اعتاد بعض المسلمين الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج في ليلة اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، في بعض الدول يجعلونه إجازةً، فما حكم هذا الفعل؟


يقول السائل: اعتاد بعض المسلمين الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج في ليلة اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، في بعض الدول يجعلونه إجازةً، فما حكم هذا الفعل؟

الجواب:

لا شك أنه قد أسرى الله بمحمدٍ ﷺ وعرَجَ به في ليلةٍ، كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1] ولا يصح لأحدٍ أن يُحدد هذه الليلة إلا بدليل شرعي، إذ مَن تقوَّلَ بلا دليلٍ فلا يُلتفَتْ إلى قوله، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28].

وقد تنازع العلماء في تحديد هذه الليلة على أقوال تصل إلى عشرة أقوال، فمنهم من قال: إنَّ هذه الليلة في شهر ربيع الأول، ومنهم من قال: إنها ليلة السابع والعشرين من شهر رجب …إلى غير ذلك من الأقوال، إلا أنه لا دليل يُستنَد عليه في ترجيح قولٍ على قول، لذا نقلَ الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه (زاد المعاد) عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أنه لم يصح حديث عن رسول الله ﷺ في تحديد هذه الليلة.

فإذا ثبت أنه لم يصح حديث ولا دليل في تحديد هذه الليلة فلا يُجزَم بصِحة ليلة الإسراء، وأما مَن ذهب إلى أنها في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب، فإنَّ مثل هذا لم يصح فيه دليل في تحديد الليلة كما تقدم، وفي المقابل قد نصَّ علماء مِن علماء المذاهب الأربعة أنَّ هذه الليلة لم يصح فيها دليل خاص، ومِمَّن بيَّن ذلك أبو الخطاب ابن دحية المالكي، وابن عطار الشافعي، وابن كثير الشافعي صاحب التفسير المعروف، فقد نصَّ هؤلاء العلماء على أنه لا دليل في أنَّ الإسراء والمعراج كان في ليلة السابع والعشرين من شهر رجب.

إذن خلاصة ما تقدم أنَّ تحديد ليلةٍ معيَّنةٍ بأنها ليلة الإسراء والمعراج لم يثبت فيه دليل ولا حديث، فلا يصح لأحد أن يُحدد ذلك بلا دليل، ومُحدِّده بلا دليل مُتقوِّلٌ بلا علم، فلا يصح مثل هذا، وهذا إن دَلَّ دلَّ على شيء، وهو أنه ليس لهذه الليلة مزيَّة بأن تُخَصُّ بعبادة أو غير ذلك، فإنه لو كان كذلك لتوافرت الأدلة على تحديد هذه الليلة وعلى بيانها.

ثم بعد هذا، لنفترض أنه قد صحَّ دليلٌ في تحديد ليلة الإسراء والمعراج، فإنه لو كان كذلك فلا يصح لأحدٍ أن يخُصَّ هذه الليلة بمزيد عبادة، وأشد من ذلك أن يُجعَل يوم هذه الليلة يوم إجازة كما شاعَ في كثيرٍ من دول العالم الإسلامي، فإنَّه من البدع المنكرة.

إنَّ من المتقرر شرعًا أنَّ رسول الله ﷺ مات، وقد أكمَل الله به الدِّين، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] فإذا كان الدِّين كاملًا فلا يصح لنا أن نزيد فيه عبادات لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته.

ثم إنَّ من المتقرر شرعًا أنَّ الأصل في العبادات الحظر والمنع والتوقيف، فلا يصح لأحد أن يتعبَّد بعبادة إلا بدليل شرعي، وقد أجمع العلماء على ذلك كما حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم، والأدلة كثيرة في ذلك.

من ذلك ما أخرج الشيخان من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

وما أخرج مسلم من حديث جابر -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «فإن كُلَّ محدثةٍ بدعة وكلَّ بدعةٍ ضلالة».

وما أخرج البيهقي في كتابه (المدخل) عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: “كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنةً”.

إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة على حرمة البدع وذمِّها، وأنَّ الأصل في العبادات الحظر والمنع والتوقيف إلا بدليل شرعي، ولا دليل مِن جهة الشريعة يدلُّ على الاحتفال بهذه الليلة، فلا يصح لأحدٍ أن يفعل ذلك.

ثم إني أُخاطب أهل الإيمان والتقوى، هل لو كان لليلة الإسراء والمعراج مَزيَّة، هل كان سيترك الاحتفال بها رسول الله ﷺ؟ هل كان سيترك الاحتفال بها أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ وبقية العشرة؟ إلى بقية صحابة رسول الله ﷺ؟ هل كان سيترك الاحتفال بها التابعون والتابعون لهم بإحسان؟ يا ترى لو كانت خيرًا هل سيتوارد هؤلاء العلماء على تركها؟ ثم بعد ذلك مِن علماء المذاهب الأربعة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد -رحمهم الله-؟ فإنه لم يصح عنهم شيء في أنهم احتفلوا بهذه الليلة.

فلذا الواجب أن تُتَّقى هذه البدع وألَّا يُحتفَل بهذه الليلة، بل لا يُجزَم بأنها حصلت في ليلةٍ معينة لأنه لا دليل على ذلك، فضلًا عن أن يُحتفَلَ بها، لذا أدعو المسلمين أن يتقوا الله وأن يدعوا الاحتفال بها، وأن يقوموا بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح في تحذير المسلمين من الاحتفال بها.

وينصح من تورَّط بها ألا يفعل، ويُنصح من كان سالمًا من باب الوقاية فإنَّ الوقاية خير من العلاج.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

412_1


شارك المحتوى:
0