هل يصح التبرُّك بغار حراء؟ لأنَّ النبي ﷺ مسَّه ببشرته؟ وهل يصح الصلاة فيه من باب التأسِّي؟


يقول السائل: هل يصح التبرُّك بغار حراء؟ لأنَّ النبي ﷺ مسَّه ببشرته؟ وهل يصح الصلاة فيه من باب التأسِّي؟

الجواب:

ينبغي أن يُعلَم أنَّ التبرُّك عبادة، وأنَّ الأصل في العبادات المنع والحظر، وقد دلَّ على هذا أدلة الكتاب والسنة والإجماع، وحكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وكلام السلف كثيرٌ في هذا.

إذن الأصل في العبادات المنع والحظر إلا بدليل، والتبرُّك عبادة، فلا يُتبرَّك إلا بما ثبَتَ التبرُّك به، وما لم يثبت التبرُّك به فلا يصح أن يُتبرَّك به، فمَن تبرَّك بأمرٍ لم يثبت التبرُّك به فقد تعبَّد بلا دليل، ومَن تعبَّد بغير دليل وقعَ في البدعة.

أخرج البخاري ومسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن أحدَث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ».

وأخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أنَّ النبي ﷺ قال: «وكلُّ بدعةٍ ضلالة».

إذا تقرَّر هذا، فإنَّ النبيَّ ﷺ مسَّ أشياء كثيرة بيده، وصلى في أماكن كثيرة، وهذه الأماكن ما بين أمرين:

الأمر الأول:أنه تقصَّد الصلاة فيها لذاتها، فمثل هذا يُستحبُّ التقصُّد للصلاة فيه، كمِثل الصلاة في الروضة، فقد ثبت في البخاري من حديث سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ كان يتقصَّد الصلاة في الروضة.

ومن أمثلة ذلك: الصلاة خلف مقام إبراهيم لمن طاف بالبيت، فقد ثبت في حديث جابر -رضي الله عنه- الذي أخرجه مسلم أنَّ النبي ﷺ كان يتقصَّد الصلاة خلف مقام إبراهيم.

إذن ما تقصَّد النبيُّ ﷺ فعلَه فيُتقصَّد فعلُه، وما لم يتقصَّد فعلُه فإنه لا يُتقصَّد فعلُه، كالصلاة في طريقٍ بحيثُ إنَّ الصلاة حلَّتْ ودخلَ وقتُها فصلى في هذا الطريق ﷺ، أو كان عند بعض الصحابة فصلى لهم ﷺ، كما صلى في حديث أنس في الصحيحين مع أم سليم وأنس -رضي الله عنهما- صلاة نافلةٍ صلاة جماعة، فمثل هذه الأماكن لم يتقصَّدها ﷺ فلا يصح تقصُّدها، وتقصُّدها خطأ.

وهذا أمرٌ ينبغي أن يُفقَه وأن يُعرَف، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم) وكما في (مجموع الفتاوى) أنَّ المتابعة في النيات أبلغ من المتابعة في العمل الظاهر، فما تقصَّده يُتقصَّد، وما لم يتقصَّده لا يُتقصَّد.

لأجل هذا ثبت عند ابن أبي شيبة عن المعرور بن سويد أنه قفَل مع عمر مِن الحج، فصلوا الفجر ثم رأى عمر -رضي الله عنه- أُناسًا يبتدرون مكانًا يصلونَ فيه، فسأل فقالوا: هذا مكانٌ صلى فيه النبيُّ ﷺ، فقال عمر: إنما أهلَك مَن كان قبلكم بتتبُّعهم آثار وبيع أنبيائهم، فمَن أدركته الصلاة فليُصل ومَن لم تُدركه فلا يصل.

لأنَّ هذه الأماكن لم يتقصَّدها ﷺ.

إذا عُرِف هذا، أنتقِلُ إلى الأمر الذي بعده -وهو مهم- فرقٌ بين التأسِّي والتبرُّك، بمعنى: قد يتقصَّد النبيُّ ﷺ الصلاة في مكان كما تقدم، فيُقال: يُتأسَّى به ويُصلى في هذا المكان ولا يُتبرَّك به، ففرقٌ بين التأسِّي والتبرُّك.

فالصلاة في الروضة لا يُقال يُتبرَّك بها وإنما يُقال: يُتأسَّى بالنبي ﷺ، ومثل ذلك الصلاة خلف مقام إبراهيم.

أما التبرُّك فقد ثبت عند ابن أبي شيبة وابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن قسيط، وجاء عند ابن أبي شيبة: يزيد بن عبد الملك، وهو خطأ، قال: إنَّ نفرًا مِن أصحاب النبي ﷺ كان إذا خلا المسجد تمسَّحوا برمانة المنبر ودعوا. في هذا أنهم تبرَّكوا بهذه الرمانة، فدلَّ هذا على أنه يُتبرَّك بها، كما ذهب إلى هذا الإمام أحمد -رحمه الله-.

لكن أُنبِّه إلى أمرين:

الأمر الأول:المنبر احترقَ كله برمانته، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الآن غير موجود.

الأمر الثاني:مع أنه ثبت التبرُّك بالرمانة وكانوا يفعلون ذلك، إلا أنهم ما كانوا يفعلونه أمام العامة؛ لأنَّ العامة يُفتَنون ويغلون في مثل هذا.

إذا عرفت هذا، عرفت الخطأ الكبير الذي يقع فيه دعاة التبرُّك مِن الصوفية وغيرهم، أنهم يشحذون همم الناس ويدعونهم إلى التبرُّك، وهذا خلاف طريقة الصحابة فيما ثبت التبرُّك به، في أمورٍ يخشون أن يحصل الغلو فيها كالرمانة.

إذا تبيَّن هذا كله، فإنَّ مِمَّا يُعينُ كثيرًا في معرفة ما يصحُّ التبرُّك به وما لا يصحُّ التبرُّك به أمران:

الأمر الأول:أنَّ التبرُّك بأيِّ شيءٍ عبادة، والعبادات الأصلُ فيها المنع والحظر إلا بدليل.

الأمر الثاني:النظر إلى هدي صحابة رسول الله ﷺ، فقد كانوا أحرَص الناس على دين الله، فتبرَّكوا بما يصح التبرُّك به وتركوا ما لا يصح التبرُّك به، فلذا لا يصح لنا أن نتبرَّك بعد ذلك بأشياء لم يتبرَّكوا بها، ومِن ذلك التبرُّك بغار حراء، فإنَّ مثل هذا بدعة، ومِن ذلك تقصُّد الصلاة في غار حراء، فإنَّ مثل هذا خطأ ولا يصح أن يُفعَل.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

454_1


شارك المحتوى:
0