إماتة حظوظ النفس


 

الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد

خلقنا الله في هذه الحياة الدنيا للابتلاء بالخير والشرّ يقول الله تعالى: ( ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة وإلينا تُرجعون )، وجعل سبحانه هذه الحياة الدنيا زينة ولعبا ولهوا، يفتتنُ الخلق بها، ويستبقون على زينتها، ويتنافسون على متاعها، وزُخرفها الزائل.

ونبّه الله جل شأنه المكلّفين إلى أن لا يغفلوا عن السّعي للدارالآخرة، وأن يستعدّوا للرحيل من هذه الدنيا الفانية، يقول سبحانه: ( وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون).

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … ولاقيت يوم الحشر من قد تزودا
ندمت على أن لا تكون كمثله … وأنك لم ترصد كما قد كان أرصدا

ومن أعظم الابتلاء وأشدّ صوره، أن يقع الإنسان في الفتنة، ويتقلّب بين أعطافها من حيث لا يشعر، فيتخوّض في شهوات النفس وملاذها وما يوافق مادّتها، ويجري وراء جموحها ورغباتها وأغراضها المصادمة للحقّ، وهو يحسب نفسهُ على خير وهدى .. !

فيُدِلّ بحالهِ وبتديّنهِ الظاهر على من ابتُلي بشيء من المحرمات الظاهرة والمنكرات السافرة، ويرى أنّ غيرهُ ممن هو أقلّ علما وعبادة منه، قد افتُتن بالدنيا واغترّ بزينتها وغفل عن الدار الآخرة والسّعي لها، وهو -في حقيقة الحال- أشدُّ منه تخوّضا في الفتنة، وأعظم تعلّقا بسلاسل الدنيا وأغلالها.

فمن خديعة إبليس، وتلبيسه على بعض العبّاد والصالحين وطلبةِ العلم، أنّهم قد يسيرون مع أهوائهم ويسعون إلى ما فيه شُهرتهم، وحسن الثناء عليهم، ورفعة مقاماتهم الدينية بين الناس، وهم يحسبون أنفُسهم على خير، لأنهم لا يتطلبون بعلمهم ولا بصلاحهم الظاهر مالا، فيظنُ أحدهم أنّهُ ليس من طلاب الدنيا ولا من الساعين لها، بينما هو ساع إلى المكانة والجاه بين الناس، يشتدّ غيظهُ عليهم، ويتغيّر لونُ وجهه، إن لم يُقبّلوا رأسه، ويُصدّروه في المجالس.

وهذه من الدقائق الخفيّة التي قد تغمض وتدقّ، ومن حظوظ النفس التي لا يتفطّن إليها إلا من هداهُ الله إلى طلب العلم أو إلى شيء من الزهد والتعبّد والصلاح مخلصا في عمله لوجه الله وحده، ليس لأحدٍ من الخلق في كلّ ذلك شيءٌ من الحظّ والنّصيب.

فإذا طولبوا بالحقائق وألجئوا إلى المضائق في يومٍ لا ينفع فيه إلا من أتى الله بقلب سليم، في يوم تُبلى فيه السرائر، ويُحصّل الله ما في الصدور، عند ذلك يستبين من حقق الإخلاص وصدَق في المعاملة مع الله، ممن شغلتهُ مراءاة النّاس والبحث عن الجاه والمنزلة الاجتماعية بينهم، نسأل الله أن يشملنا برحمته وأن يغفر لنا ما أشركنا به ونحن نعلم، ونستغفره فيما لا نعلم.

وكم ممن يدّعي الاشتغال بالعلم والاختلاف إلى حِلق العلم وثني الرُكب عند الشيوخ، غرضهُ ومقصدهُ وغاية مطلبهِ أن يُدوّن في ترجمته أنه لازم الشيخ فلانا وقرأ كتاب كذا على الشيخ فلان واستجاز فلانا وأنّهُ أعلى سندا من غيره من الأقران، وغير ذلك من المطامع والأغراض التي هي وسائل ودرجات شريفة تُرتقى لتحصيل العلم والتزكية لمن حصّلها بين أهله.

لكن الدغل ينفذُ إلى القلب ويتمكّن فيه، إذا كانت هذه الوسائل الطيبة لتحصيل العلم قد أصبحت غاية في ذاتها، وهي وحدها ما يسعى من أجلها طالب العلم ويحفد، لينال الثناء والتزكية وعلو المقام وسموّ المنزلة، فيصبحُ عملهُ وجُهده وتعبهُ وحفظه ودرسه من أجل الحصول على رضا أشياخه وحُسن ثنائهم، لذا كان يقول سفيان رحمه الله: ما عالجت شيئا أشدّ عليّ من نيتي، لأنّها تتقلّب عليّ.

فكما قد يُبتلى الإنسان المسلم العامي بأن يُداخل قلبهُ شيء من الرياء لشيخ مسجده أو رجل من وجهاء قومه، بأن يُحسّن الصلاة أمامهم، فيجعل لهم حظّا ونصيبا منها، وهو على خطر عظيم إن لم يدفع هذه الواردات والخواطر، فكذلك طالبُ العلم قد يجعل لشيخه وأقرانه شيئا من اشتغاله بالعلم وحرصه على تطلُّبه، وطلب العلم عبادة شريفة لا ينبغي أن يكون لأحد من الخلق شيئ دقّ أو جلّ منها.

وكذلك من عُرف بالعبادة وكثرة الصلاة وطول القيام قد يُحبُ أن يُشاع ذلك عنه، وأن تنتشر أخبارهُ، ويتناقل الناس أحواله في الطاعة والخشوع والبكاء في صلاته، وأنه ختم القرآن قبل غيره من المساجد، فينتظر بعضهم حضور مراسلي الصحف والمواقع الإلكترونية، ليُشيعوا في الناس، ولينقلوا عبر وسائل التّواصل، أنّه عازمٌ على ختم القرآن، بحضور مناديب من الملائكة الكرام عليهم السلام، عيّنهم بأسمائهم.

وكلُ هؤلاء لم يعتنوا بتصفية قلوبهم، وتزكية نفوسهم، فهم من أكلةِ الدنيا والساعين إليها والمزدلفين إلى أهلها، وإن لبسوا لبوس المشيخة، وادّعوا التألُّه والتنسّك والحرص على طلب العلم والانسلاك في ركاب أهله.

فمن اليسير على بعضهم أن يترُك بعض المحرمات الظاهرة لعدم رغبته فيها، وعدم تشوّف نفسه إليها، ومن العسير عليه أن يتنازل عن الجاه والمنزلة والمنصب وحُسن الثناء بين النّاس.

نسأل الله أن يلطف بنا وأن يرحم ضعفنا، وأن لا يجعلنا من الذين أمات حبّ الدنيا قلوبهم، فقد أخبر الله عنهم إذ قال سبحانه:( ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها) وقال تعالى: (فأعرض عمن تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدنيا ذلك مبلغهم من العلم ).

كتبه محمد بن علي الجوني