نحن نستقبل شهر رجب، ولو ذكرت لنا بعض البدع التي تُفعَل في شهر رجب


يقول السائل: نحن نستقبل شهر رجب، ولو ذكرت لنا بعض البدع التي تُفعَل في شهر رجب.

الجواب:

إنَّ مِن المعلوم أنَّ العبادات مبناها على التوقيف، فلا يصح لأحد أن يُحدِث عبادةً إلا إذا دلَّ الدليل الشرعي على ذلك، وإلا لوقعَ في البدعة، والبدعة مُسخِطةٌ لله، وهي أعظمُ جُرمًا مِن الكبائر -عافاني الله وإياكم-.

أخرج الشيخان من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ»، وأخرج مسلم عن جابر -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»، وأخرج البيهقي في كتابه (المدخل) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: ” كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنة “.

فمِن هذا يُعلَم أنه لا يوجد في الدِّين بدعةٌ حسنةٌ، ومَن قال ذلك فقد أخطأ خطأً بيِّنًا؛ لأنَّ الرسول ﷺ يقول: «وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ»، وابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: ” كل بدعةٍ ضلالة وإن رآها الناس حسنة “، فيجب أن نتقي الله وأن نحذر البدع كلها، وألَّا نُسوِّغ البدع باسم البدع الحسنة، فإنَّ هذا مِن الخطأ البيِّن الذي لا يجوز في الشريعة.

فلا يجوز أن يُمتطى تجويز البدع بحُجَّة أنَّ في الدِّين بدعةً حسنةً، بل البدعُ كلها ضلالة على ما تقدم بيانه.

وأهل الجاهلية كانوا يُعظِّمون شهر رجب، وقد سرى هذا إلى بعض المسلمين، فصاروا يُعظِّمونه ويُحاولون أن يُميِّزوهُ بعبادة لم تثبت عن سلف هذه الأمة، وهذا خطأ، أما لو ثبتت عبادة عن سلف هذه الأمة لصحَّ فعلها، أما أنه لم يثبت فإنَّ فعل هذا من البدع -عافاني الله وإياكم-.

ومن البدع التي تُفعَل في شهر رجب: أنه يُتقصَّدُ إكثارُ الصيام فيه، وهذا مِن البدع -عافاني الله وإياكم- وقد ثبت عند ابن أبي شيبة أنَّ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يضرب أكفَّ الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان، ويقول: كلوا فإنما هو شهرٌ كان يُعظِّمه أهل الجاهلية.

فلا يصح أن يُخصَّ رجب بكثرة صيام، وإنما يُصام كغيره، فمَن كانت عادته أن يصوم الاثنين والخميس فليصمه في رجب، ومن تنشَّط في الصيام فليتنشَّط وليَزد، لا لأنه شهر رجب، لكن لأنه عبادة يتعبَّد بها الله سبحانه، فالمقصود أنْ يُعامَل هذا الشهر كغيره من الشهور، ولا يُتقصَّد بمزيد عبادة وعمل.

وثبت عند عبد الرزاق أنَّ عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- كان ينهى عن صيام رجب كله لئلا يُتَّخذ عيدًا، فتقصُّده بالصيام لا يصح، وهذا من المنكرات على ما تقدم ذكره.

لكن أُبيِّنُ أمرًا مهمًّا، وهو أنه يُستحبُّ صيام الأشهر الحُرم، فلو أنَّ رجلًا أراد أن يصوم أشهر الحرم كلها، كأن يصوم شهر محرم ورجب وذي القعدة وذي الحجة، فإنَّ هذا مستحبٌّ، فكما عند عبد الرزاق كان عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يصوم أشهر الحُرُم، وذهب إلى هذا الحسن البصري وأبو إسحاق السبعي والإمام سفيان الثوري، وجماعة من أهل العلم، فمَن صام الأشهر الحُرُم فإنَّ له أن يصوم شهر رجب، لا لذات رجب وإنما لأنه تبعٌ لأشهر الحُرُم.

فإذَن الذي أنكره عمر وابن عباس -رضي الله عنهما- هو أن يُصام رجب أو أن يُكثَر الصيام في رجب لأنه شهر رجب، أمَّا أن يُصام تبعًا للأشهر الحرُم، فهذا مستحبٌّ كما تقدم ذكره.

ومن البدع التي اشتهرت عند المسلمين في شهر رجب: بدعة صلاة الرغائب، وهي أن تُحيا الليلة الأولى مِن ليلة الجمعة ما بين المغرب والعشاء بالصلاة، وهذه من البدع التي أنكرها المسلمون، وبيَّنوا أنه لم يصح فيها حديث عن رسول الله ﷺ بإجماع أهل العلم، كما بيَّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، والعز ابن عبد السلام، والنووي، وجماعة من أهل العلم.

فلا يصح أن تُفعَل هذه البدع، ويجب أن تُنكَر، وسنستقبلها الليلة، لذا أدعو إخواني أن يجتهدوا في الكلمات في المساجد وتحذير العامة في المجامع وغيرها وفي رسائل الواتس وتويتر وغيرها من وسائل التواصل في التحذير من بدعة إحياء ما بين العشائين، وهي بدعة صلاة الرغائب.

بل ذكر الطرطوشي -رحمه الله تعالى- أنَّ هذه البدعة لم تحدث في الأمة إلا في القرن الخامس، فذهب القرن الأول والثاني والثالث والرابع ولم تُفعل، لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان ولا عليّ، ولا أئمة المذاهب الأربعة كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فلو كانت خيرًا لفعلها النبي ﷺ وصحابته الكرام، فدلَّ على أنها من البدع وليست خيرًا يُرضى الله به، فيجب أن تُنكر ويُحذَّر المسلمون من ذلك.

وأيضًا من البدع التي تُفعَل في شهر رجب: الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، فيزعمون أنَّ ليلة الإسراء والمعراج في اليوم السابع والعشرين من شهر رجب، فيُخصصون هذه الليلة باحتفالٍ وغير ذلك، وكل هذا من البدع، فإنه لم يصح حديثٌ معتمد في تبيين أنَّ الإسراء والمعراج في هذه الليلة حتى يُخصص بعبادة، كما بيَّن هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

ثم لو صحَّ أنَّ هذه الليلة -وهي ليلة السابع والعشرين من شهر رجب- قد أُسري فيها برسول الله ﷺ، فإنه لا يصح لنا في المقابل أن نُخصصها باحتفال أو نعبادة؛ لأنَّ هذا الأمر لو كان خيرًا لفعله رسول الله ﷺ، فليتقي الله المسلمون من الوقوع في البدع بتعظيم شهر رجب بما لم يثبت عن سلف هذه الأمة.

ولا أعرف شيئًا ثابتًا عن سلف هذه الأمة إلا العمرة في رجب، فقد ثبت عند الخلال أنَّه كان يُعجب ابن عمر العمرة في رجب، وأيضًا ثبت عند ابن أبي شيبة أنَّ عائشة كانت تعتمر في رجب، وذكر هذا بعض علماء الحنفية والمالكية، وجاءت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين، بل قال أبو إسحاق السبيعي فيما ثبت عند ابن أبي شيبة: كان أصحاب ابن مسعود لا يعدلون بعمرة رجب غيرها.

فالمقصود أنني لا أعرف شيئًا ثابتًا إلا الاعتمار في رجب، أما ما عدا ذلك فلم أرَ شيئًا ثابتًا عن سلف هذه الأمة، بل كلام العلماء كثير في إنكاره.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

393_1


شارك المحتوى:
0