يقول السائل: هل يصح إخراج المال في صدقة الفطر بدلًا مِن صاعِ طعامٍ؟
الجواب:
إنه على أصح قولي أهل العلم لا يصح أن يُخرَج المالُ في صدقة الفطر، وإلى هذا ذهب مالكٌ والشافعيُّ وأحمد، ويدل لذلك أدلة، منها ما يلي:
الدليل الأول: أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَ بصاعٍ مِن طعام، عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: فرضَ رسولُ الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا مِن تمرٍ، وصاعًا مِن شعيرٍ …إلخ. فمَن أخرجَ المال فقد خالَف ما أمرَ به رسولُ الله ﷺ، ونحن مأمورون أن نتَّبع ما جاء في كتاب الله وسنة النبي ﷺ.
الدليل الثاني: أنَّ هناك فرقًا بين صدقة الفطر وصدقة المال، فإنَّ صدقة المال بسببِ المال، من بهيمة الأنعام السائمة، أو عروض التجارة، أو النَّقدين …إلخ، أما صدقة الفطر فهي تتعلق بالأشخاص وأفراد المسلمين، لذا تجبُ حتى على الفقير إذا كان يملك ما يفضلُ عن قوت يومه، كما ثبتَ عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، فهي إذن تتعلق بالأشخاص لا بالمال.
الدليل الثالث: أنَّ إخراج المال لو كان مُرادًا شرعًا لبيَّنه النبيُّ ﷺ ولَبَيَّنه الصحابة الكرام، ولم يثبت في ذلك شيءٌ لا عن النبي ﷺ ولا عن صحابته -رضي الله عنهم-.
الدليل الرابع: أنَّ صدقة الفطر شعيرةٌ ظاهرةٌ، وتظهرُ في أواخرِ رمضان ويوم العيد، فَتَرى الناسَ في آخر رمضان يُظهرون بيعَ قوت البلد مِن أرزٍ أو غير ذلك، هذا يبيع وذاك يشتري …إلخ، فهي شعيرة ظاهرة، وهذا بخلاف صدقة الأموال فإنها ليست شعيرةً ظاهرة، ففرقٌ بين الأمرين، وهذا شبيهٌ ببيعِ بهيمة الأنعام كالإبل والبقر والغنم في عيد الأضحى، فإنه شعيرةٌ ظاهرةٌ، هذا يبيع وذاك ويشتري …إلخ، وهذا ما لا يوجد في صدقة الأموال.
الدليل الخامس: أنَّ النبيَّ ﷺ جعلَ صدقة الفطر صاعًا مِن تمرٍ، وشعيرٍ، …إلخ، ومِن المعلوم أنَّ قيمة الصاع الذي مِن الشعير يختلف عن قيمتِه مِن تمرٍ ومِن أقِط …إلخ، فدلَّ هذا على أنَّ القيمة غيرُ معتبرة ولا يُلتفَت إليها، وإنما المراد صاع، سواء كان قيمةُ التمر أكثرَ مِن قيمة الشعير أو أقل، وهذا دليلٌ دقيق ذكره الخطابيُّ -رحمه الله تعالى- في شرحه على سنن أبي داود.
فلما أرجعَ النبيُّ الأمرَ إلى الصاع، وتختلف قيمة الصاع باختلاف الأطعمة، ومع ذلك لم يلتفت إلى هذا، فدلَّ هذا على أمرٍ مهمٍّ وهو أنَّ القيمة غيرُ معتبرة، وإنما المراد هو الصاع.
بعد هذا، أُنبِّه إلى تنبيهين:
التنبيه الأول: ينبغي عند بحث هذه المسائل ألا يكون المرجعُ فيها إلى العقول والعواطف، فإنَّ بعض الناس قد يظن ببادئ رأيه أنَّ المال أنفع للفقير، فلذا يدعو إلى أن تكون صدقة الفطر مالًا، وينبغي أن يُعلَم أنَّ المرجع في مثل هذه الأمور إلى الأدلة من الكتاب والسنة، ولو رُجع إلى الأدلة الخمسة التي تقدم ذكرها لعُلِمَ أنَّ هناك فرقًا بين صدقة المال وصدقة الفطر التي هي ترجع إلى الأشخاص لا إلى الأموال.
التنبيه الثاني: بعضهم يريد أن يُجوِّز كثيرًا مِن مسائل الشريعة بحُجَّة أنَّ فيها خلافًا، فجعلَ الخلافَ دليلًا، وهذا خطأ، فإنَّ الخلاف ليس دليلًا، بل الدليل في الكتاب والسنة، فنحن مأمورون عند الخلاف أن نرجع إلى الكتاب والسنة، لا أن نجعل الخلاف دليلًا، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وقد ذكر ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) وشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (رفع الملام) أنَّ الخلاف ليس دليلًا بإجماع أهل العلم، بل الخلاف مُحتاجٌ إلى الدليل، فلا يصح لأحد أن يقول إنَّ مثل هذا يجوز لأنَّ فيه خلافًا، بل الواجب الرجوع إلى الأدلة الشرعية إذا كان ذا معرفة، وإذا كان غير ذي معرفة بأن كان عاميًّا مُقلِّدًا فإنه يرجع إلى مَن يثقُ به مِن أهل العلم.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.