يقول السائل: ما صِحة ما أخرج النسائي من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما جلس رسول الله ﷺ مجلسًا قط ولا تلا قرآنًا ولا صلى صلاةً إلا ختم ذلك بكلمات، فقلت يا رسول الله: أراك لا تجلس مجلسًا ولا تتلو قرآنًا ولا تصلي صلاةً إلا ختمت بهؤلاء الكلمات، قال: «نعم، ما قال خيرًا خُتم له طابعٌ على ذلك …» إلخ، وهي كفارة المجلس: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
الجواب:
هذا الحديث قد حصل اضطراب في إسناده واختلاف، والذي رجَّحه أبو حاتم في كتابه (العلل) أنه من رواية رجل من أهل الشام عن عائشة، وهذا الطريق الذي رجَّحه أبو حاتم -رحمه الله تعالى- مقتضاه أنَّ الحديث لا يصح عن عائشة -رضي الله عنها-؛ لأنَّ الرجل مُبهم، فيكون الحديث ضعيفًا.
وهذا الأظهر -والله أعلم- لمَن تدبَّر حاله وجدَ أنَّ في الأسانيد اختلافًا، وذكر الدارقطني أنه من طريق رجل من أهل الشام عن عائشة -رضي الله عنها-.
فالأظهر -والله أعلم- أنَّ الحديث لا يصح عن النبي ﷺ، ومما يؤكد هذا أنني ما رأيت أهل العلم يذكرون استحباب دعاء كفارة المجلس بعد قراءة القرآن، أو بعد الانتهاء من الصلاة، ولو كانت سنةً لاشتهر هذا الأمر عن أهل العلم، فلم أقف لكلام لأهل العلم من علماء المذاهب الأربعة أو غيرهم نصَّ على هذه السنة، فإن وُجد منهم فإنه قليل، والمشهور المعروف والمتواتر من أهل العلم على خلاف ذلك.
فإن قال قائل: قد بوَّب عليه النسائي: (باب ما يُقال بعد تلاوة القرآن)؟
فيقال: ليُعلم أنَّ أهل الحديث يُبوّبون على ما يقتضي الحديث ولا يلزم أنهم يتبنَّون ذلك، فإذا كان ظاهر الحديث يدل على أمر بوَّبوا عليه، لذلك قد يُبوِّبونَ بابين متعارضين باعتبار أنَّ كل حديث دلَّ على شيءٍ، فلذا لا يُقال إنَّ النسائي -رحمه الله تعالى- يذهب إلى هذا، بل قد يُبوِّب على أشياء وهو يُضعِّف الأحاديث التي يرويها تحت هذا الباب، فالتبويب من باب التصنيف لا من باب الفقه الذي يتبناه، هذا الذي يظهر -والله أعلم- من صنيع النسائي وأمثاله.
فالخلاصة: أنَّ أبا حاتم رجَّح الطريق الذي فيه رجلٌ من أهل الشام عن عائشة، ثم أيضًا من جهة الدراية لم أر أهل العلم ذهبوا إلى هذا، ولو كان سنةً ومحبوبًا إلى الله لصرح أهل العلم ببيانه، ولا يصح لنا أن نخرج عن سبيل المؤمنين وأن نأتي بأقوال ليس عليها أهل العلم، هذا في علمي وما وقفت عليه من كلام أهل العلم -والله أعلم-.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.