء من نتاج ابن تيمية يُعدّ عندهم نقدا للمنهج السلفي الذي يمثله، ومحاربة لأنصاره، وتخندق في خندق أعدائهم وخصومهم، وكأنك بذلك قد جمزت إلى قلاع المخالفين وحصون المتربصين.

وقل مثل ذلك فيما كتبه ابن تيمية رحمه الله في نقض المنطق ودرء تعارض العقل والنقل، فقد قرر أصولا بيّن فيها موافقة النصوص الصريحة للعقول الرجيحة، وأنه لا تعارض بينهما؛ ليردّ بهذا التأسيس على من جعل العقل قاضيا والنص شاهدا، أو صوّر العقل سيّدا والنص خادما له، وليُستفاد من تقريراته في تعقّب كتابات العقلانيين والتنويريين المعاصرين.

والحاصل أنّ علماءنا وفقهم الله يعتبرون ابن تيمية رحمه الله السفينة التي نمخر بها عباب المحيطات، وهذه السفينة تمشي بنا في أمواج كالجبال، وتواجه الآن ريحا شديدة وأعاصير مدمرة تحدق بنا من كل جانب؛ فيتحسسون من أجل ذلك من كلّ نقد أو جرح لابن تيمية، لأنهم يعدّون الكلام فيه ذريعة إلى خرق هذه السفينة، وتمهيدا لإغراقها بمن فيها.

فابن تيمية رحمه الله يمثلنا شئنا ام أبينا وهو هويتنا التي عُرفنا بها، مهما حاول بعضنا التنكّر لها والبراءة منها؛ فالطّعن في ابن تيمية طعن في وجودنا، وتهديد لبقائنا، وتشويه لقضيتنا، وإلغاء لهويتنا، ولذا يسيء مشايخنا الظنّ بمن ينقده أو يتعقّب أقاويله، ويتوجسون خيفة من طواياه ونواياه، حتى وإن ادّعى الموضوعية والتجرد للحق ، وزعم أنّه لا ينهزه إلا التحذير من الغلو والتعصب. فإنهم يصيحون به ويرمونه عن قوس واحدة:

ليس الوقت وقتك..
فاختر يا هذا من أي العدوتين أنت ؟
فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة ..!!

كتبه محمد بن علي الجوني