ما هي طريقتك في تصحيح وتضعيف الأحاديث؟


يقول السائل: ما هي طريقتك في تصحيح وتضعيف الأحاديث؟

الجواب:

طريقتي هي الطريقة التي أعرفها عن أهل العلم مِن فرسان وأئمة هذا الحديث، وهو أنْ يُراعى في الحديث ثقة راويه وعدالته، وسماعه عمَّن يروي عنه، وألا يكون شاذًّا ولا مُعلَّلًا، هذا مِن حيث الجملة.

لكن أُركِّز على أمورٍ قد يغفل عنها بعضهم، وهي ما يلي:

الأمر الأول:حكم الأئمة الأوائل على الحديث، فأعتني كثيرًا بحكم الأئمة الأوائل، كالإمام أحمد وعلي بن المديني، والبخاري، والدارقطني، وغيرهم مِن أئمة العلل، فأحرص كثيرًا أن أرجع إلى كلامهم على هذه الأحاديث، حتى ولو كان ظاهر الإسناد صحيحًا إلا أنني أحرِص على الرجوع إلى كلامهم؛ لأنهم أئمة هذا الفن وهم فرسانه، وهم أعرف بالعلل وأدرى بها، وكم مِن أمرٍ يُظنُّ أنه صحيح لأنَّ إسناده في الظاهر صحيح وفي حقيقة الأمر ليس صحيحًا، ويكتشف ذلك أئمة هذا الفن وفرسانه مِن أئمة العلل الذين تقدم ذكر بعض أسمائهم.

الأمر الثاني:أحرص على سماع الراوي عمَّن يروي عنه، فإنه يكثُر في كتب التراجم أنَّ فلانًا في الطبقة الفلانية وأنَّه يروي عن فلان وفلان ذاك في الطبقة الأخرى، وفي العادة أنَّ مثل هذا يسمع من ذاك، وهذا لا أكتفي به وإنما أنظر في كلام أئمة الجرح والتعديل، وهل سمع فلان مِن فلان أو هل نفوا سماع فلان مِن فلان؟ وهذا يحصل كثيرًا، كم مِن إسنادٍ في الظاهر صحيحًا بأن يحتمِل سماع هذا مِن ذاك إلا أنك ترى أئمة هذا الشأن يُصرِّحون أنَّ فلانًا لم يسمع مِن فلان، فمثلُ هذا لا يُقبَل ولا يُصحَّح.

الأمر الثالث:لا أكتفي بتوثيق مَن ليس توثيقه معتبرًا، كابن حبان بالدرجة الأولى عمومًا وكالعجلي في التابعين، فقد بيَّن المعلمي -رحمه الله- أنَّ العجلي في التابعين أكثر تساهلًا في التابعين مِن ابن حبان، ذكر هذا -رحمه الله- في كتابه (التنكيل) وفي كتابه (الأنوار الكاشفة)، فإذا رأيت تابعيًّا لم يُوثِّقه إلا ابن حبان والعجلي وانفرد بحكمٍ جديدٍ -بهذا القيد- فمثل هذا لا أقبل حديثه، بل يُشدَّد فيه أكثر؛ لأنه قد انفرد بحكمٍ جديد، بخلاف إذا روى ما هو ثابتٌ بالأدلة الأخرى، فإنه يُسهَّل فيه.

الأمر الرابع:أعتني بتفرُّد الرواة، فقد يروي ثقةٌ عن ثقةٍ، لكن هذا الثقة واسع الرواية وله أصحاب وتلاميذ مختصُّونَ به، فانفرد هذا الثقة الذي ليس له اختصاص ٌبه دون أصحابه، فمثل هذا لا يُقبَل حديثه؛ لأنه تفرَّد عن أصحاب هذا الرجل، ولو كان الحديثُ محفوظًا عن هذا الرجل لكان أولى مَن يعرف هذا الحديث أصحابُه، وكثُر في كلام العلماء الإعلالُ بالتفرُّد.

الأمر الخامس:أحرِص كثيرًا على أن أتنبَّه إلى العلة في المتن، فلا أقبل أيَّ زيادةٍ مِن أيِّ ثقةٍ، فإذا زادَ ثقة زيادة لا أجعلها مقبولةً مطلقًا، بل أنظر إلى القرائن، كما هو صنيع أئمة هذا الفن، فقد ذكر جمعٌ مِن أهل العلم كالعلائي والبقاعي وابن رجب وابن حجر في (نزهة النظر) أنه ليس لهم قانون مطَّرد بحيث إنهم يقبلون زيادة الثقة مطلقًا، بل ينظرون إلى القرائن، فقد تُقبَل وقد تُرَد، فليس كلُّ زيادةٍ مِن ثقةٍ تُقبَل، ويُشدَّد في زياداتٍ أكثر مِن زيادة بالنظر إلى القرائن، فلذا لا تُقبَل زيادة الثقة مطلقًا ولا تُرَد وإنما يُنظَر إلى القرائن.

إلى غير ذلك مِن المعاني التي قرَّرها أهل العلم ونبَّه عليها أهل العلم، وقد بيَّنتُ كثيرًا مِن هذه الأمور في شرحي الأخير على (نخبة الفكر)، ولعله يُنشر قريبًا -إن شاء الله تعالى-.

هذا ملخص الطريقة التي أسير عليها، وهي ما أعرفه مِن طريقة أئمة هذا الشأن، أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يحيينا جميعًا على التوحيد والسنة وأن يُميتنا على ذلك.

467_1


شارك المحتوى:
0