الرد على نجيب عصام يماني في ضلالاته بإنكاره الحوض والرؤية والصراط


الرد على نجيب عصام يماني في ضلالاته بإنكاره الحوض والرؤية والصراط

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد :
فقد اطلعت على ما كتبه :نجيب عصام يماني في جريدة عكاظ عدد رقم 16334 ص17 يوم الثلاثاء 14/6/1432هـ (http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20110517/Con20110517420191.htm)

بعنوان : ما قيل في الحوض والصراط، واستنكرت صدور هذا المقال من شخص ينتسب للإسلام ولهذا الوطن الذي درس أبناؤه الإيمان وأركانه والعقيدة الصحيحة من القرآن والسنة وما كان عليه سلف الأمة، وسبب استنكاري لهذا المقال : اشتماله على الباطل وإنكاره ما هو من عقيدة أهل السنة والجماعة ، واتباعه المتشابه والإعراض عن المحكم ، والتشبه بأعداء الإسلام من المشككين بأصول الإسلام وأركان الإيمان .
فمن الباطل الذي اشتمل عليه مقال الكاتب المذكور: إنكاره لحقيقة حوض النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة وإنكاره رؤية الله تعالى وإنكاره الصراط وإيراده الأسئلة المشككة والوساوس الشيطانية المبطلة الجاحدة، وقوله بأنه يجب إيقاف العمل بهذه الأحاديث أي عدم الإيمان بها لأنه لم يتسع عقله لفهمها !!
والواجب على كل مسلم ومسلمة أن يُسَلّم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقابل النصوص الشرعية بالإنكار والرد ، فإن حقيقة شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر ،وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع ، فتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان بما أخبر به هو الفيصل بين المسلمين والكفار ، وقد وصف الله المؤمنين في سورة البقرة فجعل من أول صفاتهم (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون)فذكر إيمانهم بالغيب وإيمانهم ويقينهم بالآخرة، والإيمان بالغيب يشمل الإيمان بكل ما أخبر الله عز وجل عنه ,أو أخبر عنه رسوله الذي أرسله محمد صلوات الله وسلامه عليه كالخبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله وما فعل بالأمم السالفة من المكذبين بالرسل وغير هم، والخبر عن العالم العلوي من السموات والأفلاك والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك ، والخبر عن ما يقع للمحتضر من مجيء الملائكة لقبض روحه ونزعها ، وفتنة القبر وعذاب القبر ونعيمه،وما يكون من أشراط الساعة وعلاماته الصغرى والكبرى التي لم يرها الناس بعد ، والنفخ في الصور بالصعقة الأولى والثانية والبعث بعد الموت وإعادة الأرواح في الأجساد وبعث الناس من قبورهم وحشرهم إلى أرض المحشر والحساب والجزاء وتطاير الصحف والموازين والشفاعة والحوض والصراط ورؤية الله تعالى في يوم القيامة وفي الجنة ،والخبر عن الجنة وما فيها من أنواع النعيم والنار وما فيها من أنواع العذاب وغير ذلك مما ورد في الكتاب والسنة من أهوال الآخرة وأحوالها ، فأهل الإيمان يؤمنون بذلك كله ولا يردون من ذلك شيئا، وأهل الريب والنفاق والكفر لا يؤمنون بذلك ولا يصدقون بل يكذبون به أو يشككون في وقوعه ،قال الله تعالى (وما يدريك لعل الساعة قريب ، يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد) فالمماراة في الساعة هي التشكيك فيها أو فيما يقع فيها ، وهذا من أعظم الكفر ، وقد ذكر الله تعالى موقف الكافرين في الدنيا وعند الموت فقال تعالى (ولو ترى إذ فزعوا إذ فزعوا فلا فوت وأُخذوا من مكان قريب وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد)وقال تعالى (ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين) وقال تعالى (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنؤن بما عملتم وذلك على الله يسير)والآيات في هذا كثيرة ،وربما كان السبب الذي أوقع الكاتب في هذه الظنون الفاسد هو: ضيق عقله عن الجمع بين النصوص الشرعية، وجهله بنصوص الشريعة ،وظنه أن أمور الآخرة تقاس على أمور الدنيا، واتباعه لطريقة المبتدعة من الفلاسفة والمعتزلة وغيرهم، أو لغير ذلك من الأسباب.
وهذا المقال الذي كتبه يقع أيضا مع مخالفته للشرع مخالف لأوامر ولي الأمر خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود حفظه الله وتوجيهاته بالمحافظة على العقيدة والدين والمنع لكل من يشكك في المسلمات الشرعية، وهذا أيضا مخالف لسياسة الإعلام في المملكة العربية السعودي أعزها الله بالتوحيد والسنة.
ولما كان المقال مشتملا على عدد من الشبهات أحببت إيضاح الحق وبيانه والرد على شبهات هذا الكاتب، فأقول مستعينا بالله تعالى :
أولا: دعوى الاختلاف والاضطراب في أحاديث الحوض:
مما ورد في المقال ظن الكاتب أن اختلاف بعض روايات حديث الحوض في صفته موجب لرده وإيقاف العمل بالحديث على حد تعبير الكاتب ، وهذه طريقة الزائغين فإن الأحاديث في الحوض متفقة غير مختلفة وورود اختلاف في بعض الروايات في طوله محمول عند العلماء على اختلاف التقدير بالسير على الأقدام أو على الإبل أو على الخيل ونحو ذلك ، فسير الأثقال غير السير السريع وهو سير الراكب المخف، وهذا الذي رجحه ابن حجر رحمه الله وغيره.
وأما القول بأن أحاديث الحوض في حكم المضطرب كما زعم الكاتب فهذا قول لم يقله أحد ذاق طعم العلم والتعلم ولكن لا يستغرب أن يصدر ممن لم يدرس العلم على أصوله .فأحاديث الحوض من قبيل المتواتر،والمتواتر هو من أقوى أنواع الحديث ثبوتا وقطعية عند جميع العلماء ، قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 18/51(فأهل العلم بالحديث والفقه قد تواتر عندهم من السنة ما لم يتواتر عند العامة كسجود السهو ووجوب الشفعة…ورجم الزاني المحصن وأحاديث الرؤية وعذاب القبر والحوض والشفاعة وأمثال ذلك)ثم قال (ومن لم يحصل له العلم بذلك فعليه أن يسلم ذلك لأهل الإجماع الذين أجمعوا على صحته كما على الناس أن يسلموا الأحكام المجمع عليها إلى من أجمع عليها من أهل العلم فإن الله عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة ، وإنما يكون إجماعها بأن يسلم غير العالم للعالم ؛ إذ غير العالم لا يكون له قول وإنما القول للعالم فكما أن من لا يعرف أدلة الأحكام لا يعتد بقوله فمن لا يعرف طرق العلم بصحة الحديث لا يعتد بقوله…).
قال التاودي في حواشيه على صحيح البخاري كما في نظم المتناثر في الحديث المتواتر للكتاني ص12:
مما تواتر حديث من كذب ومن بنى لله بيتا واحتسب
ورؤية شفاعة وحوض ومسح خفين وهذي بعض
وأما المضطرب عند أهل الحديث فهو الحديث (الذي يروى على أوجه مختلف متقارب ، فإن رُجِّحتْ إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته المروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة، ولا يكون مضطربا)وقد قرر علماء الحديث أنه ليس كل اختلاف في السند أو اللفظ يكون به الحديث مضطربا فيقول العلائي في نظم الفرائد ص115(إذا اتحد مخرج الحديث واختلفت ألفاظه فإما أن يمكن رد إحدى الروايتين إلى الأخرى أو يتعذر ذلك ، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه)وعليه فليست أحاديث الحوض من قبيل المضطرب .
ثانيا : بيان موقف أهل العلم ممن أنكر الحوض:
ولكون الكاتب نقل عن ابن حجر كلاما في الحوض؛ فأحب أن أنقل كلام ابن حجر للقراء يبين حكم منكري الحوض، حيث يقول في فتح الباري ج11/ص467 : (قال القرطبي في المفهم تبعا للقاضي عياض في غالبه : مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله سبحانه وتعالى قد خص نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي يحصل بمجموعها العلم القطعي ، إذ روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة نيف على الثلاثين منها في الصحيحين ما ينيف على العشرين…وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة …)ثم قال ابن حجر (أنكره الخوارج وبعض المعتزلة )ثم نقل عن أبي برزة الأسلمي أنه قال (فمن كذب به فلا سقاه الله منه)
وقال السفاريني في لوامع الأنوار البهية 1/202 (خالفت المعتزلة فلم تقل بإثبات الحوض مع ثبوته بالسنة الصحيحة الصريحة ؛فكل من خالف في إثباته فهو مبتدع).
قال الطحاوي رحمه الله (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حقٌّ)، وقال ابن كثير رحمه الله(ذكر ما ورد في الحوض المحمدي سقانا الله منه يوم القيامة من الأحاديث المشهورة المتعددة من الطرق المأثورة الكثيرة المتضافرة ، وإن رغمت أنوف كثير من المبتدعة المكابرة القائلين بجحوده المنكرين لوجوده ، وأَخْلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف من كذب بكرامة لم ينلها ، ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من الأحاديث قبل مقالته لم يقلها) وهذا في كتابه النهاية 1/337 ، ثم أورد الأحاديث عن أكثر من ثلاثين صحابيا واستقصى طرقها ورواياتها .
ثالثا:إشكالات وقعت للكاتب والجواب عنها:
الإشكال الأول : كيف يكون في عرصات القيامة وورد أنه في الجنة ؟
ومما أشكل على الكاتب ما ورد في بعض الأحاديث أن أصل الحوض في الجنة مثل حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم (بينما أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت ما هذا يا جبريل؟قال :هذا الكوثر الذي أعطاك ربك …) وهذا لا يعارض كونه في عرصات القيامة ،والجمع بين النصوص هو طريقة أهل العلم ولهذا قال ابن حجر – لما ذكر قول من يقول إن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين – :(قلت وفيه نظر لأن الكوثر نهر داخل الجنة كما تقدم …وماؤه يصب في الحوض ، ويطلق على الحوض كوثر لكونه يمد منه)، وقد ورد في صفة الحوض يوم القيامة أنه يَشْخَب فيه ميزابان من السماء عن نهر الكوثر، وأن عليه آنية عددَ نجوم السماء. وقد روى هذا الحديث مسلم وأبو داود والنسائي، عن أنس بن مالك قال ( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد، إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما، قلنا:ما أضحكك يا رسول الله؟ قال:(أنـزلت علي آنفا سورة)، فقرأ:(بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أعطيناك الكَوْثر * فَصَلِّ لِربِّك وانْحَرْ إنَّ شَانِئَك هو الأبْتر) ثم قال(أتدرون ما الكوثر؟)قلنا:الله ورسوله أعلم. قال(فإنه نهر وَعَدنيه ربي، عز وجل، عليه خير كثير، هو حوض تَرِدُ عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم فَيختلجُ العبد منهم، فأقول:رب إنه من أمتي. فيقول:إنك لا تدري ما أحدث بعدك) وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد(3/682-683) توجيه بعض العلماء في موضع الحوض ؛ قال (قلت : وليس بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تعارض ولا تناقض ولا اختلاف ، وحديثه كله يصدق بعضه بعضا…) ثم ذكر وجها حسنا في الجمع بين الأحاديث،وقال ابن أبي العز الحنفي في شرحه للطحاوية (ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض ، والحوض في العرصات قبل الصراط لأنه يُخْتلج عنه ويُمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط)
الإشكال الثاني : كيف يكون في عرصات القيامة وقد ورد أن الأرض ليس فيها علم؟
وأما قول الكاتب (ولقد جاء في صحيح مسلم (1264/7003) قوله عليه الصلاة والسلام «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء ــ أي ترابية ــ ليس فيها علم لأحد». فإذا كان هذا الحوض يبلغ طوله ما بين المشرق والمغرب فإن هذه الأوصاف توجب ذكر هذا الحوض في معرض ذكره عليه الصلاة والسلام لأرض المحشر بدلا من القولِ بأنها بيضاء عفراء وليس فيها علم لأحد. وهل ثمة علم للرسول عليه الصلاة والسلام على أرض المحشر أكبر من هذا الحوض، لو كان موجوداً؟ مما يوجب إيقاف العمل بهذا الحديث)
فأنقل أولا كلام أهل العلم في شرح الحديث ، يقول الْخَطَّابي في قوله صلى الله عليه وسلم ليس فيها علم لأحد: يُريد أنّها مُسْتَوية . والمَعْلَم بفتح الميم واللام بينهما مُهملة سَاكنة هو الشيء الذي يُسْتَدل به على الطَّريق . وقال عياض : المراد أنَّها ليس فيها علامة سُكْنى ولا بناء ولا أَثر ولا شيء من العلامات التي يُهتدى بها في الطّرقات كالجَبَل والصَّخرة البارزة . وفيه تعريض بأرض الدُّنيا وأَنّها ذهبت وانقطعت العلاقة منها ، وقال بعضهم : وفيه إشارة إلى أنَّ أَرْض الموقف أَكبر من هذه الأرض الموجُودة جدا.
فاتضح بهذا أنه لا تعارض بين وجود الحوض وبين كون الأرض ذاك اليوم ليس فيها معلم لأحد ، أولا لسعة الأرض يوم القيامة ، وثانيا أن العلم المراد به ما كان في الدنيا ، ولهذا فمن أهوال القيامة الميزان والكتاب وغيرها ولكن أمور الدنيا لم يبق منها شيء

تنبيه:
وأما فهم الكاتب لمعنى العفراء أنها الترابية فهذا خطأ ، قال الخطَّابي العَفَر بَيَاض ليس بالنّاصع وقال عياض : العَفَر بَيَاضٌ يضرب إلى حُمْرَة قليلا ومنه سُمِّي عَفَر الأرض وهو وجهها . وقال ابن فارس : معنى عَفْرَاء خَالِصة البياض . وقال الداودي : شديدة البياض .
الإشكال الثالث : ظنه أنه لا يمكن أن يكون نعيم في يوم القيامة؟
وأما قول الكاتب (والثالثة أن ما جاء في هذا الحوض من الأوصاف تجعله كأنه قطعة من نعيم الجنة، وهذا خلاف ما جاء في أرض المحشر ومعاناة الناس فيه من الهم والغم والخوف والكرب) فهذا يدل على عمق الجهل فإن يوم القيامة مشتمل على إسعاد أهل الجنة وتكريمهم فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ، والمتحابون بجلال الله على منابر من نور عن يمين الرحمن وغير ذلك من الإكرام ومنه أنه يسقيهم من حوض النبي صلى الله عليه وسلم شربة هنيئة مريئة نسأل الله تعالى من فضله وقد قال تعالى (وجوه يومئذ ناعمة لسعيها راضية) وهذا يوم القيامة وقال تعالى (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه)وهذا أيضا يوم القيامة قال ابن عباس تبيض وجوه أهل الجماعة والائتلاف وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف.
الإشكال الرابع : إنكار الكاتب لرؤية الله تعالى يوم القيامة ! والجواب عن الشبه التي أوردها :
وأما قول الكاتب في ما يتعلق برؤية الله تعالى في يوم القيامة (فإن هذا القول مردود جملة وتفصيلا بقوله تعالى «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار». وقوله تعالى لموسى عليه السلام «لن تراني»، وحرف «لن» تأتي بوضع اللغة للنفي الأبدي. وشتان بين النظر والرؤية فإن المرء ينظر إلى الشجرة ــ مثلا ــ ليرى ما عليها من الطيور وقد يرى أو لا يرى، فليس كل نظر تتحقق معه الرؤية. وفي قوله تعالى «ليس كمثله شيء» رد لمن احتج بما نسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام من قوله «ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر»، فيما ذكره ابن حجر في الفتح (3503/6365). وحرف «كما» تأتي للتشبيه والتمثيل ورب العزة والجلال منزه عن كل ذلك.) وأقول بل قولك هو المردود جملة وتفصيلا ، والذي يرده القرآن والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، والأدلة على ثبوت الرؤية كثيرة من القرآن والسنة وإجماع السلف .
قال ابن القيم في القصيدة النونية :
ويرونه سبحانه من فوقهـم نظر العيان كما يرى القمران
هذا تواتر عن رسول الله لم ينكره إلا فاسد الإيمــان
وأما قوله تعالى (لا تدركه الأبصار) فهي دليل على إثبات الرؤية، ومعناها عند المفسرين: لا تحيط به الأبصار لعظمته ، ونفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية ، فتقول مثلا : أنت لا تدرك السماء ببصرك أي لا يحيط بها بصرك، ولا يعني أنك لا تراها ،وأما قوله تعالى لموسى (لن تراني) فهذا نفي رؤيته تعالى في الدنيا ولم يقل سبحانه إني لا أُرى أو لست بمرئي لأن أجساد العباد وأبصارهم لا تطيق رؤية الرب تعالى ولهذا بين تعالى لموسى أن الجبل لما تجلى ربه له جعله دكا وخر موسى صعقا من هول ما رأى وعلمه بعظمة ربه تعالى فالجبل الصلب القوي لم يثبت للتجلي في الدنيا فكيف بالبشر الذي خُلق من ضعف، ولكن في الآخرة يقوي الله الأجساد حتى تتمكن من ذلك ، وأما زعم الكاتب أن حرف (لن)تأتي بوضع اللغة للنفي الأبدي فهذا قول فاسد تابع فيه ضلال المعتزلة ، مع أن حرف (لن) حتى لوقيدت بالتأبيد فإنها لا تدل على دوام النفي مطلقا فكيف إذا أطلقت ولم تقيد ، فربنا تعالى أخبر عن اليهود لما تمنوا الموت فقال (ولن يتمنوه أبدا)مع أنهم في النار يقولون (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك) فحصل منهم التمني للموت مع أن الله تعالى نفاه عنهم مما يدل على أن حرف (لن) لا يلزم منه النفي الأبدي،ومما يشهد لهذا أنها لو كانت للتأبيد المطلق لم يجز تحديد الفعل بعدها وقد قال تعالى (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي ) فثبت أن حرف( لن ) لا يقتضي النفي المؤبد ، وقد قال ابن مالك في الكافية الشافية :
ومن رأى النفي بلن مؤبدا فقوله اردد وسواه فاعضدا
فاتفق أهل العلم من علماء الصحابة وعلماء التفسير وعلماء الحديث بل حتى علماء اللغة على رد مقالة المعتزلة النافين لرؤية الله تعالى ، والحمد لله رب العالمين .
وأما قول الكاتب (وشتان بين النظر والرؤية فإن المرء ينظر إلى الشجرة ــ مثلا ــ ليرى ما عليها من الطيور وقد يرى أو لا يرى، فليس كل نظر تتحقق معه الرؤية)
فقول عارٍ عن التحقيق بل حتى الفهم المعتاد؛ فإن الفعل يرى ونحوه إذا قيد ب(إلى ) صار المراد به حقيقة الرؤية بالبصر، وقول الكاتب (ليس كل نظر تتحقق معه الرؤية) غلط ظاهر في اللغة ، وغلط كذلك على الشرع ؛ فإن النظر قد يراد به التفكير والعلم ، تقول نظرت في المسألة أي تأملت فيها ، ويقال هذا القول فيه نظر ، ونحوه لكن إذا جاء السياق بذكر الفعل وعدي بالحرف الدال على معنى محدد لم يجز صرفه عن معناه وصار صرفه عن معناه تحريفا وتلاعبا ، وأما قول الكاتب (فإن المرء ينظر إلى الشجرة مثلا ليرى ما عليها من الطيور وقد يرى أو لا يرى ) هل مراده يرى الشجرة؟ فهذا كل عاقل يقول نعم ، أم أن مراده أن المرء الناظر يحيط بالشجرة من جميع الجهات وهو الإدراك فهذا ليس بلازم عند جميع العقلاء ، أم أن مراده يرى جميع الطيور التي في الشجرة وهذا أيضا ليس بلازم ، وليس من مقتضى ذلك نفي حقيقة الرؤية كما لا يخفى ، فصار المثال الذي أورده الكاتب حجة عليه ومبطلا لفهمه ، والحمد لله رب العالمين .
وأما قول الكاتب (وفي قوله تعالى «ليس كمثله شيء» رد لمن احتج بما نسب إلى الرسول عليه الصلاة والسلام من قوله «ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر»، فيما ذكره ابن حجر في الفتح (3503/6365). وحرف «كما» تأتي للتشبيه والتمثيل ورب العزة والجلال منزه عن كل ذلك)
فاشتمل على التكذيب بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم المتفق على ثبوته عند أهل العلم ، فإن لفظ الكاتب (بما نسب إلى الرسول) يؤكد تكذيبه للحديث موافقة منه لأهل البدع والضلال فإنهم سبقوه بهذا التكذيب للأحاديث فهو قد اتبع المعتزلة اتباعا قويا فهم أولياؤه ومثله الأعلى، وليعلم الكاتب وجميع أهل التعطيل لأسماء الله وصفاته أن قوله تعالى (ليس كمثله شيء) لا يدل على نفي الأسماء أو الصفات بل يدل على نفي مماثلة الخلق للخالق تبارك وتعالى فجميع المخلوقات ليس منها شيء يماثل الله تعالى في أسمائه أو صفاته أو أفعاله بل ربنا تبارك وتعالى له الكمال المطلق ، وأما المخلوق فهو الناقص ولا يمكن أن يماثل الخالق، وهذه الآية دليل على إبطال الشرك في عبادة الله عز وجل وتحريم الغلو في المخلوق في العبادة أو في الاعتقاد كما يفعله الغلاة الذين يزعمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الولي أو غيرهما يعلم الغيب أو يتصرف في الكون ونحو ذلك مما اختص الله تعالى به فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته ولا في أفعاله .
وحرف كما يأتي للتشبيه وهذا صحيح ، ولكن ما الحيلة فيمن يقرأ النصوص ويعتمد على فهمه الناقص ويعرض عن كلام أهل العلم العارفين بالكتاب والسنة ، فإن العلماء بينوا أن المراد تشبيه الرؤية بالرؤية من الوضوح وعدم الخفاء وغير ذلك من المعاني ، لا تشبيه المرئي بالمرئي فالله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
الإشكال الخامس:زعمه أن يوم القيامة لا يوجد فيه نعيم !
وأما قول الكاتب : (فالشاهد أن يوم الحشر تطغى عليه صفة الهم والغم والكرب، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم (91/433) «.. يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد.. وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون». فهل يتناسب هذا الحال مع وجود هذه القطعة من نعيم الجنة وهي هذا الحوض في هذا المحشر؟)
تقدم الرد عليه في الجواب عن الإشكال الثالث، وأن يوم القيامة يحصل فيه نعيم لأهل الإيمان ورحمة من الله وإحسان كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث، ولا يمنع فضل الله أحد ، وأما التحكم على الله تعالى بالعقل البشري الناقص والتألي على الله بألا يرحم أحدا ولا ينعمه ويتفضل عليه فسبب عظيم من أسباب الحرمان كما في حديث المتألي على الله .
الإشكال السادس : زعمه أن الآيات تخالف أحاديث الحوض لأن زوال العطش يعني عنده عدم الفائدة في شراب أهل الجنة!!
وأما قول الكاتب (ونخلص من هذا إلى أن ما ذهب إليه القرطبي من أن هذا الحوض إنما هو في أرض المحشر قول بعيد جداً وينقضه العقل والنقل، فأين إذاً يكون هذا الحوض؟ والقول الثاني الذي تبناه القاضي عياض فيه أن هذا الحوض إنما يكون في الجنة. وفي هذا القول إشكالات أكثر من القول الأول، لأن فيه تعارضا مباشرا مع حشد من الآيات، مثل قوله تعالى «ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا* عيناً فيها تسمى سلسبيلا» وقوله تعالى «ومزاجه من تسنيم* عيناً يشرب بها المقربون» فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الناس في الجنة يشربون ويستمتعون بهذه الأشربة التي خلقها الله لهم. ووجه التعارض مع حديث الحوض أن من شرب منه فلا يظمـأ بعدها أبداً. ومعنى ذلك أن كل هذه العيون والأنهار التي خلقها الله لعباده في الجنة لا قيمة لها. لأن من شرب من الحوض انتهت رغبته في أي ماء أو شراب وهذا مردود بسياق الآيات ومعانيها.)
فأولا ينبغي لهذا الكاتب أن يعظ نفسه ويراجعها ولا يصر على الباطل ؛ فأهل العلم الذين ينقل عنهم ليس فيهم واحد ينكر الحوض كما صنع هو،فكيف يحتج بكلامهم في إثبات بعض القضايا ويخالف إجماعهم!! وأهل العلم طريقتهم هي الجمع بين النصوص والأحاديث والروايات بالأوجه التي يذكرونها كل حسب ما يفتح الله عليه من فهم ونظر وتدبر للكتاب والسنة ، وليس من طريقتهم التكذيب والرد أو القول بوجوب إيقاف العمل بالأحاديث ، أفلا يكفي هذا واعظا لهذا الكاتب بل ومقيما الحجة عليه فليس له عذر في هذا الصنيع الباطل والكتابة الآثمة .
ثم زعم الكاتب (والقول الثاني الذي تبناه القاضي عياض فيه أن هذا الحوض إنما يكون في الجنة. وفي هذا القول إشكالات أكثر من القول الأول)
هذه الإشكالات من ضيق الفهم وضيق العقل ، وسبق أن الكوثر نهر أعطاه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم في الجنة ومنه يمد الحوض فكيف تستبعد عظيم قدر الله تعالى ، وأما تعليل الكاتب استبعاد كون أصل الحوض في الجنة بأن(فيه تعارضا مباشرا مع حشد من الآيات، مثل قوله تعالى «ويسقون فيها كأساً كان مزاجها زنجبيلا* عيناً فيها تسمى سلسبيلا» وقوله تعالى «ومزاجه من تسنيم* عيناً يشرب بها المقربون» فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الناس في الجنة يشربون ويستمتعون بهذه الأشربة التي خلقها الله لهم. ووجه التعارض مع حديث الحوض أن من شرب منه فلا يظمـأ بعدها أبداً. ومعنى ذلك أن كل هذه العيون والأنهار التي خلقها الله لعباده في الجنة لا قيمة لها. لأن من شرب من الحوض انتهت رغبته في أي ماء أو شراب وهذا مردود بسياق الآيات ومعانيها.)
فالجواب عن ذلك أن العطش إذا ذهب ولا يظمأ بعده الإنسان أبدا لا يمنع الشرب بعد ذلك والتلذذ بشراب أهل الجنة وليس كما زعم الكاتب أنه (من شرب من الحوض انتهت رغبته في أي ماء أو شراب ) هذا تفسير باطل بل إذا شرب ينتهي عطشه ويزول وأما الرغبة في الشرب فإنها باقية ، وهذا دليل على أن من شرب من الحوض فإنه سيدخل الجنة، وذلك أن الجنة ليس فيها جوع ولا عطش ، بخلاف يوم القيامة فإن الناس كلهم في أرض المحشر يعطشون ويكرم الله تعالى المؤمنين بسقيهم من حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، فاتضح أنه لا تعارض بين الآيات والأحاديث ، وأن الكاتب أُتي من سوء فهمه.
الإشكال السابع:رده لأحاديث الحوض لأن فيها ذكر من ارتد وأن الصحابة لم يرتد منهم أحد.
وأما قول الكاتب (وثمة إشكال آخر وهو ما ذكره ابن حجر في فتح الباري (3502/6365) أن رهطاً من أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام يمنعون من هذا الحوض. فيقول الرسول «يا ربي أصحابي، فيقول إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا». والسؤال الذي ينقض هذا الحديث هو من من الصحـابة ارتـد بعد وفاة الرسول عليه الصـلاة والسـلام؟ ولا صحابي واحد!!)
فالجواب : أن هناك ممن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وقت حياته ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهؤلاء هم الذين قاتلهم أبو بكر الصديق واتفق معه جميع الصحابة على قتالهم ، فهؤلاء المراد بهم من ارتدوا على أعقابهم ،قال ابن حجر في فتح الباري11/385 :(قال الفربري ذُكر عن أبي عبد الله البخاري عن قبيصة قال : هم الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر، يعني حتى قتلوا وماتوا على الكفر…وقال الخطابي :لم يرتد من الصحابة أحد وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا نصرة له في الدين، وذلك لا يوجب قدحا في الصحابة المشهورين …وقال النووي قيل هم المنافقون والمرتدون) قال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله (المراد بهم جماعة من الأعراب من بني أسد وغيرهم ممن لقي النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد )،وبهذا يعلم أنه لا يطلق عليهم اسم الصحابي في الاصطلاح الشرعي ، ولكن نظرا لكونهم كانوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم عرفهم في ذلك الموقف العصيب يوم القيامة أو عرفهم بالسيما وهي العلامة التي ظهروا بها أنهم من هذه الأمة ،ثم جاؤا ليشربوا من الحوض فأبعدتهم الملائكة وأخبرت الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم ارتدوا بعد وفاته، فيقول لهم سحقا سحقا ، وهذا فيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب ،ففيه الرد على الغلاة الذين يستغيثون بالرسول صلى الله عليه وسلم ويزعمون أنه يسمع استغاثاتهم ويعلم أحوالهم وكل هذا مما تنقضه النصوص الشرعية وتدل على بطلانه .
والمقصود أن أهل الردة هم أول من يدخل في هذا المعنى المشار إليه في الحديث باتفاق أهل العلم ، وذكر بعض العلماء أنه يلحق بهم المبتدعة ومن أسرفوا في معاصيهم وظلمهم الذين بدلوا في الدين لورود بعض الروايات بأنهم أحدثوا في الدين وبدلوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية 2/197:( والحاصل أن من الذين يذادون عن الحوض جنس المفترين على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم من المحدثين في الدين من الروافض والخوارج وسائر أصحاب الأهواء والبدع المضلة وكذلك المسرفون من الظلمة المفرطون في الظلم والجور وطمس الحق ، كذلك المتهتكون في ارتكاب المناهي والمعلنون في اقتراف المعاصي ) ثم أورد الأحاديث الدالة على ذلك.
الإشكال الثامن:رده لأحاديث الحوض لعدم ورود ذكر له في القرآن .
وأما قول الكاتب (ثم لو كان موجوداً في الجنة لكان من المناسب أن يأتي ذكره ــ ولو مرة واحدة ــ في سياق الآيات التي تناولت وصف الأشربة والأطعمة التي خلقها الله لعباده في الجنة. فلما لم يرد ذكره علم قطعاً أنه لا وجود له في الجنة كما قال القاضي عياض، فتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، كما ذكره الجويني في البرهان (1/166) والغزالي في المستصفى (1/368).)
فالجواب عن هذا الكلام الباطل:
أولا: لا يلزم أن يكون ذكره في القرآن ولا حتى مرة واحدة فكثير من أنواع النعيم التي في الجنة وردت في السنة ولم ترد في القرآن ، ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما وصفه ربه عز وجل(إن هو إلا وحي يوحى) وما جاء في السنة الصحيحة فهو مثل ما جاء في القرآن من جهة الاعتقاد والعمل والإيمان ، ومن زعم أنه لا يؤمن بالشيء الوارد في السنة حتى يأتي ذكره في القرآن فهو من أهل البدع والضلال والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:( ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ) وبهذا يعلم أن قول الكاتب(فلما لم يرد ذكره علم قطعاً أنه لا وجود له في الجنة) كلام ظاهر البطلان.
ثانيا : ورد في القرآن الكريم الإشارة إلى الحوض في قول الله تعالى : (إنا أعطيناك الكوثر)ففسر بأنه الحوض ، وفسر بأنه الخير الكثير ، وفسر بأنه نهر أعطاه الله عز وجل نبيه في الجنة ، وفي الحقيقة كل هذه التفاسير متوافقة ومؤتلفة فالكوثر الخير الكثير ومنه الحوض ومنه النهر الذي في الجنة ومنه كثر الأتباع وغير ذلك من معاني الخير الكثير.
ثالثا: ليس هناك تأخير للبيان عن وقت الحاجة في مسألة الحوض ولا في غيرها ، كما ادعى الكاتب ، ولا حاجة لأن يتكثر الكاتب بالإحالة على كتب الأصوليين في هذه المسألة ، فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤخر البيان ولا كتم شيئا من الوحي ، وعلى الكاتب أن يتعلم ويدرس العلم لكي يكون كلامه في حدود الكلام العلمي السليم .
رابعا : ما نسبه الكاتب للقاضي عياض بأنه لا وجود للحوض في الجنة لم أقف عليه وهو محمول إن ثبت عنه أنه يثبت الحوض في العرصات كما تقدم النقل عنه في فقرة ثانيا في بيان موقف أهل العلم ممن أنكر الحوض .
ثالثا : الرد على خلاصة ما توصل إليه الكاتب حول الحوض.
ثم قال الكاتب:(والخلاصة أنه نظراً لتضارب الأدلة وتعارضها فالنتيجة هي إيقاف العمل بهذا الحديث لورود ما هو أقوى منه من النصوص قطعية الثبوت والدلالة وهي ما ذكر من الآيات الكريمة. )
فالجواب أنه ظهر للمسلم أنه لا تعارض بين النصوص ، وأن الآيات القرآنية لا تنفي حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يجوز رد حديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمجرد الوساوس والظنون الفاسدة ،وتبين أن هذا الكاتب هو المسيء في فهمه وفي سوء معتقده باتباع المعتزلة الضالين النافين للحوض ولغير ذلك مما ورد في أحوال يوم القيامة.
رابعا : ختم الكاتب مقالته بخاتم السوء والشر بإنكاره الصراط والنيران !!
وختم الكاتب مقالته بختام شر وضلال حيث أكد أنه يدعو إلى رد أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرد هواه وسوء فهمه فيقول (أما الصراط فقد جاء في صحيح مسلم (88/405) ومثله في البخاري (527/791) قوله عليه الصلاة والسلام (ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فيمر أولكم كالبرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، وفي حافتي الصراط كلاليب مثل شوك السعدان تخطف الناس، والذي جاء في كتابه العزيز في استيفاء العباد ما يستحقونه إنما هو الفرح والبشرى وأن الملائكة تأخذهم مباشرة من المحشر إلى الجنة وتفتح لهم أبوابها وتهنئهم وترحب بهم أجمل ترحيب وتقول لهم «سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين»، فلزم والحال كذلك تقديم الآيات وإيقاف العمل بحديث الصراط والنيران والكلاليب وشوك السعدان.(
فظهر للجميع أن الكاتب الآن يرد الحديث ويقول يلزم إيقاف العمل بالأحاديث ، والسبب عنده هو توهمه معارضة الوارد في القرآن فيقول:(والذي جاء في كتابه العزيز في استيفاء العباد ما يستحقونه إنما هو الفرح والبشرى وأن الملائكة تأخذهم مباشرة من المحشر إلى الجنة وتفتح لهم أبوابها وتهنئهم وترحب بهم أجمل ترحيب وتقول لهم «سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين»،)
وأما قوله يلزم إيقاف العمل بالحديث لعدم ورود الصراط في القرآن فهذا من الجهل فالقرآن العظيم جاءت السنة ببيانه وتفسيره قال تعالى (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) فالسنة مبينة للقرآن وموضحة له ويدخل في هذا تفاصيل ما يقع يوم القيامة من الأهوال ومنها الصراط ، وأيضا فإن الله تعالى يقول : (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا )والأظهر والأقوى في تفسير الورود أنه العبور على الصراط، وليراجع في هذا الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين في تفسير ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية في سورة مريم ، وفي قوله تعالى ثم ننجي الذين اتقوا ، يقول ابن كثير (أي إذا مر الخلائق كلهم على النار وسقط فيها من سقط من الكفار والعصاة ذوي المعاصي بحسبهم ، نجّى الله تعالى المؤمنين المتقين منها بحسب أعمالهم ، فَجَوَازهم على الصراط وسرعتهم بقدر أعمالهم التي كانت في الدنيا…)
قال الشيخ العلامة صالح الفوزان في شرح العقيدة الواسطية :(وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالصراط المنصوب على متن جهنم ومرور الناس عليه على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخالف في ذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي وكثير من أتباعه وقالوا المراد بالصراط المذكور طريق الجن المشار إليه بقوله تعالى (سيهديهم ويصلح بالهم) وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وهذا قول باطل ورَدٌّ للنصوص الصريحة بغير برهان ، والواجب حمل النصوص على ظاهرها).
وفي الختام أدعو الكاتب نجيب عصام يماني إلى التوبة من هذا الباطل والرجوع إلى الحق، وأدعوه إلى التسليم والتصديق بجميع ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مع المؤمنين المسلمين الذين يؤمنون بالغيب ، وليحذر من السير خلف ركاب المكذبين المنافقين المرتابين الذين يصدق فيهم وصف الإمام أحمد رحمه الله أنهم(عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة ، فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب مجمعون على مفارقة الكتاب ، يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين)،اللهم ثبتنا على الإسلام والسنة وارزقنا التمسك بالتوحيد والسنة ولزوم الجماعة ظاهرا وباطنا واحشرنا في زمرة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم واسقنا من حوضه واجمعنا به ووالدينا في جنات النعيم يا رب العالمين،وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، كتبه : د.فهد بن سليمان بن إبراهيم الفهيد
الأستاذ المشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة
يوم الأحد 19/6/1432هـ