الموقع تحت التجربة ، نستقبل ملاحظاتكم واقتراحاتكم عبر اتصل بنا


الجـــــــــــــــريمة الكبرى


الجـــــــــــــــريمة الكبرى

بقلم : د. عارف عوض الركابي

الموقع على الشبكة : www.arifalrikabi.com

خلال الفترة الماضية فُجِع كثير من الناس بنقل وسائل الإعلام لأخبار أحداث جرائم قتل (بشعة) متتالية شهدتها عاصمتنا الخرطوم ، وكل جريمة من تلك الجرائم تختلف عن أختها ، في الدوافع والأسباب ، وأيضاً في طريقة القتل ، وحُق للناس أن يفجعوا إذ لم يكن من المتعارف عليه بيننا هذه الاغتيالات ، ولم تكن تحدث في هذا المجتمع الطيب ، السمح ، الذي عرف بتسامحه ، وعفوه ، فمن كان يصدق أن لصوصاً دخلوا بيتاً في الليل لسرقته فلما استيقظ أهل البيت ، قام أولئك اللصوص بضربهم ضرباً أدى إلى قتلهم وإزهاق أرواحهم ؟! ولا أقلَّ من ذلك غرابة قيام مجموعة من الناس بقتل شخص بصورة بشعة لأنه يطالبهم بمبلغ من المال ! وهكذا بقية تلك الجرائم المنكرة والتي اضطربت عند سماعها القلوب ، وعاش في حزن شديد من سمع بها . وتكرر وقوع هذه الجرائم ، وفي فترة متلاحقة يوجب على الجميع أن يقفوا وقفات صادقة ، لنأخذ دروساً وعبر نستفيد منها في إصلاح الأمر ، فهي تعكس ما وصلت إليه كثير من النفوس المريضة ، وتبين مدى ضعف الإيمان ، وتَحَكّم الجهل والهوى على من أقدموا وشاركوا في تلك الجرائم ، وذلك يعود إلى ضعف التربية الإسلامية الصحيحة ، والجهل بالله تعالى وبهذه الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا وفي الآخرة.ومسؤولية الحد من هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر الغريبة والخاطئة التي تنتشر في المجتمع ، هي مسؤولية يشترك فيها الجميع ، كل على حسب وسعه وطاقته وتخصصه ، فكما أن الجهات الرسمية والحكومية عليها الدور الأكبر في ذلك ، فإن الدعاة والمعلمين وكل من يملك تأثيراً في وسطه الذي يعيش فيه من ذوي الديانة والأخلاق والعقل وغيرهم عليهم أن يقوموا بما يستطيعون لنشر الوعي ، والحث على التمسك بالإسلام وأخلاقه وآدابه ، والتخويف من هذه الجرائم وعواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.

وإن قتل النفس التي حرم الله قتلها هو احدى السبع الموبقات ؛ أي المهلكات ، كما أخبر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح ، ووصفت بأنها مهلكات لأنها تهلك صاحبها في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة بالعذاب الشديد في النار وبئس دار القرار ، وقد جاء التحذير من ذلك في القرآن الكريم وذلك في قوله تعالى : (ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً) ، إنه وعيد عظيم من رب قادر سبحانه ، فالقتل جريمة عظيمة ، يدرك ذلك الجميع ، وهو من الفساد في الأرض الذي نهى عنه الله سبحانه وتعالى ، وبين أن من يقدم عليه فإنه سيكون من الخاسرين ، ولست بصدد سرد النصوص والأدلة الكثيرة التي تبين أنه من الكبائر وأنه من أعظم (الجرائم) التي تقع في الأرض ، فإن ذلك معلوم للجميع ، ولكن المرجو من الجميع ـ كما أسلفت ـ أن تتكاتف جهودهم في التوعية والتعليم والتوجيه والنصح ، ولنكون بذلك عوناً بعد الله تعالى للجهات الأمنية والمختصة في مهمة الحفاظ على أمن الناس في أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم.

وإن مما يجب أن ينبه إليه ، أن الناس وإن تفاعلوا في إنكار هذه الجريمة ومثيلاتها ، فإن من الواجب أيضاً عليهم أن ينكروا ويسعوا في الحد من وقوع الجُرْمِ الذي هو أعظم من ذلك ! بل إنه أعظم الجرائم على الإطلاق!!إنها جريمة (أخذ حق الله تعالى رب العالمين وخالق الكون والناس أجمعين) وإعطاء ذلك الحق لمن خلقهم الله لعبادته وطاعته !!

نعم ، إن هذه جريمة تقع بالليل وبالنهار ، في السر والعلانية ، بل أحياناً في بعض وسائل الإعلام !! وتجد كثيراً من الناس ينكرون جرائم القتل والسرقة وغيرها ، ولا ينكرون وقوع هذه الجريمة التي هي أكبر الجرائم ، وخطرها أشد وأعظم ، وعواقبها على مرتكبها أذل وأخزى.

جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : (أن تجعل لله نداً وهو خلقك ….) الحديث.

إنه أظلم الظلم ، وأكبر الكبائر ، وأعظم الجرائم ، وقد قال الله تعالى : (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) وقد فسر النبي عليه الصلاة والسلام الظلم الوارد في هذه الآية بأنه الشرك وأشار إلى قوله تعالى في سورة لقمان : (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) ، وهو أكبر الكبائر وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في الحديث المخرج في الصحيحين : (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله ….) الحديث.

إن صرف أي نوع من العبادة مثل الدعاء أو الركوع أو الذبح لغير الله تعالى ، أو نسبة إنزال المطر أو إعطاء الرزق أو الولد وغير ذلك للمخلوقين ، إن هذه الأعمال أو الاعتقادات مما لا ينبغي أن يشك فيه أحدٌ أنه أعظم الجرائم وأقبحها وأنكرها ،فهو أعظم من القتل والزنا وأكل الربا والسرقة ، ولذلك فقد رتب الله على هذه الجريمة العقوبات التي تتناسب معها ومن ذلك :

أن الله تعالى حرم الجنة على من يشرك به سبحانه وتعالى ، قال الله تعالى : (إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار) ، كما بين سبحانه أنه لا يغفر لصاحب الشرك إن مات عليه ، قال الله تعالى : (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) كما أن هذه الجريمة من بشاعتها أن الأعمال الصالحة التي يعملها من يرتكبها تذهب هباءً منثوراً ، فتحبط جميع الأعمال التي قام بها ، قال الله تعالى : (لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) وقد جاءت النصوص الكثيرة في بيان خطورة هذه الجريمة ، التي يعطى من خلالها حق الله الخالق الموجد لغيره من المخلوقين الذين لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيرهم!!

وقد جاء في حديث معاذ بن جبل الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له : (أتدري ما حق الله على العباد وحق العباد على الله ؟ قال الله ورسوله أعلم ، قال : حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً …) الحديث.

إن من المؤسف جداً أن تنتشر هذه الجريمة بين كثير من الناس ، ولا تجد من التوجيه والإنكار والتصحيح ما يتناسب معها!!

والمقام يقتضي أن أضرب بعض الأمثلة التي تبين وقوع هذه الجريمة ، وتفشيها ، بل طباعتها في كتب ونشرها في الآفاق ، علماً بأن النماذج ـ للأسف ـ كثيرة جداً ، إلا أني آثرت أن أذكر أبياتاً ادعى فيها بعض الناس بعض ما اختص الله سبحانه وتعالى به ، ونسبوه لأنفسهم !! في جرأة عجيبة !! وتحدٍ غريب مدهش!! ومن ثم يتأثر الأتباع بتلك المعتقدات وينسبونها لهم من دون الله تعالى .

وجميع هذه الأبيات التي سأذكرها من كتب (مطبوعة) ومنشورة بين أوساط كثير من الناس ، بدعوى (التدين والتصوف والولاية ، والكرامات) ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

أولاً : نماذج مما هو منشور في كتب الطريقة البرهانية ، مما قاله شيخهم الدسوقي ، وشيخهم محمد عثمان عبده البرهاني :

يقول الدسوقي :

وكل نعيم إنني منعـــــــم به == هو لي ملك ومن ثم راضـــــع

وكل هدى في العالمين فإنه == هداي ومالي في الوجود منازع

أصور مهما شئت من عدم كما ==أقدر مهما شئت فهو مطاوع

وأفني إذا شئت الأنام بلمعة == وأحيي بلفظي ما حوته البلائع

وفي البحر لو نادى باسمي حوتُه== أجبت وإني للمنادين سامع

إلى أن يقول :

وإن طباق العرش تحت قوائمي == ورجلي على الكرسي ثم ترفع

وبيتي سقف العرش هناك فليكن == مكاني ومن فيضي خلقت المواضع

وأجري على اللوح المقادير ما أشا== وبالقلــــــــم الأعلى فكفي بارع

وكل معاش الخليقة تجريه راحتي==لراحتهم جوداً ولست بصانع

وأمحو لما قد كان في اللوح ثابتاً ==وأثبت إذا وقعت هناك وقائع

ويقول :

أجود على أم لترحم طفلها== فرحمة من في الكون من بعض رحمتي

وأنفخ في روع المريد فينتقي==جواهر علــــــــــــم الأولين بنفختي

ويقول محمد عثمان عبده البرهاني :

وأحصيت أنفاس الخلائق كلها==والكل عندي شاهــــــق وزفير

ويقول أيضاً :

إذا ما الأمر كان على رضانا==يكون كلامنا كــــــافاً ونونــــا

ويقول أيضاً :

ولي كتب الأسرار أشهد ما بها==وإني عبد والعبـــــاد رعيتي

وإن علوم الله في اللوح كلها==أطالعها من باب قوس الحظيرة

ويقول أيضاً :

بذكر الله تزداد الذنوب== وتنطمس البصــــــــــائر والقلوب

فترك الذكر أفضل كل شيء==وشمس الذات ليس لها غروب

ويقول الدسوقي :

أنا العرش والكرسي واللوح والقلم==أنا الخمرة الصهباء لمن كان شارب

أنا الحب والمحبوب والكأس دائر== وإني ولي التصريف أنت المخاطب

ولننظر إدعاءه : (وإني ولي التصريف)

ويقول أيضاً :

ملكت بلاد الله شرقاً وغربـــــــــاً==ولو شئت أهلكت الأنام بلحظة

ويقول :

مريدي لك البشرى إذا قمت بالوفا==إذا كنت في هم أغثك ببهمتي

ويقول أيضاً :

تملكت تصريف البلاد بأسرهــــا==حلفت وبالكرسي أجليت نائبي

وشاهدت ما فوق السماوات كلها==كذا العرش والكرسي في طي قبضتي

وكل بلاد الله ملكــــــــــي حقيقة==وأقطابها من تحت حكمي وطاعتي

ثانياً : نماذج مما ورد في كتب الطريقة الختيمة ، فقد عرفوا بأنفسهم في كتاب شرح الراتب بما يلي :

يا معشر الخلق من جنٍّ ومن بشر==هل تنكروا فضلنا أم تجحدوا قدرنا

نحن الملوك وكل الملك أجمعه ==أعلاه وأسفله في طي قبضتنـــــــا

والأنبياء وجميع الرسل قاطبة ==من رشح نور بدا من ذات واردنا

وجود آدم منـــــــــا كان منشؤه==جمال يوسف من أنوار بهـــــجتنا

طزفان نوح لــــــــــولا تداركنا==لأهلك الخلق إجمالاً وحـــــرمتنا

نار الخليل خبت من ريق تفلتنا==ونار موسى أضاءت من محاسننا

أيوب لما دعانا عند بلــــــــــوته ==أجابه الله إجلالاً لـــــــــدعوتنا

نحن المراغنة الأخيار من قــــدم==الختم منا وغوث الكون خادمنا

ثالثاً : نماذج مما ورد في ديوان (جامع الشطحات) لإسماعيل الولي شيخ الطريقة الإسماعيلية :

أنا القطب من قد جاءني أعظم الندا==بأنك فرد الوقت نور الدجنة

ولو أن من سري على جبل بـــــــدا==لذاب ودك اليوم أعظم دكة

ولو قطرة منه على النار قد بـــــدت==لقد أخمدتها شعلة بعد شعلة

أنا من رحيق السر أسقيت شــــربة==بها صار أهل العصر كلاً رعيتي

وحكمت فيها جملة وملكتها==ودقت طبولي حيث شاعت سيادتي

وإني حكمي في العوالم دائر==وصار جميع الكون في طي قبضتي

ولو أنني خاطبت بالسر ميتاً==لخاطبني حالاً بأحلى مقالتي

وكل خشاش الأرض يعرفني بلا==توسط شخص بل وهم تحت طاعتي

إلى قوله :

وألبسني مولاي حلة قهره==وأيدني دنيا وأخرى لصولتي

وخيرني في الكون مهما أشأ يكن==فلا أحد غيري يفوز بخلعتي

إلى قوله :

أنا من رآني الله بفضله==مقامات أصحابي جميعاً بجنة

وقد قال لي انظر هل لك الآن صاحب==له منزل في النار يا ذا الهداية

وشاهدتها حالاً ولم أُلف منزلاً==لأصحابنا فيها وبؤت بفرحتي

فمن جاءني بالصدق أقبله وإن==به كل وزر لا يبوء بخيبة

إلى قوله :

أيا صاحب ابشر بي فإني حاضر==إليك إذا ناديت في كل شــــــدة

ومهما ترمني في النوائب كلها==فنادي بيا اسماعيل كشف المهمة

رابعاً : نماذج من احدى القصائد المشتهرة في وسائل الإعلام وهي قصيدة (التمساح) لابن حاج الماحي :

شي لله يا ذات التجلــــــــي ==صاحب السر والفتح الكلي

يا الغوث البي الكون (متولي==التصريف) هيلك عجلــي

وينكم لي وينكم يا كُمَل==(يا لُحّاق) فيكـــــــــــم بتأمل

يا الفوت البي الكون اتحمل==عرض الدار راح (يتهمل)

شي لله يا حسن البصري صهيب الروم ذا النون المصري

يا الدباغ يا أبوسراً يسري==يا ابن المحجوب الناس متحسري

يا ياسين يــــــــا ود حميدة==يا أهل القبة البـــــــــاقية فريدة

انتو مــــــــــا أبطيتو أكيدة==ما بتغلبكـــــــــم هذي الصيدة

إن وضوح الشرك في هذه الأبيات لا يُبقي حاجة لجهد في شرحها وبيان ما اشتملت عليه من ادعاء حق الله تعالى ونسبته للمخلوقين ، ولدينا أمثال هذه الأبيات المئات مما طبعه ونشره هؤلاء المتصوفة بين المسلمين والمسلمات ، وأحسب أني بهذا التوضيح المختصر قد وضحت ضرورة القيام بما أوجب الله تعالى تجاه هذه الجريمة ، حتى يُحَدّ من وجودها وانتشارها وحتى يسلم الواقعون فيها وينجوا من عقوبة الله تعالى عليهم ، وحتى يرحمنا الله ويرحم هذه الأمة ، وليزول أعظم أسباب الشقاء ونزول البلاء وتفشي الغلاء ، وأسأل الله تعالى أن يهدي الجميع للتمسك بهذا الدين العظيم والحرص على المعتقد الصحيح وإلى ما فيه الخير والسعادة في الدنيا والآخرة ، وهو وحده المستعان وولي التوفيق.