يقول السائل: عندي سؤال يتعلق بحديثين، الحديث الأول: حديث بئر بضاعة، من العلماء من يُضعفه ومنهم من يصححه، والمضعفون يُعلونه بالجهالة في إسناده، والمصححون قالوا الجهالة مرفوعة بتصحيح أحمد وغيره من الحفاظ له.
والحديث الثاني: حديث القلتين، أيضًا مُختلف فيه، ومَن صححه قال: إنَّ له طريقًا واحدًا يصح، ومن ضعفه قال: هذا حديث معلول بعللٍ، شاذ ومضطرب سندًا ومتنًا، وقد عُلل بالوقف والنكارة، وبأنه لم يصح مقدار القلتين عن النبي ﷺ وبمخالفته لحديث بئر بضاعة، أرجو منك التوضيح والتوجيه.
الجواب:
أما الحديث الأول -وهو حديث بئر بضاعة- فهو ما أخرج الثلاثة من حديث أبي سعيد أنَّ النبي ﷺ قال: «إنَّ الماء طهور لا ينجسه شيء»، وهذا الحديث تنازع العلماء فيه تصحيحًا وتضعيفًا، وأصح طرقه ما ذكره الترمذي وهو طريق أبي أسامة عن وليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، هذا هو أصح هذه الطرق كما بيَّن ذلك الترمذي -رحمه الله تعالى-.
والعلة في هذا الحديث أنَّ في إسناده الجهالة التي تقدم وأشار إليها السائل، وهو أنَّ عبيد الله مجهول لم يُوثقه معتبَر، فلذلك المُضعِّف له يحتجّ بأنَّ في سنده مجهولًا ولا يصح الاعتماد على رواية المجهول.
لكن الجواب أنَّ جهالة عبيد الله بن عبد الله بن رافع لا تضر في مثل هذا الحديث؛ وذلك أنه تابعيٌّ وروى عنه جمعٌ مِن الثقات …إلخ، لكن مثل هذا أيضًا لا يكفي في التصحيح، وإنما يُسهَّل في هذا الحديث لأنَّه لم يأت بحكم جديد.
فقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] (ماء) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم، فدلَّ هذا على أنه يُتطهَّر بكل ماء إلا إذا دلَّت الشريعة على حرمة هذا الماء، كأن يكون نجسًا، وهذا يدل على ما يدل عليه حديث بئر بضاعة.
وثبت عند الدارمي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: “إن الماء طهور”، فالحديث لم يأتِ بحكم جديد، لذا لم يُشدد فيه كثير من الحفاظ، كالإمام أحمد، ويحيى بن معين، وغيرهم، وإنما تساهل فيه لأنه لم يأت بحكم جديد، لاسيما والجهالة في طبقة التابعين وفي رجل روى عنه جمع من الثقات إلى غير ذلك، فهذا أيضًا مما لا يجعل الباحث يُشدد في الحديث.
أما الحديث الآخر -وهو حديث القلتين- فقد حصل نزاعٌ كثير فيه بين أهل العلم ما بين مُصححٍ ومُضعِّف، والأظهر -والله أعلم- أنَّ الحديث صحيح، صححه الإمام يحيى بن معين، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، بل قال الخطابي: نجوم أهل الحديث على تصحيحه.
والحديث قد تُنوزع في رفعه ووقفه إلى غير ذلك، ومثل هذا الحديث -والله أعلم- لا يُشدد فيه؛ لأنه أيضًا لم يأتِ بحكمٍ جديد، وذلك لأوجه:
الوجه الأول: أنَّ الحديث خرجَ مخرج جوابٍ عن سؤال، والقاعدة الأصولية: أنَّ ما خرج مخرج جواب على سؤال فلا مفهوم له، وهذه القاعدة الأصولية قد أجمع عليها أهل العلم، فإذا كان كذلك فلا يُقال إنَّ الماء مُحدَّدٌ بالقلتين.
الوجه الثاني: أنَّ مفهوم المخالفة للحديث يحتمل أنَّ الماء ينجس بمطلق ملاقاة النجاسة، ويحتمل أنه قد ينجس، كما بيَّن هذا الاحتمال شيخ الإسلام ابن تيمية، فإذا كان كذلك فإذا توارد الاحتمال بطَلَ الاستدلال.
الوجه الثالث: أنَّ مخرج الحديث مدنيّ، وأهل المدينة لا يعملون بالتحديد، فدلَّ على أنه لا يفيد التحديد، كما بيَّن هذا الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه (تهذيب السنن).
الوجه الرابع: أنَّ القِلال أنفُسها غير منضبطة، فكيف يُحال الناس على مسألةٍ دقيقة تتعلق بالطهارة والصلاة في أمرٍ غير منضبط ولا دقيق؟
فكل هذا يدل على أنَّ الحديث لم يأتِ بحكم جديد.
فإن قيل: لمَ ذكر القلتين في الحديث؟
فيقال: ذكرها من باب الغالب، فإنَّ الماء الذي دون القلتين في الغالب ينجس بملاقاة النجاسة، فخرجَ مخرج الغالب فتُسهِّل فيه، لاسيما وقد كان الحديث كله جوابًا عن سؤال.
إذا تبيَّن ما تقدم ذكره اتَّضح أنَّ الحديث لم يأت بحكم جديد، فلذلك لا يُشدد فيه، وإنما يُقال من جهة الدراية: الماء طهورٌ إلا إذا تغيَّرت أحد أوصافه الثلاثة: ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة، لابد أن يجتمع الأمران:
الأمر الأول: أن يتغيَّر أحد أوصافه الثلاثة.
الأمر الثاني: أن يكون بنجاسة.
فإذا كان كذلك فهو نجسٌ بالإجماع.
وأيضًا في هذا الحديث أنَّ الماء قسمان، إما طهورٌ أو نجس، فكل ماءٍ ليس نجسًا فهو طهور يُتطهَّر به، لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] على ما تقدم تقريره.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.