هل إنكار اليوم الوطني في دولتي خطأ لأنه من الإنكار على الحاكم؟


يقول السائل: هل إنكار اليوم الوطني في دولتي خطأٌ لأنه مِن الإنكار على الحاكم؟

الجواب:

إنه يجب أن يُعلَم أنَّ إنكار المنكر واجبٌ في شرع الله، بل هو فرضُ كفاية، كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 110] وأخرج مسلم مِن حديث أبي سعيد أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».

فإنكار المنكر واجب، ومَن لم يُنكر المنكر مع استطاعته بعد تعيُّنه عليه فإنه آثم، لذا يجب علينا أن نُنكر جميع المنكرات ولو باللسان ما لم يترتَّب على الإنكار مفسدةٌ أكبر.

إلا أنه ينبغي أن يُعلَم أنَّ إنكار المنكر كغيره مِن العبادات لها طريقها الشرعي، فلا يصح أن تُتَّخذ عبادة إنكار المنكر وسيلةً لتهييج الناس على الحكام، كما فعل ذلك عبد الله بن سبأ، فقد أخرج ابن جرير في تاريخِه عن عبد الله بن سبأ اليهودي التي تظاهَر بالإسلام وكان سببًا للفتنة على عثمان -رضي الله عنه- قال: استميلوا قلوب الناس بإظهار الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر وبإظهار عيوب أمرائكم.

ومما بيَّنته الشريعة أنَّ النُّصح مطلوب لجميع المسلمين، أخرج مسلم من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الدِّين النصيحة»، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فأفردَ أئمة المسلمين عن عامة الناس، فدلَّ هذا على أنَّ لهم طريقة تختلف عن عامة الناس، كما أشار لهذا ابن أبي عاصم في كتابه (السنة)، وذكر هذا العلامة السعدي -رحمه الله-.

وقد فسَّر ذلك الصحابة -رضي الله عنهم-، فقد أخرج الشيخان مِن حديث أسامة بن زيد أنه قيل له: ألا تأمر عثمان بالمعروف وتنهاه عن المنكر؟ قال: إني لأكلمه فيما بيني وبينه حتى لا أكون مُفتتحًا لباب فتنةٍ.

وأخرج ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وغيرهما عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ سعيد بن جبير قال له: ألا أقوم إلى السلطان فآمره بالمعروف؟ قال: إن كان ولابد ففيما بينك وبينه. وزاد سعيد بن منصور أنه قال: ولا تغتب إمامك.

وأخرج الإمام أحمد وابن أبي عاصم وغيرُهما عن عياض بن غَنم أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن كان عنده نصيحة لذي سلطان فليأخذه بيده وليخلُ به، فإن استجاب منه فذاك وإلا فقد أدَّى الذي عليه».

فإذن لا يجوز لأحد أن يُشهِر منكرات السلطان وأن ينسبها إلى السلطان والحاكم، فيقوم على المنابر فيقول: إنَّ الربا محرم، وإنَّ الحاكم أتى به. أو أن يقول: إنَّ الاحتفال بمولد النبي ﷺ محرم وإنَّ الحاكم أتى به. هذا لا يجوز في شرع الله، وهو خلاف طريقة السلف، كما بيَّن ذلك جمعٌ مِن العلماء، كما أشار لذلك النووي وابن حجر، وبيَّن ذلك جمعٌ مِن أئمة الدعوة كالشيخ العلامة سعد بن عتيق، وابن عنقري، وكالشيخ العلامة عبد العزيز بن باز، وابن عثيمين، وغيرهم مِن أهل العلم -رحمهم الله تعالى-، ويدل لذلك ما تقدم ذكره مِن الأدلة.

لذا مَن كان يريد نُصح السلطان فليُنكر أمامَه، حتى ولو كان جهرًا، مع مراعاة المصالح والمفاسد، فإن قتله السلطان فهو خير الشهداء، وإن استجاب منه فالحمد لله، وإن كانت المصلحة تضر بأن يُنكر أمامه وأمام الناس بحضور الناس فليخلُ به، وهذا هو الأنفع غالبًا، لكن لنفرض أنَّ السلطان تكلم بالمنكر أمام الناس فيجب أن يوجد مِن المسلمين أن يقوم ويُنكر هذا المنكر أمام الناس علانية، إلا إذا ترتَّبت مفسدةٌ أكبر، فإن كان يترتَّب على هذا مفسدة أكبر فإنه يخلو به ويكلمه فيما بينه وبينه، أما أن يتكلم عليه وراءه مع عدم وجود السلطان فهذا خلاف طريقة السلف، وهي سببٌ للفتن.

وقد زلَّ في هذا كثيرٌ مِن الحماسيين وخالَف ذلك الحركيون وجعلوه سبيلًا لتهييج الناس على السلطان، وسببًا للفتن، فصاروا يُشهرون أخطاء السلطان علانية على المنابر وغير ذلك، وهذا خطأ كما تقدم ذكره، وهي طريقة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي تظاهر بالإسلام كما سبق.

إلا أنه ينبغي أن يُعلَم أمرٌ مهم، وهو أنَّ هناك فرقًا بين ما تقدم ذكره وبين أن يُنكَر المنكر من غير نسبته للسلطان، فيُنكر الرجل الربا أو يُنكر الاحتفال باليوم الوطني، أو غير ذلك مِن المنكرات مِن غير أن يتعرَّض للسلطان أو أن يذكره، وألا يذكره بطريقة تُهيج الناس على السلطان ولو تلميحًا، فإنَّ مثل هذا واجبٌ شرعًا؛ لأنه مِن إنكار المنكر، بدون أن يذكر السلطان، فيقوم الخطيب على منبره فيُنكر الاحتفال بمولد النبي ﷺ، أو يُنكر الربا، أو يُنكر المنكرات الأخرى التي وقع فيها السلطان مِن غير أن يذكر السلطان أو أن يُعرِّض به، فإنَّ مثل هذا واجبٌ شرعًا لأنه مِن إنكار المنكر.

والأحسن في مثل هذا إذا خشيَ أن تُوغَر صدور الناس على السلطان أن يُلطِّف الأمر بأن يذكر أمرًا يجمع الناس على السلطان بالدعاء له وغير ذلك، كما كان يفعل مشايخنا كشيخنا العلامة عبد العزيز بن باز، وشيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمهم الله تعالى-. أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا أهل غيرة لدينِه، مُرضين لربنا، على الطريق الذي يرضاه عنا، بأن نسلك طريق السلف الصالح، لا إفراط ولا تفريط، وأسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

504_1


شارك المحتوى:
0