يا دعاة الفتنة إلى أين تذهبون بالأمة؟!


يا دعاة الفتنة إلى أين تذهبون بالأمة؟!


3 ربيع الأول 1432
6 فبراير 2011

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن دعاة الفتنة في كل زمان ومكان كثيرون لكن شرهم وصراحتهم تظهر أكثر ما تظهر إذا مرت بالأمة أحوال وأزمات هي أحوج ما تكون محتاجة إليه التهدئة والتريث لكي تجتاز أزمتها بسلام. وما زلنا نتذكر ما قام به بعضهم في أيام احتلال العراق للكويت وتدفق الجيوش الأجنبية إلى الخليج بعددها وعدتها، إذ قامت مجموعات بإثارة الفتنة وتهييج الناس واستغلال انشغال الحكومات بما تواجهه من أزمات عظيمة تعصف بها من كل جانب، واليوم بينما تدخل الأمة دهاليز مظلمة لا يعلم نهايتها إلا الله تعالى نجد دعاة الفتنة يزيدون الطين بلة بل يؤججون النار زيادة في الفتنة ولو سفكت الدماء ودب الخوف وضاع الأمن المهم عندهم على حد تعبيرهم (سقوط الطغاة)!!
يقول احدهم في مقال بعنوان: «عشر عبر وفوائد من سقوط أول طغاة العرب» صدَّره بقوله «اليوم حق لنا أن نهنئ امتنا العظيمةببطلان سحر طغاة العرب وذلك بسقوط أول طاغية عربي وهروبه بثورة شعبية أثمرت التخلص من النموذج المفضل لـ «حكم جائر» لدى الأنظمة العربية، ولنتأمل خيراً أن تمتد هذهالثورة لتلحق بقية الطغاة بمصير (شين الفاجرين).. الخ)، كلامه في مقال طويل ليس عليه نور الكتاب والسنة بل أكثره سب وشتائم واتهامات وتهييج وإثارة وتفنن بالعبارة أشبه ما يكون بموضوع تعبير لينال فيه درجة كاملة!!
أقول: لست آسفا على سقوط الرئيس التونسي ابن علي فلا يجمعني به مذهب ولا منهج ولا نسب ولا شراكة لكن الذييؤسفني ويؤلمني واحذر منه واحذر غيري هذا المنهج الثوري التكفيري الذي يتبناه ويتمناه ذلك الكاتب وأمثاله، فهو يريد وبكل صراحة ووقاحة أن تحصل انقلابات وثورات في جميع الدول العربية ولم يستثن منها شيئا وكل عاقل يدرك ماذا ستخلّفه هذه الثورات من إنزاف للدماء ودمار للدول والشعوب وذهاب للدين والدنيا، ولو كان ما يدعو إليه من أجل إقامة التوحيد ونصر السنة وإعلان الجهاد المشروع لتكون كلمة الله العليا لكنا أول من يضع يده معه، عن أبي موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: من قاتلَ لتكون كلمةَ الله هي العليا فهو في سبيل الله. رواه البخاري (2810)، ومسلم (1904)

(إنهم لا يتعظون بما مضى)

السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ به غيره، قبل ثلاثين سنة فرح بعض الناس بسقوط شاه إيران وانخدع كثير من الناس بالبديل القادم وتبادلوا التهاني واستبشروا خيرا وظنوا أن سقوط دولة الصهاينة ستكون على يديه.. ودعا من دعا إلى الصلاة على شهداء إيران وأرسلوا برقيات التهنئة وأحرقوا علم «إسرائيل» ورفعوا علم «فلسطين» ثم ما النتيجة التي ظفروا بها؟ لا شيء!! سوى ثلاثين سنة من الرعب والتهديد المستمر للمنطقة وأهلها. وبعدها قام الإخوان المسلمون بمواجهة احد حكام دولة عربية فكانت النتيجة أن سحق منهم ومن غيرهم عشرات الآلاف وسجن من سجن وفر من فر والنتيجة لا شيء!! وبعدها اشتعلت حرب ضروس في الجزائر راح ضحيتها أعداد هائلة من الأبرياء لا يحصيهم إلا الله والنتيجة لا شيء!! وبعد هذه الحوادث وقبلها وقع ما وقع ولم نظفر بعز للإسلام والمسلمين بل لا نحصد إلا الويلات والدمار واليوم سقط الرئيس التونسي بن علي فما البديل القادم؟ هل سيحكم الحاكم المقبل بالكتاب والسنة؟ هل سيقيم العدل ويقيم الصلاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؟ يقينا لن يحصل هذا حسب الأوضاع المحلية والدولية إلا إن يشاء الله تعالى، فكل المؤشرات تشير الى اقامة دولة – ان قامت –متعددة الاحزاب متعددة العقائد والاديان والمذاهب والاتجاهات من قومية وليبرالية وشيوعية واسلامية «منحرفة» وغير ذلك يعني ايضا حكومة طاغوتية وحاكم طاغوت جديد اذن على ماذا تهنئ بسقوط أحد الطغاة وقدوم آخر؟!

(قل ما في قلبي ولا تقل ما في لساني)

يروى ان مدرسا اعجميا يقرئ طفلا القرآن الكريم فيقول له اقرأ غير المغزوب عليهم ولا الزالين فيقلب الضاد زايا، فاذا بالطفل يقرأها كذلك غير المغزوب عليهم ولا الزالين!! فقال المدرس: بابا قل ما في قلبي ولا تقل ما في لساني!! أخي القارئ الكريم اذا قلت فما مناسبة هذه القصة اللطيفة؟ فأقول: دعاة الفتنة ذكروني اياها!! احدهم كتب مقالا بعنوان «تونس فورة غضب وثورة شعب» قال في مطلع مقاله: «لم يكد محمد البوعزيزي – طيب الله ثراه – يفارق الحياة حتى بعث بموته عقولا واحيا قلوبا وحرر امما وحرك شعوبا كما دك طغاة وعروشا واسقط مذاهب ونظريات طالما كانت قيدا على العقول والافكار كل ذلك بفورة غضبه وثورة شعبه»! ثم اتم مقاله الطويل ليخلص فيه الى ان محمد بوعزيزي مات شهيدا مستحقا للشهادة بأكثر من وجه، وكذلك على حد تعبيره «ومن خرج – كما جرى في مظاهرات تونس – احتجاجا ودفاعا عن حقه ودينه وعرضه وماله ولقمة عيشه ووطنه فقتل فهو شهيد!».
اقول: لاشك هذه دعوة صريحة وجريئة جداً من هذا الثوري الفتان لكن الغريب والعجيب أنه قال قبل نهاية المقال بقليل (اننا لا ندعو – كما يتوهم سدنة الطاغوت – الى ان يقتل الشباب انفسهم) انتهى كلامه سبحان الله بعد كل هذا التمجيد الذي مجدت به محمد بو عزيزي من كونه مات شهيداً وقدم للامة ما قدم وشجعت القارئ والسامع ان يخطو خطوته ويحذو حذوه تقول (لا ندعو ان يقتل الشباب انفسهم)!! مابقي الا ان تقول (بابا قل ما في قلبي لا ما في لساني).
ومثله كاتب ثوري اخر معروف بالتهييج كتب مقالاً بعنوان منهج السلف اعدل!! باسلوبه المعروف كالمعتاد لم يأت بجديد لكن بعد التهييج والدعوة الى الفوضى قال اخيرا بالحرف الواحد (كلامي هذا ليس دعوة الى الفوضى والغوغائية)
اقول: سبحان الله تشابهت اقوالهم فنجده يقول قولاً ليصل الى عقول الناس منهجاً خاصاً ثم يحتاط لنفسه فيختم بقوله (كلامي ليس دعوة الى الفوضى والغوغائية). صدق عليه ما قيل قديماً«كاد المريب ان يقول خذوني». ذكرني والله بما يفعله بعض العامة تجده يغتاب اخاه المسلم ويستطيل في عرضه ويذكره بما يكره وفي النهاية يقول: وليست هذه غيبة له وانما هي الحقيقة!! فاته بان الله تعالى لاتخفى عليه خافية {يعلمُ خائِنةَ الأعينوماتخْفي الصدُورُ}. (غافر: 19).

(سباحة في الماء بلا بلل ومظاهرات بلا تخريب)

ومثل هؤلاء من دعاة الفتنة من يظهر علينا بين الحين والاخر ممن يدعو الى المظاهرات والمسيرات التي لا علاقة لها بالاسلام والمسلمين لا من قريب ولا من بعيد والتي افتى العلماء بتحريمها مطلقاً سواء اذن بها ولي الامر او لم يأذن بها والتي في حقيقتها خراب ودمار وسفك للدماء وضياع للدين والدنيا. ليس لهم فيها مستند شرعي سوى ان الحزب يدعو لها، فلا يسعهم الا السمع والطاعة المطلقة لان في اعناقهم بيعة لابد من الوفاء بها وزعموا بأن المظاهرات والمسيرات لا بأس بها اذا كانت سلمية!!
اقول: سبحان الله وهل يتصور عاقل له بصر وبصيرة ان هناك مظاهرات ضد الحاكم يأذن بها وتكون سلمية؟! أقول: لو تصورنا ان هناك خارج الذهن سباحة في الماء بلا بلل يمكن ان نتصور مظاهرات بلا تخريب، انها الحقيقة ولكن ماذا نصنع مع المكابرين.

(الجامع لدعاة الفتنة والقاسم المشترك)

كل من قرأ وتابع دعاة الفتنة يجد هناك قواسم مشتركة تدل على انهم «مشكاة» واحدة منها: -1 الخروج عن كلام العلماء فلا تكاد تجدلهم استدلالا بأقوال العلماء الا قليلا فيما اذا وجدوا قولا يفهم منه ولو من بعيد ما يوافق آراءهم.
-2 قلة الاستدلال بالأدلة من الكتاب والسنة.
-3 التكفير العام للحكام والحكومات والتركيز على هذا الباب.
-4 التناقضات الكثيرة، واذكر على سبيل المثال مثالين:
أ – تكفيرهم للحكومات التي تحكم بالديموقراطية مع مشاركتهم المستمرة بالانتخابات.
ب – تأييدهم لحركة حماس الموالية لإيران مع عدائهم للدولة الصفوية.
-5 كثرة السب والشتم والهمز واللمز والتنابز بالألقاب خصوصا الكاتب (….) فوالذي نفسي بيده ما مر علي في حياتي قط كاتب اسلامي خطيب يشتم ويلزم مثل هذا الكاتب!! بل قد يستحي الليبرالي والعلماني ان يسخر باللحية كسخريته، فقد كتب مقالا بعنوان اللحى المستعارة!! جاء في مقاله هذه السطور الآثمة في حق الخطباء الذين خطبوا خطبة وزارة الاوقاف الموزعة على جميع مساجد الكويت في وجوب طاعة ولي الامر بالمعروف، يقول: «وأما فتاوى الطاعة المطلقة للسلطة والانقياد الاعمى لها، واضفاء الشرعية على الاستبداد واهدار حقوق الشعوب وإلغاء دورها فما هو الا دين الشيطان وهو دين (اللحى المستعارة) التي يوظفها ابليس لتشويه صورة الشريعة الاسلامية واظهارها بمظهر قساوسة الكنيسة في (عصور ما قبل النهضة) ليصد الناس عن دين المرسلين وشريعة رب العالمين!! والعجب والله كثرة هذه اللحى المستأجرة هذه الايام، حتى تكاد تتشابك من كثرتها فتسد علينا الطرقات وتحجب عنا ضوء الشمس! حتى لم يبق شيء من الخبال على امة الاسلام الا وافتروه على دين الله تعالى. فأجازوا احتلال الصليبية للبلاد الاسلامية، واحلوا لها دماء المسلمين وحرموا الجهاد لتحرير بلاد الاسلام وزينوا للظلمة طغيانهم، ثم وضعوا توقيعاتهم الملعونة على كل دم سفك ظلما وعلى حكم صدر بغيا وعلى كل حق اهدر وعلى كل قول حر صودر فهم والله من اعظم المصائب على امتنا لاسيما في هذا العصر قطع الله دابرهم واراح المسلمين من شرهم» انتهى كلامه.
اعتذر اخي القارئ عن نقل هذا الكلام المزعج لكن للضرورة احكاما اردت ان اطلعك على مستوى هذا الكاتب والاسلوب الذي يتعامل به مع من خالفه في عقيدته ومنهجه!! ولو شئت لأقسمت بانه يعجز ان يصرح لنا بأسماء خمسة اشخاص بهذا الوصف الذيذكره مع انه قال انهم «كثرة». بل لو سألته هل هؤلاء مسلمون او كفار او منافقون؟ لعله سيقول «لا اكفرهم» فإن قلت له: لكنك وصفتهم بما قد لا تتوفر تلك الاوصاف في كثير من الكفار فلعله سيقول: «بابا قل ما في قلبي ولا تقل ما في لساني»!! على كلحال يا (….) الله الموعد.
اللهم جنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله اولا وآخرا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.


شارك المحتوى: