الخطبة الأولى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الْحَجُّ: 1-2].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ قَدْ خَلَقَنَا فِي هَـٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِلِابْتِلَاءِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الْمُلْكُ: 2]، فَالْحَيَاةُ دَارُ ابْتِلَاءٍ وَامْتِحَانٍ وَاخْتِبَارٍ، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ الْفَوْزَ الْأَكْبَرَ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: 185]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الْحَشْرُ: 20].
وَقَدْ يَغْفُلُ الْعَبْدُ عَنْ نَعِيمٍ وَكَرَمٍ يُكْرِمُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَمْنِ وَرَغَدِ الْعَيْشِ، فَيُذَكِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِالْمَصَائِبِ وَالْبَلَاءِ حَتَّىٰ يَفِيقُوا وَيَعُودُوا إِلَى اللَّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾ [الْأَنْعَامُ: 43-44].
وَمِمَّا تَكَاثَرَتْ بِهِ الْأَدِلَّةُ أَنَّ كُلَّ بَلَاءٍ كَبُرَ أَوْ صَغُرَ، عَظُمَ أَوْ حَقُرَ، فَهُوَ بِسَبَبِ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، فَفِي يَوْمِ أُحُدٍ لَمَّا عَصَى الرُّمَاةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هُزِمَ الصَّحَابَةُ فِي ذَاكَ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعَدُوُّهُمْ هُمُ الْمُشْرِكُونَ أَعْدَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، وَمَعَ ذَلِكَ هُزِمُوا بِهَـٰذَا الذَّنْبِ، فَاسْتَغْرَبَ الصَّحَابَةُ وَتَعَجَّبُوا، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: 165].
وَفِي يَوْمِ حُنَيْنٍ أُصِيبَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِالْعُجْبِ لِكَثْرَتِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا﴾ [التَّوْبَةُ: 25].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي بَيَانِ خَطَرِ الذُّنُوبِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الْأَنْعَامُ: 129]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [الْمَائِدَةُ: 49].
وَمِنْ شُؤْمِ الذَّنْبِ أَنَّ الْبَلْدَةَ قَدْ تَكُونُ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً فَيَذْهَبُ أَمْنُهَا وَرَغَدُ عَيْشِهَا، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النَّحْلُ: 112].
فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَهْلَ الْإِيمَانِ أَنْ نُرَاجِعَ أَنْفُسَنَا عِنْدَ كُلِّ مُصِيبَةٍ تَنْزِلُ بِنَا، وَأَوَّلُ مَا نَتَّهِمُ أَنْفُسَنَا، إِنَّنَا إِذَا لَمْ نَتَّهِمْ أَنْفُسَنَا فَقَدْ وَقَعْنَا فِي خُدَعِ الشَّيْطَانِ وَتَلَاعُبِهِ.
وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ الْمَصَائِبَ أُمُورًا مُعْتَادَةً وَلَا تُبَالَ بِهَا، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنِ الْكَافِرِينَ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الْأَعْرَافُ: 95]، ﴿حَتَّىٰ عَفَوْا﴾: أَيْ كَثُرَ مَالُهُمْ وَخَيْرُهُمْ، ﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾: فَأَرْجَعُوا الْبَلَاءَ وَالْمَصَائِبَ إِلَىٰ أَنَّهَا أُمُورٌ مُعْتَادَةٌ تَجْرِي فِي هَـٰذَا الْكَوْنِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي أَثَرٌ فِي التَّسَبُّبِ فِي وُقُوعِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
أَمَّا أَهْلُ الْإِيمَانِ فَهُمْ عَلَىٰ خِلَافِ ذَلِكَ، لِذَا قَالَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَـٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الْأَعْرَافُ: 96]، وَهَـٰذِهِ عِبْرَةٌ أَيَّمَا عِبْرَةٍ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَلْبَابِ، اعْتَبِرُوا يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ وَرَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ، رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ فِي تَوْحِيدِكُمْ، رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ فِي تَمَسُّكِكُمْ بِالسُّنَّةِ وَتَرْكِكُمْ لِلْبِدْعَةِ، رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَعْصُوا اللَّهَ مُتَابَعَةً لِلْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ وَمُسَايَرَةً لِلْآخَرِينَ، وَأَنْ تَسْتَهِينُوا بِالذُّنُوبِ، فَإِنَّ الِاسْتِهَانَةَ بِالذُّنُوبِ مِنَ الْمُهْلِكَاتِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: ” إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا، هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعَرِ، إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّهَا عَلَىٰ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمُوبِقَاتِ “.
فَرَاجِعْ نَفْسَكَ فِي مَالِكَ، رَاجِعْ نَفْسَكَ فِيمَنْ تَحْتَكَ مِنْ أَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَأَبْنَائِكَ، رَاجِعْ نَفْسَكَ فِيمَنْ تَحْتَكَ مِنَ الْعُمَّالِ، رَاجِعْ نَفْسَكَ بِالْحَذَرِ مِنَ الظُّلْمِ وَأَذِيَّةِ الْآخَرِينَ، رَاجِعْ نَفْسَكَ فِي عَمُودِ الْإِسْلَامِ وَرُكْنِهِ الصَّلَاةِ، رَاجِعْ نَفْسَكَ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ.
أَسْأَلُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا بِالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ، أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَعُمَّ بِلَادَنَا وَبِلَادَ الْمُسْلِمِينَ بِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَطَاعَةِ الرَّبِّ الرَّحْمَـٰنِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّنَا فِي بَلَدٍ قَلَّ مَثِيلُهُ وَنَظِيرُهُ مُنْذُ قُرُونٍ، جَمَعَ بَيْنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَفِي الدِّينِ يَرْفَعُ رَايَةَ التَّوْحِيدِ وَالتَّمَسُّكِ بِالشَّرِيعَةِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَيْهَا، وَعُلَمَاؤُهُ عُلَمَاءُ تَوْحِيدٍ وَسُنَّةٍ لَا عُلَمَاءُ بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ، وَحُكَّامُهُ أَنْصَارٌ لِلدِّينِ وَيَغَارُونَ عَلَيْهِ وَيُمَكِّنُونَ أَهْلَهُ وَيُعِزُّونَهُ، أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَكُلُّ مَا تَرَىٰ أَمَامَكَ وَتَسْمَعُ مِنْ رَغَدِ الْعَيْشِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ وَالتَّطَوُّرِ وَالتَّقَدُّمِ وَالتَّحَضُّرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، ثُمَّ نَحْمَدُ وُلَاتَنَا وُلَاةَ التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الْجُهُودِ الْجَبَّارَةِ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ وَتَمْكِينِهِ.
وَتَقَعُ هَـٰذِهِ الْأَيَّامَ اعْتِدَاءَاتٌ مِنْ دُوَلٍ ظَالِمَةٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا مَا يَلِي:
الْأَوَّلُ: التَّوْبَةُ إِلَى اللَّهِ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النُّورُ: 31]، فَالتَّوْبَةُ سَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ وَدَفْعُ كُلِّ شَرٍّ.
الثَّانِي: أَنْ نَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ وَأَنْ نَشْكُرَ هَـٰذِهِ النِّعَمَ بِطَاعَتِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إِبْرَاهِيمُ: 7] الْآيَةَ.
الثَّالِثُ: أَنْ نَعْرِفَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْنَا بِوُلَاتِنَا الَّذِينَ يَسْعَوْنَ إِلَىٰ أَلَّا يَنْشُرُوا بَيْنَنَا الْهَلَعَ وَالْخَوْفَ وَالْجَزَعَ، بَلْ يَقُومُونَ بِجُهُودٍ جَبَّارَةٍ بِحِمَايَةِ هَـٰذِهِ الْبِلَادِ وَبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ دُونَ ضَجِيجٍ، مَعَ مُحَاوَلَةٍ شَدِيدَةٍ لِتَطْمِينِ النَّاسِ وَتَأْمِينِهِمْ.
الرَّابِعُ: الدُّعَاءُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ وَرِجَالِ الْأَمْنِ فِي جُهُودِهِمْ لِحِفْظِ هَـٰذِهِ الْبِلَادِ.
الْخَامِسُ: أَلَّا نَخُوضَ فِي هَـٰذِهِ الْقَضَايَا الْكِبَارِ، فَلَيْسَتْ مِنْ شَأْنِنَا بَلْ لَهَا رِجَالُهَا وَأَبْطَالُهَا وَقَادَاتُهَا وَفِي مُقَدِّمِهِمْ وُلَاةُ أَمْرِنَا، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النِّسَاءُ: 83]، فَإِيَّاكَ وَالْخَوْضَ فِي مِثْلِ هَـٰذِهِ الْأَحْدَاثِ السِّيَاسِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَىٰ لَيْسَ كُلُّ مَنْ خَاضَ فِيهَا يُحْسِنُهَا، ثُمَّ لَوْ قُدِّرَ أَنَّكَ أَحْسَنْتَهَا فَلَيْسَ بِيَدِكَ الْقَرَارُ، فَاشْتَغِلْ بِمَا يَنْفَعُكَ وَدَعْ مَا لَا يَعْنِيكَ، فَمِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ.
السَّادِسُ: أَنْ يَبُثَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا الْفَأْلَ الْحَسَنَ فِي نَفْسِهِ وَزَوْجِهِ وَأَوْلَادِهِ وَالْمُجْتَمَعِ، فَإِنَّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ مَحْمُودٌ وَيُرِيحُ النَّفْسَ وَيُقَوِّيهَا عَلَىٰ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ».
وَاقْطَعِ الْإِشَاعَاتِ وَالظُّنُونَ السَّيِّئَةَ وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، قَالَ اللَّهُ فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: 154]، فَظُنُّوا بِاللَّهِ خَيْرًا، فَمَنْ ظَنَّ بِاللَّهِ خَيْرًا وَجَدَ الْخَيْرَ بِإِذْنِ اللَّهِ.
السَّابِعُ: احْذَرْ نَقْلَ الشَّائِعَاتِ وَأَنْ تَكُونَ مُعِينًا لِأَهْلِ الْبَاطِلِ فِي نَشْرِ الْبَاطِلِ، وَاحْذَرْ أَنْ تَكُونَ سَبَبًا فِي نَقْلِ الْأَخْبَارِ غَيْرِ الصَّحِيحَةِ وَتَنَاقُلِهَا، وَحَاوِلْ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَئِدُهَا، فَإِذَا وَأَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا الْأَخْبَارَ الْكَاذِبَةَ انْقَطَعَتْ وَذَهَبَ عَلَى الْأَعْدَاءِ الظَّفَرُ بِنَشْرِ الْإِشَاعَاتِ الَّتِي تُوهِنُ النَّفْسَ وَتُضْعِفُهَا.
اللَّهُمَّ يَا مَنْ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا أَنْتَ يَا رَحْمَـٰنُ يَا رَحِيمُ، يَا مَنْ بِيَدِكَ كُلُّ شَيْءٍ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْكَافِرِينَ، اللَّهُمَّ يَا مَنْ بِيَدِكَ كُلُّ شَيْءٍ، عُمَّ بِلَادَنَا بِالْأَمْنِ وَجَمِيعَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ بِالْمُسْلِمِينَ كَيْدًا أَوْ مَكْرًا فَرُدَّ مَكْرَهُ وَكَيْدَهُ عَلَيْهِ، وَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الْأَنْفَالُ: 30].
اللَّهُمَّ اجْزِ وُلَاتَنَا وَرِجَالَ الْأَمْنِ وَالْعَامِلِينَ فِي الْمَيْدَانِ فِي أَمْنِ هَـٰذِهِ الْبِلَادِ وَبِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ عَنَّا خَيْرًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.