أنوار البروق فيما بين عُلماء السُنّة والأدعياء من الفروق


 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه ورضي الله عن صحابته أجمعين.

أما بعد

مما يكشفُ لك النّقاب عن الفرق بين العلماء المُتّبعين للسُّنن والآثار من غيرهم من الأدعياء وأصحاب الأهواء، الاطّراد المنهجي، والانضباط العلمي في تقرير العقائد والأصول وفي اختيار الفتاوى وفي الحكم على الحوادث والنوازل.

فتجدُ العالم السُنيّ الراسخ له أصولٌ منضبطة، وقواعدُ راسخة مٌحرّرة، يسير في ضوئها، ويتتبّع معالمها، ويتلمّح مقاصدها، سواء في باب العقائد أو التفسير أو في الفقه وأصوله، فيسير على مهيع سلفيّ واضح، وطريق بيّن لاحب، لا خفاء فيه ولا اعوجاج له.

كما قال العلامة السِّعدي رحمه الله –في منظومته-:
فاحرص على فهمك للقواعد … جامعة المسـائل الشّوارد
لترتقي في العلم خير مُرتقى … وتقتفي سُبل الذي قد وُفّقا

حتى أنّ من عرف اطّراد منهج العالم، وانضباط مسلكه من تلاميذه وملازميه، يستطيع معرفَة قوله ِفي مسألة من المسائل أو قضيّة من القضايا أو نازلةٍ من النوازل، وإن لم ير منصوصهُ، وصريح قوله في عين هذه الواقعة، بإلحاق هذا الفرع أو قياس هذه النازلة على أصوله، وتخريجها على قواعده المنضبطة، فتنتج نتيجة سليمة لا تتخلّف، لابتنائها على وجهٍ شرعيّ مُعتبر، وذلك لسلامة أُصوله التي ينزع ويستقي فهمه للشّريعة منها، وبرائتها من الانخرام والتدافع.

فالعالم الراسخ يستسلم للنّصوص من الكتاب والسُنة، ويُعظّمها، ويحتجّ بقول الصحابة إذا لم يُعرف لهم مخالف ممن هو في طبقتهم، ويعتبر بالإجماع والقياس وكذا المصالح المرسلة، والاستصحاب والعمل بالعُرف، وسدّ الذرائع وغير ذلك من مصادر التشريع التي يعتبرها، ويصدر في أحكامهِ عنها، وفق شروطها المُعتبرة وقواعدها المُقرّرة عند السّلف الصالح ومن تبعهم بإحسان من العلماء والفقهاء.

فهذا هو العالمٌ الراسخ، والإمام في الديانة، الذي عُرف واستفاض في الناس علمهُ وأمانته وتقواهُ لله، لا ندّعي له العصمة ولا السّلامة من الزلل، ولا نزعمُ أنّه يعرى عن الخطأ، لبشريّته التي لا ينفكُّ عنها.

لكننا نوقن أنّه لا يصادم نصّا صريحا، ولا يتقصّد أن يخرق إجماعا منضبطا، فمثل هذا تأخذ العلم عنه، وتتعبّد الله بما يفتيك به، وتنزلُ عند فتاويه واجتهاداته واختياراته امتثالا لأمر الله تعالى في قوله: ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون).
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنّما شفاء العيّ السّؤال “. رواه أبو داود عن جابر رضي الله عنه، وقد حسّنه الشيخ الألباني رحمه الله.

أما من يتسوّر محراب العلم، ويجمز بين أهله، ويزاحمهم بمنكبه، فيلبس لبوسهم، ويتكلّم بلسانهم، ويتمثّل صورتهم، ويتصدّر المجالس، ويرتقي المنابر نيابة عنهم وهو دعيّ أفّاك، فكلامهُ في الدين، وتقريره لمسائله، وحكمهُ في أقضيته، يفضحهُ، ويكشف سوءته، ويهتك سِتره، لتناقضه وتداعي أقواله، وتخالفها.

فيدعو في خُطبه ومحاضراته وفيما يُسطّره على صفحته إلى تعظيم القرآن والرجوع إليه، ففيهِ الحلّ للمشاكل، والحُكم على النّوازل، لكنّ الأمة مُعرضة عنه، مفتونةٌ عن الاحتكام له، فتعجب من دعوته للاستسلام للنصوص، والبخوع لما جاء فيها، لأنك تراهُ في موطن آخر -غير بعيد عنه-، يتأول النصوص، ويتعسّف في تحريفها، بمحض عقله وهواه، لأنّ آيات القرآن المُحكمة، ودلائله الواضحة، وقفت حصنا منيعا، وسدّا حائلا دون تنظيراته واجتهاداته التي يحسبُها اجتهادات مُقدّرة ونظرات مُعتبرة لم يُسبق اليها، وهي في -حقيقة الأمر- شذوذات وغرائب ونوادر، لا اعتبار لها عند نُقّاد العلم الشرعي وصيارفته.

وتراهُ في مقام من مقاماته يُعظّم السُنّة، ويُجلّ نقلتها وأعلامها، وينوّهُ بمقاماتهم في الدين، لأنّ الأحاديث المدوّنة في صحاحهم ومسانيدهم وافقت هواه واتفقت له، وفي مقام آخر قد لا تروق له الأحاديث الصحيحة ولا تنسلك في ذهنه، فتحجزهُ عن مبتغاه، وتصدّهُ عن مراده، وتحولُ دون مطمعه، فلا يتمكّن من تأويلها ولا اعتسافها، فيقعُ عند ذلك في المُحدّثين، بلسان ذلق، وألفاظ قبيحة نابية، متّهما لهم في دينهم، طاعنا في حفظهم، قادحا في أمانتهم.

وهكذا تراهُ يتقلّب في هواه، ويضطرب في أقواله، بلا اطّراد منهجي، ولا انضباط علميّ، تستطيع محاكمته إليه، وردّه ان انحرفَ أو زاغ عن الحقّ إلى جادّته المسلوكة.

واذا وافقت المسألة التي يبحثها، ويفتّش في حكمها، وينظُر فيها، أهواءه ورغباته المستكنّة، واستروح لها قلبه، وطابت بها نفسُه، وكانت من مسائل الإجماع، أخذ في نقل إجماعات الفقهاء، وتواردهم على اختيار هذا القول الذي مال إليه، معظّما لشأنهم، مُفخّما لأمرهم.

ثم تعجب حين تراهُ في موضع آخر، اذا كان هواهُ وميلهُ النّفسي، ومزاجهُ المصلحي في عُدوة أخرى غير عُدوة الأئمة والفقهاء وتُبّاع الأثر، وكانت المسألة عندهم من مسائل الإجماع، ولا يوجد لأحد من السّلف قول أو رواية مشهورة أو غير مشهورة توافق مقالته، أخذ في الحطّ على من تقدّمهُ من العلماء، والإزراء بهم، والوقيعة في أعراضهم، فهم عندهُ قاصرو النظر، محدودو الفكر، ضيّقو الأُفق، لا ينبغي الاعتبار بإجماعهم ووفاقهم ولا أن نرفع بهم رأسا، وليس لهم من ذنب اقترفوه، ولا موبق واقعوه، ولا جرمٍ ارتكبوه، الا أنّهم لم يجروا في أوديةِ بِدعه ومُحدثاته، ولم يتجاروا معهُ في كَلَبه الذي أخذ بمَجامعهِ، ففتك به وأهلكه.

ثم يأخذ في التشكيك في الإجماع، وايراد الشُبه عليه- بعد أن كان مُعظّما له- مدّعيا بأنهُ لا يمكن ضبطهُ، ولا يُعقل تصوّره، ولا مانع من القول بقول النظامية المُنكرين للإجماع في هذه المسألة، لحاجته إليهم، فقد أصبحوا في هذه الحال أعلاما للدين، ورؤوسا للملّة، ينبغي أن نقتدي، ونأتمّ بهم .. !

فتحارُ في أمره، وتتعجّبُ مما صار إليه حالُه، بعد أن استبان لكلّ ناظر، وظهر لكلّ ذي لُبّ، تخليطهُ، وتخبُّطه، في تدافع أقواله، وتناقضها، وتهافتها.

كما قال القائل:
يوما يمانٍ اذا لاقيت ذا يمن … وإن لقيت مُعدّيا فعدناني

واعلم- رحمنا الله وإياك- أنّ العلم الشرعي المُعتبر الذي يستقيمُ به دينُ المرء، وتسلم به حاله من البدع والأباطيل، وتصلُح به آخرته، ليس بالمحفوظات الكثيرة ولا باندلاق اللسان بالمعلومات الغزيرة، إنّما العلم الممدوح في الشرع، والذي جاءت الآيات والأحاديث بمدح أهله، والثناء الحافل على من اتّصف بصفاتهم، واقتفى آثارهم، هو العلم المنضبط بنور الوحيين والاتّباع للصحابة رضي الله عنهم، المعتمد على القواعد الفقهية والأصوليّة التي اعتبرها أهل العلم، وتسالموا عليها.

فهذا هو الاطّراد المنهجي، والانضباط العلمي في فهم خطاب الشريعة، وذلك يكون بحُسن أخذِه، وتلقّيه، واقتباسه عن أهله، والسّير على منهاجهم، وعدم الشذوذ والإغراب عنهم.

نعم، كثرةُ المحفوظات، وغزارةُ المعلومات واستقرارها في قلب المتعلّم، وانطباعها في ذهنه، أمرٌ مهم لا ينبغي إهماله، ولا مندوحةَ عنهُ في البناء المعرفي والترقّي العلمي، لكنّهُ فرعٌ لأصل عظيم، وحاشيةٌ لمتنٍ جليلٍ، ينبغي على كلّ مُتقفّر للحقّ رعايتَهُ، والاهتمام به.

كتبه محمد بن علي الجوني الألمعي