من أحكام القرآن في رمضان


الخطبةُ الأولى:

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ مِنْ شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومَنْ يُضلل فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شركَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

أمَّا بعدُ:

فإنَّ أعظَمَ مِنَّةٍ ورحمةٍ مِنَ اللهِ لهذهِ الأمةِ المحمديةِ، أنْ مَنَّ عليها بدينِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ، وأَنْ أنزَلَ فيها كتابَهُ القرآنَ، ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: 2].

وإنَّ مِنْ فضائلِ هذا الشهرِ المباركِ شهرِ رمضانَ، أنه شهرُ القرآنَ، كما قالَ سبحانهُ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185] وقد كانَ سلفُنَا أهلَ إقبالٍ شديدٍ على قراءةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ شهرِ القرآنِ، بل روَى البخاريُّ ومسلمٌ عن ابنِ عباسٍ -رضي الله عنه- أنَّ جبريلَ كانَ يُدارِسُ النبيَّ ﷺ القرآنَ في كُلِّ ليلةٍ مِنْ رمضانَ.

وإليكُمْ بعضَ أحكامِ القرآنِ مختصرًا:

الحكمُ الأولُ: يعتقدُ أهلُ السنةِ في كتابِ اللهِ ما ذكرهُ اللهُ في كتابهِ، وأجمعَ عليهِ سلفُ هذهِ الأمةِ، من أنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ، مُنزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ، قالَ سبحانهُ: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]، وقالَ ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 75]

ومِنْ عِظَمِ القرآنِ أنهُ مُنزَّلٌ مِنْ عندِ اللهِ لا من عندِ غيرِهِ قال تعالى: ﴿حم (1) تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر: 1-2] وكما أنَّهُ سبحانه غيرُ مخلوقٍ، فكلامهُ وصِفتُهُ غيرُ مخلوقةٍ، ومَن اعتَقَدَ أنَّ كلامَ اللهِ مخلوقٌ فقَدْ كذَّبَ بالقرآنِ والسنةِ، وكفرَ بإجماعِ سلفِ هذهِ الأمةِ.

روَى الدارميُّ عَنْ عمرو بنِ دينارٍ -رحمه الله تعالى- أنهُ قالَ: أدركتُ الناسَ مَنْ سبعينَ سنةٍ مِنَ الصحابةِ ومَنْ دونهم، وكانوا يقولونَ: اللهُ خالقٌ وما سِواهُ مخلوقٌ، والقرآنُ كلامُ اللهِ مِنهُ بدأَ وإليهِ يعودُ.

الحكمُ الثاني: القرآنُ نزلَ هدايةً، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] فهو هدايةٌ للحكامِ في حكمِهم لشعبِهَم، وهدايةٌ للأبِ في تعاملِه مع أولادِه وزوجِه، وهدايةٌ للأخِ معَ أخيهِ، بل وهدايةٌ لإصلاحِ الحياةِ كلِها.

الحكمُ الثالثُ: تدبُّرُ القرآنَ، قالَ سبحانهُ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] وقالَ: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

ومعنى التدبُّرِ التفهُّمُ والتفكرُ في كتابِ اللهِ، إلَّا أنهُ في الأزمانِ الفاضلةِ كرمضانَ، والأماكنِ الفاضلةِ كالحرمِ المكِّيِّ ، يُستحبُّ الإكثارُ مِنْ قراءةِ القرآنِ، وأنْ تُقدَّمَ كثرةُ قراءتهِ على تدبُّرهِ، كما فعلَ ذلكَ سلفُ هذهِ الأمةِ، فقد كانوا يكثرونَ قراءةَ القرآنِ في الأزمانِ الفاضلةِ والأماكنِ الفاضلةِ، فأكثِروا من قراءةِ القرآنِ في شهرِ رمضانَ، ومما يعينُ على كثرةِ القراءةِ مجاهدةُ النفسِ على وردٍ يوميٍ، ومن لم يفعلْ ذلكَ ففي الغالبِ ينشطُ تارةٍ ويكسَلُ تاراتٍ.

وإذا مرَّتْ بِكَ آيةٌ مُشكلةٌ أو لفظٌ مُشكلٌ في القرآنِ، فحاوِلْ أنْ تفهمهُ بالرجوعِ إلى التفاسيرِ المُيسَّرةِ، ومِنْ أحسَنِها تفسيرُ العلامةِ عبدِ الرحمنِ بنِ سعديّ -رحمه الله تعالى-، وهوَ متوفرٌ متيسرٌ في المكتباتِ والجوالاتِ والمواقعِ الإلكترونيةِ وغيرِ ذلكَ.

والأحسنُ إذا مرَّتْ بِكَ آيةٌ مُشكلةٌ، قيِّدهَا ولا تتوقَّفْ مِنْ قراءةِ وِردِكَ، ثُمَّ إذا انتهَيْتَ من وردِكَ ارجِعْ وتفهَّمِ الألفاظَ والآياتِ المُشكلةَ عندكَ حتى لا ينقَطِعَ عليكَ وِردُكَ.

الحكمُ الرابعُ: إنه عِندَ قراءةِ القرآنِ تمرُّ بِنَا آياتُ السجدةِ، وعلى أصحِّ أقوالِ أهلِ العلمِ هيَ خمسَ عشرةَ آيةً، ولها علامتُهَا المعروفةُ، ويُستحبُّ لمَنْ قرأَ آيةَ السجدةِ أنْ يسجُدَ عِندهَا، ولها فضلٌ عظيمٌ، وهو ما روى الإمامُ مسلمٌ عَنْ أبي هريرةَ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ».

واللهِ لو لَمْ يكُنْ مِنْ فضلِها إلا أنْ يُبكَى الشيطانُ، لكانَ حَريًّا بِنَا ألَّا نُضيِّعَ السجودَ عندَ آياتِ السجدةِ، ويقالُ في سجودِ التلاوةِ ما يقالُ في بقيةِ السجداتِ.

الحكمُ الخامسُ: لا يجوزُ لمن عليه حدثٌ أصغرُ أنْ يمَسَّ المصحفَ بِلا حائلٍ ، وقَدْ أجمعَ الصحابةُ والتابعونَ على ذلكَ، كما حكاه جمعٌ مِنْ أهلِ العلمِ، كإسحاقِ بن راهويه، وشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ، وابنِ عبدِ البرِّ، وابنِ قدامةَ، وابنِ رجبٍ، ويجوزُ أنْ يقرأ القرآنَ مِنْ حِفظهِ دونَ مسهِ، أو أنْ يمسَّ المصحفَ بحائلٍ كأنْ يقرأَ في الجوالِ، فالقراءةُ في الجوالِ كالقراءةِ في المصاحفِ فلا فرقَ، لكن يجوزُ مسَّهُ؛ لأنهُ مَسٌّ للمصحفِ بِحائلٍ.

الحكمُ السادسُ: مَنْ كانَ عليهِ حدثٌ أكبرُ كالجنابةٍ فَلَا يجوزُ أنْ يقرأَ القرآنَ مِنْ حِفظهِ فضلًا عَنْ أنْ يمسَّ المصحفَ، روَى ابنُ أبي شيبةَ عَنْ عليِّ بنِ أبي طالبٍ -رضي الله عنه- أنهُ قالَ: أمَّا الجُنُبُ، فلَا، ولَوْ آيةٍ.

ورَوى البيهقيُّ في كتابهِ (الخلافيات) عَنْ عُمَرَ -رضي الله عنه- أنهُ ليسَ للجُنُبِ أنْ يقرأَ القرآنَ مِنْ حِفظهِ.

إذَنْ مَنْ عليهِ حدَثٌ أصغرٌ يجوزُ أنْ يقرأ القرآنَ مِنْ حِفظهِ، لكن لا يجوزُ لهُ أن يمَسَّهُ بِلا حائلٍ، أمَّا مَنْ عليهِ حدَثٌ أكبرُ كالجنابةِ فلا يقرأُ القرآنِ مِنْ حِفظهِ ولَا يَمسَّهُ مِنْ بابِ أولَى.

الحكمُ السابعُ: إنَّ عندَ خَتمِ القرآنِ دعوةً مُستجابةً، فاهتَبِلوا الدعواتِ عِندَ خَتمِ القرآنِ، ثبتَ عِندَ ابنِ أبي شيبةَ عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله عنه- أنهُ كانَ إذا ختمَ القرآنَ جمعَ أهلهُ ودعَا، لكن لا يجوزُ أنْ يُخصصَ دعاءٌ مُعيَّنٌ عند ختمِ القرآنِ ومَا يظنُّ بعضُ الناسِ مِنَ أن لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ دعاءَ ختمِ القرآنِ فلا يَصِحُّ عَنْ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ -رحمه الله تعالى-، وإنما المستحبُ أن يدعوَ كُلُّ أحدٍ بالأدعيةِ القرآنيةِ، والأدعيةِ النبويةِ، وما يحتاجُ إليهِ.

واعلموا أنَّ مَنْ ختمَ القرآنَ فإن الملائكةَ تُصلِّي عليهِ، فإنْ ختمَهُ في النهارِ تُصلِّي عليهِ الملائكةُ حتى تغرُبَ الشمسُ، وإذا ختمهُ في الليلِ تُصلِّي عليهِ الملائكةُ حتى يطلُعَ الفجرُ، ثبتَ هذا عَنْ السلفِ، فقدْ روَى أبو عبيدٍ القاسمُ بنُ سلَّامِ عَن إبراهيمَ التيميِّ أنَّهُ قالَ: مَنْ ختمَ القرآنَ في أوَّلِ النهارِ صلَّتْ عليهِ الملائكةُ بقيَّةَ نهارهِ، ومَنْ ختمَ القرآنَ في أوَّلِ الليلِ صلَّتْ عليهِ الملائكةُ بقيَّةَ ليلهِ.

قالَ العلماءُ كالإمامِ أحمدَ: إذا كان الليلُ طويلًا فاختمْ القرآنَ في أولِ الليلِ، وإذا كان النهارُ طويلًا فاختمْ القرآنَ في أولِ النهارِ حتَّى تُصلِّي عليكَ الملائكةُ أطولَ وقتٍ، فمن قارب الختمةَ وبقيت عليه سورٌ فليتوقفْ عن هذه الختمةِ حتى يجعلها أولَ الليلِ أو النهارِ، وليبدأْ قراءةً جديدةً من الفاتحةِ ثم البقرةِ وهكذا.. وعند أول النهارِ أو الليلِ يكملُ ختمتَهُ السابقةَ مع الدعاءِ.

الحكمُ الثامنُ: مِنَ البدعِ المُنكرةِ التزامُ قولِ: صدقَ اللهُ العظيمُ، عند الانتهاءِ من قراءةِ القرآنِ فقَدْ كانَ رسولُ اللهِ ﷺ والصحابةُ الكرامِ والتابعونَ لهم بإحسانٍ يقرأونَ القرآنَ ويختمونَهُ ولا يقولونَ: صدقَ اللهُ العظيمُ. ولَوْ كانَ خيرًا لسبقونَا إليهِ، وإيَّاكُمْ والبدعَ فهي شديدةُ الإثمِ، فإنَّ كُلَّ عبادةٍ لَمْ يتعبَّدْ بَها رسولُ اللهِ ﷺ ولَا صحابتهُ فإنَّها مِنَ البدعِ.

الحكمُ التاسعُ: اعتادَ كثيرونَ عندَ سقوطِ المصحفِ أن يرفعَوهُ ويُقبِّلُوهُ، وهذا لا دليلَ عليهِ ولَمْ يفعلْهُ السلفُ، ولَو كانَ خيرًا لسبقونَا إليهِ، وإذا سقطَ المصحفُ فارفعْهُ دونَ تقبيلهِ، فلَمْ يصِحَّ في ذلكَ شيءٌ عنِ الصحابةِ الكرامِ -رضي الله عنهم-.

الحكمُ العاشرُ: الفألُ بالقرآنِ، أتدرونَ ما الفألُ بالقرآنِ؟ إن بعضَ الناسِ إذا أرادَ أنْ يُسافرَ وتردَّدَ، يفتَحُ المصحفَ فتحًا عشوائيًّا، فإذا رأى آيةً فيها (اذهَبْ)، كقولِه تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24] قالَ: أُسافرُ!

وهذا الفألُ مُنكرٌ، وقدْ أنكرهُ العلماءُ وبيَّنوا خطأهُ، فلا يصحُّ أنْ يُجعَلَ القرآنُ فألًا، وإنَّمَا هذا مِنْ تلاعُبِ الشياطينِ.

الحكمُ الحادي عَشَر: إنَّ للقراءةِ مِنَ المصحفِ فضلًا عنِ القراءةِ مِنَ الحفظِ، روَى أبو عبيدٍ القاسمُ ابنُ سلَّامٍ عن ابنِ مسعودٍ أنهُ قالَ: أديمُوا النظرَ في المصحفِ. فقَدْ كانَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عمرَ وغيرهمَا مِنَ الصحابةِ ومِنْ أهلِ العلمِ إذا قرأوا القرآنَ يقرأونهُ مِنَ المصحفِ؛ لأنهُ أفضلُ، فيجمعونَ بينَ أجرينِ: أجرِ تلاوَةِ القرآنِ وأجرِ النظرِ في المصحفِ.

الحكمُ الثاني عشرَ: إنَّ القرآنَ نزلَ هدايةً وللتدبُّرِ، كما قالَ سبحانهُ: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29] فلَمْ ينزلِ القرآنُ زينةً تُزيَّنْ بهِ المكاتبُ ولا الدُّورُ ولا المساجدُ، فكثيرٌ مِنَ الناسِ يُزيِّنُ الجدرانُ بآيةِ الكرسيِّ، أو بالمعوذتينِ، أو غيرِ ذلكَ مِنَ الآياتِ، وهذا مُنكرٌ وخطأٌ وقَدْ أنكرهُ العلماءُ، وأفتَتْ اللجنةُ الدائمةُ العلميَّةُ للإفتاءِ برئاسةِ شيخِنَا ابنِ بازٍ -رحمه الله تعالى- بأنَّه لا يصِحُّ .

فلا يصحُّ أنْ يُجعلَ القرآنَ زينةً يُزيَّنُ بِها الجُدُرْ، فإنهُ أجلُّ وأعظمُ فهوَ كلامُ اللهِ سبحانهُ وتعالَى، وأولَى وأولَى أنْ يُنكرَ زخرفةُ المساجدِ، فإنَّ زخرفةَ المساجدِ خِلافُ شريعةِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ ﷺ، روَى الخمسةُ إلَّا الترمذيَّ عَنْ أنسِ بنِ مالكٍ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: «لا تقومُ الساعةُ حتَّى يتباهَى الناسُ في المساجدِ».

وعلَّقَ البخاريُّ -رحمه الله تعالى- عَنْ عمرَ -رضي الله عنه- أنهُ قالَ فيمَنْ أرادَ أن يبنِيَ مسجدًا: وإيَّاكَ أنْ تُحمِّرَهُ أو تُصفِّرَهُ فتَفتِنِ الناسِ.

وعلَّقَ البخاريُّ عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ -رضي الله عنه- أنهُ قالَ: لتُزَخُرِفُنَّهَا كمَا زَخرَفَتِ اليهودُ والنصارَى.

اللهُمَّ يا مَنْ لَا إلهَ إلَّا أنتَ، يا رحمنُ يا رحيمُ اجعلنَا مِنْ أهلِ القرآنِ وخاصَّتهِ، اللهُمَّ مُنَّ علينا بحفظِ كتابِكَ، والعِلْمِ بهِ والعملِ بهِ والدعوةِ إليهِ والصَّبرِ على الأذَى فيهِ، يا أرحمَ الراحمينَ.

أقولُ ما قُلتُ، وأستغفرُ اللهَ لِي ولكُمْ فاستغفروهُ، إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ.

 

الخطبةُ الثانيةُ:

 الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، أمَّا بعدُ:

فإنَّنا ودعْنَا كثيرًا من رمضانَ، فقد كُنَّا قبلَ نَدعوْا اللهَ أنْ نُدرِكَ رمضانَ، ثُمَّ قُبيلَ رمضانَ تبَاشَرْنَا برمضانَ، ثُمَّ جاءَ رمضانُ وازْدَدْنَا فَرَحًا وبُشْرَى بهذَا الشهرِ المُبارَكِ، والآنَ قارَبْنَا أنْ ودعنا كثيرًا منه.

أيُّهَا المسلمونَ، كيفَ أنتُمْ فيما مضى؟ ومَا أنتُمْ عازِمونَ على ما هو آت؟ أكُنتُم أوَّلَ الشهرِ جادِّينَ ثُمَّ بعدَ ذلكَ فرَّطْتُمْ؟ هل زادَتْ قراءَتُكُمْ لكتابِ اللهِ؟ هلْ زادَ إقبالُكُمْ على أداءِ الفرائِضِ والنوافلِ والطاعاتِ والصدقاتِ وإطعامِ الطعامِ في هذا الشهرِ المُبارَكِ؟ أمْ أصبحَ عِندَ بعضِ المسلمينَ كبقيةِ الشهورِ بعدَ أنْ ذهبَ بعضُه؟

راجِعُوا أنفُسَكُمْ أيَّها المسلمونَ، وجِدِّوا واجتهدُوا في قراءةِ القرآنِ، وزِيدُوا مِنَ الوِرْدِ، فمَا كُنتَ تقرأهُ في أوَّلِ رمضانَ مِنْ جزءٍ أو جزئينِ أو خمسةٍ أو عشرةٍ، حاوِلْ أنْ تَزيدَهُ، حتى إذا جاءتْ العشرُ المباركةُ التي هيَ مِنْ أفضلِ أيامِ الدُّنيا، فإذا بِكَ قدْ تدرَّبتَ على كثرةِ القراءةِ، فأكثرتَ وأكثرتَ، وإنْ كُنتَ تحمَّستَ في أولِ الشهرِ في قيامِ صلاةِ التراويحِ ثُمَّ فرَّطتَ بعدَ ذلكَ، فراجِعْ نفسكَ واجتهادَك، فقَدْ يكونُ هذا الشهرُ آخِرَ رمضانَ تُدْرِكُهُ في حياتِكَ.

اللهَ اللهَ يا إخواني أنْ نَجِدَّ ونجتهِدَ، فقَدْ قالَ رَبُّنَا عن رمضانَ: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184] لاحِظْ قولَهُ ﴿مَعْدُودَاتٍ﴾ فهو جمعُ مُؤنثٍ سالِمٌ، وهوَ عِندَ كثيرٍ مِنْ أهلِ العلمِ جمعُ قِلَّةٍ، فهي أيامٌ قليلةٌ.

نسخة للطباعة
تنزيل الكتاب
نسخة للجوال
تنزيل الكتاب

خطبة من أحكام القرآن في رمضان


شارك المحتوى:
0