الخطبة الأولى:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ وَعَلَّمَهُ الْبَيَانَ، وَجَعَلَ الْأَبْنَاءَ نِعْمَةً وَابْتِلَاءً وَأَمَانَةً، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَرْزُقَهُ الذُّرِّيَّةَ الصَّالِحَةَ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَاتِ الَّتِي حَمَّلَ اللَّهُ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ رِعَايَتُهُمْ لِأَبْنَائِهِمْ وَتَرْبِيَتُهُمْ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ الْأَبْنَاءَ أَمَانَةٌ عَظِيمَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ عَنْ هَذِهِ الْأَمَانَةِ، وَإِنَّ صَلَاحَ الْأَبْنَاءِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُسَرُّ بِهِ الْوَالِدَانِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَمَا أَنَّ التَّفْرِيطَ فِي تَرْبِيَتِهِمْ وَإِهْمَالَهُمْ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ.
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ أَنْ يُرَبَّوْا عَلَى الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَأَنْ يُغْرَسَ فِي قُلُوبِهِمْ تَوْحِيدُ اللَّهِ، وَتَعْظِيمُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَمُرَاقَبَتُهُ.
تَأَمَّلُوا قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
وَتَأَمَّلُوا وَصِيَّةَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ إِذْ قَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
وَقَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ: «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ.
إِنَّ أَعْظَمَ مِيرَاثٍ يَتْرُكُهُ الْوَالِدَانِ لِأَبْنَائِهِمْ لَيْسَ مَالًا وَلَا عَقَارًا، وَإِنَّمَا الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ اللَّهِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَرَائِضِ، وَالِالْتِزَامُ بِآدَابِ الْإِسْلَامِ وَأَخْلَاقِهِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الِانْحِرَافِ: التَّفْرِيطَ فِي مُتَابَعَةِ الْأَبْنَاءِ، وَتَرْكَهُمْ نَهْبًا لِلْمُؤَثِّرَاتِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسُّلُوكِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ، فَكَمْ مِنِ ابْنٍ ضَاعَ بِسَبَبِ الْإِهْمَالِ، وَكَمْ مِنْ نَاشِئٍ انْحَرَفَ بِسَبَبِ الْغَفْلَةِ عَنْهُ.
يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: إِنَّ أَكْثَرَ ضَيَاعِ الْأَوْلَادِ سَبَبُهُ الْوَالِدَانِ!
فَيَجِبُ عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَنْ يَعْتَنِيَا بِتَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ، وَيَعْرِفَا أَصْحَابَ أَبْنَائِهِمْ، وَأَنْ يَتَعَاهَدَا بِيئَاتِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةَ وَالرَّقْمِيَّةَ، وَأَنْ يَحْمِيَاهُمْ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسَادِ وَالِانْحِرَافِ.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ».
فَاحْرِصُوا عَلَى اخْتِيَارِ الصُّحْبَةِ الصَّالِحَةِ لِأَبْنَائِكُمْ، وَحَذِّرُوهُمْ مِنْ أَصْحَابِ السُّوءِ، فَإِنَّ لِلصَّاحِبِ أَثَرًا عَظِيمًا فِي الدِّينِ وَالْأَخْلَاقِ وَالسُّلُوكِ.
فَتَعَاهَدُوا أَبْنَاءَكُمْ، وَرَاقِبُوا أَحْوَالَهُمْ، وَأَحْسِنُوا تَرْبِيَتَهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُمْ.
أَقُولُ مَا قُلْتُ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِهِ الْوَالِدَانِ الدُّعَاءُ لِأَبْنَائِهِمْ بِالصَّلَاحِ وَالْهِدَايَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
تَأَمَّلُوا حَالَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، كَيْفَ كَانُوا يَتَعَاهَدُونَ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِالدُّعَاءِ، فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.
فَلَا تَتْرُكُوا الدُّعَاءَ لِأَبْنَائِكُمْ، فِي صَلَوَاتِكُمْ، وَفِي سُجُودِكُمْ، وَفِي أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، فَإِنَّ الدُّعَاءَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ صَلَاحِهِمْ وَتَوْفِيقِهِمْ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ صَلَاحَ الْأَبْنَاءِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنَ الْوَالِدَيْنِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْتَدُّ نَفْعُهُ لَهُمَا بَعْدَ الْمَمَاتِ.
ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ»، وَذَكَرَ مِنْهَا: «وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ الْعِنَايَةَ بِالْأَبْنَاءِ لَيْسَتْ مَسْؤُولِيَّةَ الْأُسْرَةِ وَحْدَهَا، بَلْ هِيَ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْأُسْرَةِ وَالْمَدْرَسَةِ وَسَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ الْمُجْتَمَعِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
فَإِذَا تَعَاوَنَ الْجَمِيعُ عَلَى تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ وَحِفْظِهِمْ مِنْ أَسْبَابِ الِانْحِرَافِ كَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحُ الْأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، وَحِفْظُ الْأَمْنِ، وَالْوِقَايَةُ مِنْ أَسْبَابِ الْجَرِيمَةِ وَالِانْحِرَافِ وَالتَّفَكُّكِ وَالْفَسَادِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، إِنَّ أَبْنَاءَ الْيَوْمِ هُمْ رِجَالُ الْغَدِ وَنِسَاؤُهُ؛ فَصَلَاحُهُمْ صَلَاحٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّهَا، فَاحْرِصُوا عَلَى تَرْبِيَتِهِمْ، وَتَعَاهَدُوهُمْ بِالتَّوْجِيهِ وَالْمُتَابَعَةِ وَالدُّعَاءِ.
ثُمَّ اعْلَمُوا، أَنَّنَا فِي آخِرِ الْعَامِ الْهِجْرِيِّ، وَيَنْبَغِي التَّنْبِهُ إِلَى أَنَّ الْعِبَادَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، فَلَا يُتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشُّورَى: 21].
وَقَدِ اعْتَادَ بَعْضُ النَّاسِ أَنْ يَخُصُّوا آخِرَ السَّنَةِ الْهِجْرِيَّةِ بِأَعْمَالٍ أَوْ عِبَادَاتٍ لِخَتْمِ الْعَامِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ، أَوْ لِخَتْمِ صَحِيفَةِ السَّنَةِ بِعَمَلٍ صَالِحٍ، وَيَتَوَاصَوْنَ بِصِيَامٍ أَوِ اسْتِغْفَارٍ أَوْ صَدَقَةٍ مَخْصُوصَةٍ لِذَلِكَ.
وَهَذَا أَمْرٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، وَلَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ الْكِرَامُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- وَلَوْ كَانَ خَيْرًا لَسَبَقُونَا إِلَيْهِ، فَإِنَّ خَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَخَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَصْحَابُهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-.
فَاحْرِصُوا عَلَى لُزُومِ السُّنَّةِ، وَاحْذَرُوا مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
وَاعْلَمُوا أَنَّ الْعِبْرَةَ لَيْسَتْ بِآخِرِ السَّنَةِ أَوْ بِدَايَتِهَا، وَإِنَّمَا بِأَنْ يَلْقَى الْعَبْدُ رَبَّهُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلِّ حَالٍ.
اللَّهُمَّ احْفَظْنَا مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْهُمُ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى وَالِاسْتِقَامَةَ عَلَى دِينِكَ.
اللَّهُمَّ أَعِنِ الْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ عَلَى أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْقِيَامِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَبْنَاءَ الْمُسْلِمِينَ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لِوَالِدَيْهِمْ، وَسَبَبًا لِصَلَاحِ أُسَرِهِمْ وَمُجْتَمَعَاتِهِمْ.
وَقُومُوا إِلَى صَلَاتِكُمْ يَرْحَمْكُمُ اللَّهُ.
