يقول السائل: ما حكم السلام بالإشارة؟ علمًا أنه قد جاء حديثٌ في النهي عنه؟
الجواب:
قد ثبت عند النسائي في (السنن الكبرى) عن جابر -رضي الله عنه- أنَّ النبي ﷺ قال: «لا تسلموا تسليم اليهود بالرؤوس والأكف والإشارة»، وهذا الحديث جوَّد إسناده الحافظ ابن حجر في (الفتح) وحسنه الألباني.
وثبت عند البخاري في (الأدب المفرد) أنَّ عطاء بن أبي رباح -رحمه الله تعالى- قال: كانوا يكرهونه، وفي لفظ: كان يكره التسليم باليد.
فالحديث المرفوع وقول عطاء يدلَّان على كراهة التسليم بالإشارة، وقد جاءت أحادث تدل على التسليم بالإشارة، لكن بيَّن العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في حاشيته على كتابه (جلباب المرأة المسلمة) أنه لم يصح في ذلك حديث، وأنه لم يصح مِن الأحاديث إلا حديث جابر في النهي، وأما الفعل أيضًا لم يصح فيه حديث -أي السلام بالإشارة- وقد روى الترمذي من حديث أسماء بنت يزيد -رضي الله عنها- أنَّ النبي ﷺ مرَّ على قطعةٍ مِن النساء فأشار إليهنَّ بيده وسلَّم، إلا أنَّ هذا الحديث لا يصح؛ لأنَّ في إسناده شهر بن حوشب، كما بيَّنه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-.
إذا تبيَّن هذا، فإنَّ النهي في الحديث لأجل مشابهة الكفار، ومِن المتقرر عند علماء المذاهب الأربعة أنَّ مشابهة الكفار تدل على الكراهة ولا تدل على التحريم، فإذن النهي في الحديث هو لأجل المشابهة، وهذا يفيد الكراهة لا التحريم، وقد صرَّح النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه (الأذكار) على أنه للكراهة، ونقل كلامه الحافظ في (الفتح) وأقرَّه، وقاله المالكية وقرره المناوي في كتابه (فيض القدير).
أما الصنعاني في (سبل السلام) فقد قال بالتحريم أو الكراهة وتردَّد، ولم أر أحدًا سبقه إلى التردد في التحريم، ومِن باب أولى لم أر أحدًا سبق إلى القول بالتحريم، لذا الذي ينبغي أن نفهم بفهم العلماء، والذي يدل على ذلك أمران:
الأول: فهم العلماء كما تقدم.
الثاني: أنَّ التشبُّه يفيد الكراهة ولا يفيد التحريم.
ثم إنَّ مما يدل على عدم التحريم، أنَّ ابتداء السلام مستحب، فلو تعمَّد أحدٌ وترك ابتداء السلام فلم يقع في محرم، فلو مرَّ رجل على قوم بلا سلام، فلم يقع في محرم وإنما تركَ مستحبًّا، وكذلك إذا أشار بلا سلام فلا يُقال إنه وقع في محرم.
فإن قيل: إنَّ هناك تشبُّهًا؟ فيقال: تقدم أنَّ التشبه يفيد الكراهة لا التحريم.
ثم إنَّ هذه الكراهة -والله أعلم- ترتفع مع التسليم؛ لأنَّ مَن سلَّم فقد خالف فعل اليهود؛ لأنَّ اليهود لا يسلمون، فلذلك إذا أشار مع التسليم فقد ارتفعت الكراهة، ولم أر أحدًا قال بكراهة الإشارة مع التسليم، أو بتحريمه، إلا بعض المعاصرين، أما العلماء الأولون فقد تقدم بيان قولهم، فالكراهة ترتفع بالتسليم لأنَّه مع التسليم تحصل المغايرة وعدم المشابهة للكفار، هذا فيما يتعلق بتقرير هذا الحديث من جهة فقهه.
وعلى هذا: ما يفعله رجال الشُّرَط والعسكر من الإشارة بالتحية فليس محرمًا لأجل المشابهة؛ لأنه لو قُدر أنَّ فيه مشابهةً فالمشابهة تفيد الكراهة لا التحريم، ثم هذا الفعل قد انتشر، وضابط التشبُّه هو ما كان خاصًّا بالكفار، أما إذا انتشر بين المسلمين والكفار فإنَّ التشبه يرتفع كما قرره ابن جرير والنووي وابن تيمية والذهبي، وجماعة من أهل العلم.
ثم إنَّ غاية الإشارة التي يُشيرون بها الكراهة إذا لم تقترن بالسلام، لما تقدم ذكره لأنَّ النبي ﷺ نهى عن الإشارة بالأكف والرؤوس، كما كان يفعل ذلك اليهود.
أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا.