ما معنى الأحرف السبعة؟ وهل هي القراءات السبعة؟


يقول السائل: ما معنى الأحرف السبعة؟ وهل هي القراءات السبعة؟

الجواب:

إنه قد ثبتَ عن رسول الله ﷺ في الصحيحين من حديث عمر -رضي الله عنه- أنه قال: «نزلَ القرآنُ على سبعةِ أحرُفٍ، فاقرأوا ما تيسَّرَ مِنهُ»، فدلَّ هذا وغيره من الأحاديث كحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- في البخاري أنَّ القرآنَ نزلَ على سبعة أحرُف.

وهذه السبعة الأحرُف قد تنازَع العلماء فيها حتى أوصَل ابن حبان -رحمه الله تعالى- الأقوال فيها إلى خمسةٍ وثلاثينَ قولًا، نقلَ ذلك عنه الحافظ في (فتح الباري) وزادَ الأقوال السيوطي إلى أن أوصلها إلى أربعين قولًا.

وتحرير محل النزاع في هذه المسألة التي كثُر الخلاف فيها ما يلي:

الأمر الأول: ليست القراءات السبع هي الأحرف السبعة، وهذا بإجماع أهل العلم، حكى الإجماع شيخ الإسلام ابن تيمية وأبو شامة -رحمهما الله تعالى-، وذلك أنَّ القراءات السبع جُمِعَت متأخرة، وأول من جمعها أبو بكر بن مجاهد على رأس المائة الثالثة، كما ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، فجمعها مِن القرَّاء في العراقين والحرمين -مكة والمدينة-، والشام، وجعلها قراءاتٍ سبعة تشبُّهًا بأنَّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، لا لأنَّها هي الأحرُف السبعة، وهذا بالإجماع كما تقدم.

الأمر الثاني: ليس المراد أن كلَّ لفظٍ في القرآن فهو على سبعةِ أحرُف، حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر -رحمه الله تعالى-، بل قال ابن عبد البر: ولا يكاد يوجد إلا قليلًا. فلا يوجد لفظٌ في القرآن يُقرأ على سبعة أحرف إلا قليلًا.

الأمر الثالث: أجمع العلماء على أنَّ هذه الأحرف السبعة غير متناقِضة ولا مُتعارضة ومُتضادَّة مِن كلِّ وجه، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، بل إنَّ ابن تيمية قسَّمها إلى أربعة أقسام:

  • القسم الأول: ألفاظٌ مختلفة لكن معناها مُتقارب.
  • القسم الثاني: أنَّ الاختلاف بينها اختلاف تنوُّع لا اختلاف تضاد، على ما تقدم تقريره.
  • القسم الثالث: أنَّ مِنها ما يتَّحِد في اللفظ والمعنى، وإنما يختلف في طريقة النُّطق.
  • القسم الرابع: أنَّ المعنيين متفقان من وجه ومُختلفان من وجه، بين هذه الأحرف السبعة.

الأمر الرابع: أنَّ مَن نسبَ إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه يُجوِّز قراءة القرآن بالمعنى فقد كذَبَ عليه، كما بيَّن هذا ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.

وبعد تحرير محل النزاع في هذه الأمور الأربعة، فأرجح الأقوال -والله أعلم- أنَّ المراد بالأحرف السبعة هي المُتفقة في المعنى والمختلفة في اللفظ، كقول: (هلُمَّ) و(تعالَ) و(أقبِل)، كما ذكر هذا عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، وقد رجَّح هذا القول ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- وعزاه إلى جمهور أهل العلم، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن جرير الطبري.

والحكمة من إنزال القرآن على سبعة أحرُف أنَّ العرب كانوا متفاوتين في لغتهم، فمن باب التسهيل عليهم جعلها على سبعة أحرف، كما ذكر هذا ابن جرير -رحمه الله تعالى-.

لكن بعد أن جُمِع القرآن على مصحف عثمان -رضي الله عنه- واعتُمِد في ذلك العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على رسول الله ﷺ، فإنه كما في البخاري كان يُدارِس النبي ﷺ القرآن في كل رمضان وفي السنة الأخيرة عرضه عليه مرتين.

فهذه هي العرضة الأخيرة وقد أخذها زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ، وهي التي اعتمدها عثمان -رضي الله عنه- في المصحف الموجود، وهذه ليست فيها إلا حرفٌ واحد، وذلك أنَّ الحكمة التي شُرع من أجلها الأحرف السبعة -وهو تغايُر لغات العرب ويصعب عليهم أن يعتمدوا لغةً واحدةً- قد زالت، فلما زالت الحكمة رأى عثمان -وهو خليفةٌ راشد- أن يجمعَ الناس على المصحف الذي جمعه وأن يكون على حرفٍ واحد.

وقد ذهب إلى أنَّ مصحف عثمان على حرف واحد جماهير العلماء من السلف والأئمة، كما قاله ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ورجَّحهُ أيضًا أبو شامة وابن جرير.

أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.

389_1


شارك المحتوى:
0