ما صحة حديث قراءة المعوذتين عند الريح والظلمة الشديدة؟


يقول السائل: ما صِحَّة حديث قراءة المعوذتين عند الريح والظُلمة الشديدة؟

الجواب:

قد أخرجَ أبو داود وغيره عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- أنه قال: بينما أنا أسيرُ مع رسولِ الله ﷺ بينَ الجُحفةِ والأبواء إذ غشيتنا ريحٌ وظلمةٌ شديدةٌ، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يتعوَّذ ب (أعوذ ُبربِّ الفلق) و(أعوذ برب الناس) ويقول: «يا عقبة، تعوَّذ بهِما، فمَا تعوَّذَ مُتعوِّذٌ بمثلِهما».

هذا الحديث أخرجه أبو داود، والطحاوي في (مشكل الآثار)، والخرائطي في كتابه (مكارم الأخلاق)، من طريق محمد بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد المقبُري عن أبيه عن عقبة بن عامر.

ومحمد بن إسحاق شديدُ التدليس، فإذا لم يُصرِّح بالسماع لم يُقبَل حديثه، وهو في هذه الطرق لم يُصرِّح بالسماع، بل عنعَن، فإذا كان كذلك فلا يُقبل حديثه.

ثم لو قُدِّر أنَّ محمد بن إسحاق صرَّحَ بالسماع، إلا أنَّ مِثله لا يُعتمَد عليه فيما تفرَّد به من أحاديث الأحكام، كما بيَّنَ هذا الإمام أحمد وجماعة من أهل العلم، إلى الذهبي -رحمه الله تعالى-، والحديث لو صحَّ لانبنى عليه حكمٌ شرعيّ وهو استحباب قراءة المعوذتين عند الريح والظُلمة الشديدة، أما وهو لم يُصرِّح بالسماع -فيما وقفتُ عليه- فيكون ضعيفًا من باب أولى؛ لأنه مُدلس وقد عنعن.

ثم مما يزيدُ الحديث ضعفًا هو أنه قد أخرجه الإمام مسلم من حديث عقبة بن عامر قال: قال النبي ﷺ: «أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، وَ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}».

فالحديث معروفٌ مِن حديث عقبة بن عامر فيما تقدم ذكره في التعوُّذ بها مطلقًا، وقد أخرجه الإمام مسلم، أمَّا تحديدُها عند الريح والظلمة الشديدة فلا يصح لما تقدم.

ثم أيضًا لم أر أحدًا من العلماء نصَّ على استحباب التعوُّذ بمثل هذه عند هبوب الريح، فلم أر هذا القول معروفًا عند علماء المذاهب الأربعة، وهذا مما يزيد الحديث استنكارًا وضعفًا، فإنه لو كان مستحبًّا لبيَّنهُ العلماء ولَمَا أغفلوهُ، فإنَّ علماء المذاهب الأربعة وغيرهم يُبيِّنونَ المستحبات في شرع الله، فلما كان كذلك زادَ الحديث ضعفًا.

ولو وُجد مَن قال ذلك فعلى أقل تقدير أنَّ القول بذلك ليس مشهورًا ولا معروفًا عند أهل العلم، وهذا مما يُوجس في النفس شكًّا وريبًا تجاه صِحة الحديث وتجاه العمل به والقول باستحبابه، وإنما الذي ثبتت به السنة ما أخرج مسلم من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا رأيتم الريح فقولوا: اللهم إنا نسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أُرسلت به، ونعوذ به من شرها وشر ما فيها وشر ما أُرسلت به»، وهذا الذي يُستحب أن يُقال هو الثابت عن رسول الله ﷺ.

384_1


شارك المحتوى:
0